اصطفاف الانظمة الشمولية لمواجهة الحراك الشعبي

احمد الفاضل هلال

تحاول جهات محلية ودولية تجريد الصراعات في المنطقة من الطبيعة الاجتماعية والطبقية ومع السعي الحثيث على تشويه هوية الصراع والخوف من اعطائه هويته الطبقية المميزة. هذا التجاهل يتم عن وعي وليس عن جهل كما قد يبدو للبعض. يتم كل هذا في اطار خلط الاوراق واعطاء صورة مغلوطة تماما عن السلام الطبقي وغياب الفوارق الاجتماعية.

ان الشئ المذهل حقا في المنطقة هو قدرة الطبقة السياسية المسيطرة على سرعة التموضع واعادة بناء تحالفاتها فيما بينها كقوى يوحدها الاستبداد والتبعية لدوائر النفوذ العالمي وهي كقوى ليس بينها تناقضات جوهرية سواء اكان النظام ملكيا او جمهوريا ، عسكريا او مدنيا، فهي جميعا تتوحد تحت سقف البقاء في السلطة والمحافظة على الامتيازات. ويفرقها فقط شخصنة القضايا والغيرة على العمالة اي في من اكثر عمالة ونذالة في خدمة الخارج.

بعد سنوات من هزيمة المشروع الوطني في حرب 1967م منيت حركة التحرر الوطني في المنطقة العربيه بضربة مميتة باتفاقية السلام مع اسرائيل والتي حيدت رأس الرمح لتلك الحركة والذي اصبح شاهد عيان على تصفية المراكز المتقدمة للقوى الثورية.

هذه الانعطافة التاريخية هي التي شكلت ومهدت الطريق لمزيد من الانجرافات في مخططات جديدة كمشروع الشرق الاوسط الكبير وصفقة القرن..الخ كل هذه المشاريع صممت لضرب القوى الحية وتعزيز مواقع قوى التبعية والاستبداد. ولا يلزمنا التأكيد بان اسرائيل كدولة يمينية متطرفة وشعبوية تتلاقى مصالحها مع الانظمة الفاشلة والمستبدة في المنطقة.

ولا شك من أن اسرائيل قد اسند اليها في السابق واليوم مهمة ضرب حركة التحرر والديمقراطية. وما الهلولة واحاديث التطبيع ما هي الا دليل قاطع ليس على التواطؤ ولكن يعبر عن تماثل الاهداف، ولعل الازمة السورية خير شاهد على المخططات التي تحاك في الشوارع الخلفية للأحداث وان محاولة رد الاعتبار للنظام السوري من اعداء الامس، كخطوة لا تثير الدهشة اذا ما تعمقنا في طبيعة هذه الانظمة التي يوحدها الاستبداد والاقصاء والعداء للحركة الجماهيرية الاجتماعية ويفرقها فقط الاخلاص والتنافس في العمالة.

ان الهرولة نحو النظام السوري تشير بوضوح الى ان العداء هو على المتغيرات التي احدثها الربيع العربي فهي لا زالت تثير الفزع في الانظمة الشمولية وجماعات رأس المال والشركات المتعدية الحدود. ان محاولة القوى اليمينية والظلامية تحميل الربيع العربي مسؤولية التدهور والخراب في المنطقة والغاء اللوم على الثوار هي مسألة ليست جديدة في اطار الصراع بين القوى السياسية في العالم وهذا التبرير يفتقد للمصداقية اولا لان هذه الانظمة المستبدة هي التي اوصلت الدولة الى هذا المستوى من الفشل وان معظم الأنظمة التي اتت بعد الربيع وتسلمت السلطة هي نفس القوى التي ظلت تتربع على كراسي الحكم لعقود وهي نفس القوى السابقة التي القت بالثوار في السجون والمعتقلات وبل جعلت منهم لاجئين لاسباب سياسية. ان فزاعة الربيع العربي ما عادت تلك الطبخة غير المسبوكة وما عادت صالحة للاستخدام والتضليل.

يجب الاقرار بانه ومنذ 2011 ظل هنالك حراك شعبي في بلدان المنطقة من الريف في المغرب وتونس وموريتانيا وليبيا مرورا بمصر والاردن ولبنان والكويت والبحرين والسعودية وايران والعراق وليس انتهاء بالسودان وتونس مجددا هذا الحراك وفي حالة مده وجزره هو ما يدفع بالأنظمة المستبدة لتجاوز تناقضاتها الثانوية في سبيل مواجهة الخطر الاكبر والذي تمثله اشباح الربيع العربي في التحركات الشعبية والذي ما عاد اي الحراك يطرح مجرد قضايا مطلبية كتوفير فرص العمل والخبز والخدمات. ان الحراك الشعبي تجاوز الخطوط الحمراء للأنظمة الفاشلة وان الطرح بات اكثر وضوحا في قضايا العدالة الاجتماعية ودولة المواطنة المتساوية في مواجهة دولة الاقصاء والانفراد بصناعة القرار انهم مع دولة التداول السلمي الديمقراطي للسلطة في مكان الأبدية هم مع دولة القانون والمؤسسات وفصل السلطات واحترام التعدد والتنوع وحق من لا صوت لهم في السلطة..الخ

بلا شك هذه المطالب المشروعة للجماهير هي مصدر قلق وخوف للذين ادمنوا البقاء في كراسي السلطة والذين يرون ان السلطة هي ملكية حصرية وماركة مسجلة لهم. ولكن هم ومعهم قوى اقليمية ودولية يزعجها الحديث عن العدالة الاجتماعية والتوزيع العادل والمنصف للموارد وقوة الحس الوطني المستقل.

يجب الا نندهش اذا ما اصبحت القبلة التي يحج اليها المستبدون هي دمشق وتل ابيب. هؤلاء توحدهم المصالح واوهام الخلود والعداء للحركة الجماهيرية.

ان الحديث عن وحدة الاراضي السورية والسيادة وضرورة التعايش مع الصهاينة وحوارات الاديان كلها اكاذيب وخداع لتمرير واعتماد سياسات جديدة هدفها هو عرقلة اي حراك شعبي. ان الاطروحات التي يروج لها اليوم من قوى الاستبداد هي دعوات فجة للتراجع والانكفاء ولحماية الاستبداد ندرك جميعا بان المنطقة ظلت ومنذ احداث الربيع تتعرض للابتزاز والضغط من قبل صندوق النقد والبنك الدوليين كأهم ادوات تنفيذ سياسات الليبرالية الجديدة في تركيع حركة الشعوب عبر وصفات وروشتات يشككون هم في جدواها.

على العموم ان الصراع واضح بين قوى الديمقراطية ودعاة العدالة الاجتماعية وقوى الاستغلال والاقصاء ومنتهكي حقوق الانسان.

ان اسرائيل لا تختلف في شئ عن انظمة الاستبداد والعمالة الا في احتلالها لموقع الصدارة في الممارسات والانتهاكات اللا انسانية وقدرتها وبمساندة قوى دولية في سن قانون القومية الجديد الذي يقسم المواطنين على اساس الدين والذي لم يجد اعتراضا من الدوائر الرأسمالية العالمية التي تتحدث نفاقا عن حقوق الاقليات.

ان هذا الاصطفاف الجديد لأنظمة التبعية بالمنطقة يعبر عن حالة الهلع الذي تعيشه هذه الانظمة المهترئة في خريف عمرها وهي اليوم فاقدة للإصلاح والصلاحية والقدرة على التجديد والمواكبة. ولكنها لم تستسلم بعد وتحاول لملمة اطراف معسكرها على الرغم من بعض الاختلافات والتناقضات لمواجهة الارادة الشعبية المتصاعدة وروح التغيير.

انقرهنا للتنزيل

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )