ايقاف الحرب وبناء السلام

احمد الفاضل هلال

يجب القول بانه قد توفر في وقت سابق مناخ للحروب الاهلية في السودان وهذا بسبب سياسة نظام حكم الفرد والتنظيم الاوحد القائمة على الاقصاء والعنصرية وعدم ادارة وتوظيف موارد البلاد في تحقيق التنمية المتوازنة والمستدامة لمصلحة الغلبية وفي عدم تصحيح معادلة السلطة مع التفريط في السيادة الوطنية بانتهاج سياسة التبعية والمحار ومع العل الممنهج على تمكين شريحة طفيلية اسلاموية معادية للاعراف والقيم الانسانية. ان خيار النضال المسلح لم يكن قرارا او خيارا وانما كان قدرا فرضه نظام المخلوع على معارضيه باعتباره مكمن مهارته.

العموم ان النضال المسلح كان احد وسائل لي يد لنظام لاعطاء فرصة للنضال السلمي ورفع الضغط عليه واجبار الشمولية على تقديم بعض التنازلات في ظل توازن القوى الذي عبر عن نفسه في تلك اللحظة التاريخية.

ان الوسائل تتغير مع معطيات الواقع وبالتأكيد ليس هنالك في الحياة فكرة او حقيقة خالدة، فالثابت الوحيد هو التبادل وان بقاء او فناء اي تجربة هو في قدرتها على التفاعل الصحي بتغيير محيطها البايولوجي والكيميائي ولسنا هنا بصدد التقييم او اعداد مقاربة ومقارنة بين النضال السلمي والمسلح كأوجه متعددة للنضال او نريد ان نقلل او نرفع من شأن هذا او ذاك- ندرك ان الشعوب هي التي تصنع تاريخها ولن ليس دائما على هواها او رغبتها فالظروف والمنعطفات ربما غيرت المسار.

اليوم وقد سقط رمز النظام وتنظيمه الفاشي والدموي وهذا في حد ذاته مصدر فخر وارتياح ولكن نتطلع في هذه المرحلة في التصدي لمهام بناء الدولة ، واول مقومات بناء الدولة هو ايقاف الحرب والعمل على اجتثاث جذوره العميقة وبناء مرتكزات ومقومات السلام وهي توفير الحريات وتحقيق العدالة والمساواة وليس هنالك من سبب ومهما علت قدسيته ان يجعلنا شرطي في المنطقة والمحاور العالمية.

ان قوة الدولة ليس في قيادة الحروب وكما أكدت ثورة ديسمبر المجيدة على أهمية وحدة الشعب وقوة ارادته وتماسكه. فلا السلاح او المليشيات لم تحمي النظام الذي وضع كل ثقله وثقته من السوط والذي استعدى كل القطاعات .فالحرب كانت الخيار المفضل للنظام وطبقته الطفيلية والريعية والتي كانت ترى في خيار الحرب ليس مجرد الاقصاء ولكن كوسيلة لتجريف الوارد وتمكين وتوسيع لقاعدتها السياسية والاجتماعية العصابات والبلطجية والمتاجرين باسم الله.

عم كانت هنالك حرب وضحايا ومرارات وافراط في مظاهر العنف ولكن وراء كل هذا كانت هنالك قوى اجتماعية اسلاموية مستفيدة من الحرب التي كانوا يرون فيها القداسة ومبررا للبقاء ومن وحشية العنف ارادوا توصيل رسالة للحركة الجماهيرية مفادها السحق وليس هنالك عقدة لو تمت تصفية الثلث الفاعل.

لا نود ان نذكر بعض العموميات التي يعرفها الجميع عن آثارالحرب على الحياة الاجتماعية والمدنية من الفساد والبطالة وتدهور الخدمات والنزوح واللجوء والفقر المدقع التي لم تطمس معالمه كل مظاهر التدين الشكلاني.

وكل هذا معلوم ولكن تم تجاهل الجوانب النفسية والانسانية والمعاناة التي اصبحت نمط حياة يومي لسكان المعسكرات ولعل البعض ادرك مؤخرا من المبيت في ساحات الاعتصام حجم الاهوال والمعاناة والبطش على الرغم من اختلاف الحالتين من حيث مقادير المكان والزمان. وبالتأكيد لا نريد ان نتناول التكاليف الاقتصادية واهدار الموارد بسبب هذه الحرب الاهلية اللعينة ولكن النظام ظل يقاتل بشراسة من اجل الابقاء على هذه المحرقة حية لانه يفتقد لمقومات البقاء بدون ممارسة هذه الهواية لابتزاز اسياده في التنظيم الدولي للاخوان المسلمين الذي كان يرى في السودان قاعة مقتدمة لجماعته واهدافه العابرة للحدود.

ومما لا شك فيه هنالك فجور جديد يلوح في الافق باعلان الاتفاق بين قوى اعلان الحرية والتغيير والمجلس العسكري حول هياكل ووظائف الفترة الانتقالية والتي نصت في مقدمة الاتفاق على اعطاء اولوية لمسألة انهاء الحرب الاهلية في ستة الاشهر الاولى للفترة الانتقالية. فالسلام كان احدى شعارات الثورة الباسلة ولا يمكننا انكار الدور الثوري للحركات المسلحة في خلخلت النظام واذلاله بالوقفات الشجاعة في المعسكرات. ولا يمكن كذلك التعالي على نضالها ازرعها السياسية في العمل السلمي او المزايدة على التضحيات اعمال الاغتيالات الممنهجة التي قدموها ارواحا طاهرة لاعلاء قيم الحرية والعدالة والمساواة.

واليوم فان الحركات وجماهير المعسكرات في النزوح واللجؤ الاجباري والقسري في حاجة للتكرم والانصاف للوعي المبكر والوقوف في وجه الاستبداد والدكتاتورية.

ان الثورة السودانية رفعت ستارة التاريخ امام الجميع للمشاركة وتشكلت لوحة جديدة على جدران الواقع تتطلب اكثر من اي وقت مضى وحدة الكيانات ومكونات العمل السياسي والعسكري من اجل انجاز مهام المرحلة الانتقالية وبألتاكيد هي مسئولية كبيرة وصعبة بدون ارادة وطنية جماعية. وان الحركات المسلحة هي جزءا اصيل من هذه المسئولية الوطنية والتاريخية. وهذا حتى لا يكون موقف بعض الحركات المسلحة متطابقا تماما مع موقف المناضل الراحل جون قرنق في عام 1985 في توصيفه لانتضالة مارس/ابريل المجيدة بانها مايو تو.

وهذا الموقف وكما يعلم الجميع بانه اثر سلبا على ترجيح موازين القوى لمصلحة قوى الانتفاضة بل اعطى فرصة غير مستحقة لقوى الردة للالتفاف واحتواء الانتفاضة. ولكن من الايجابيات نجد ان بعض الحركات المسلحة ومن خلال عضويتها بنداء السودان كمكون لقوى اعلان الحرية والتغيير هي جزء من الاتفاق السياسي الذي تم الاعلان عنه مع المجلس العسكري وهذا ايجابي الا ان هنالك حركات كحركة القائد الحلو وعبد الواحد الخ.. لم توقع على وثيقة اعلان الحرية والتغيير على الرغم من ان جماهيرها كانت من اللجظات الاولى في قلب الحراك الشعبي بتوجيهات القيادة ولا نريد ان نتحدث عن وطنية هؤلاء القادة لان هذا ليس من اختصاصنا ولان شرعية وطنيتهم اكتسبوها بالنضال من خلال انحيازهم لقضايا مناطقهم وشعب السودان ولكن هم اليوم مطالبون بمد اليد للثوار لاستكمال عملية التغيير وعبور بعض الجسور للغفران وليس لنسيان، فالتاريخ لا يموت ولا ينتهي.

ان المطلوب من الحركات المسلحة التي لم توقع على الاعلان ان تقييم الاحداث الجارية والاتفاقيات من منظور ايجابي يؤدي الى تعزيز مواقع قوى الحرية والثورة وان الاتفاق مهما كان شكله ومضمونه فهو خطوة الى الامام في اتجاه تصفية تركة الحزب الواحد والعصابات الاجرامية نحو دولة الوطن والمواطنة.

ومهما كان شعورنا بعدم الرضى فان اي اتفاق في المحصلة النهائية ما الا تعبير ضمني عن حالة توازن القوى على الارض بشكلها المرئ والملموس والاتفاق هو خير من الخيارات السابقة في اشكال الهبوط الناعم والسيناريوهات التي اعدت للحالة السودانية.

ان ما تحقق للشعب من انجازات بفضل الجسارة والايثار لم يكن شيئا معطي او عملا جاهزا ولكن ايضا ما تبقى من واجبات ومهام يتطلب نضال كل القوى التي تؤمن بدولة المواطنة المتساوية او ان الدولة المدنية الديمقراطية تتطلب ايضا نضال ووجود كل الفصائل الثورية في المؤتمر الدستوري الذي يجب التأطير له لنموذج الدولة التي ضحى من اجلها الشباب والشابات وكل المناضلين منذ مجئ ذلك النظام الاجرامي ان اصدار المراسيم الدستورية الفورية بايقاف الحرب في مناطق النزاعات والغاء قوانين الطوارئ والغاء العقوبات الجائرة بحق بعض اعضاء وقادة الحركات واطلاق سراح المناضلين من العسكريين وسياسيين يتخذ اولوية قصوى في اتجاه تهيئة المناخ وهذه قرارات ساسية تفصح في الاساس عن حسن النوايا ورغبة الشعب في السلام مع العودة الطوعية للنازحين واللاجئين وما تتطلبه من اجراءات.

ان بناء السلام والثقة هي مهمة اصعب من الاعداد لاشعال الحرب وهذه التعقيدات تتطلب الصبر لان الوطن ملكية لاي جماعة مهما ادعت بالوطنية.

ان المكان الحقيقي اليوم للحركات المسلحة ان تكون بين جماهير الشعب السوداني لانه هو الضمان لبقاء الفعل والروح الثورية وان تكون هذه القيادات بين جماهيرها على الارض لتقف على حقيقة رؤيتها واحتياجاتها وان تكون حضورا في المشاركة في هيكلة الدولة واجهزتها وان تكون في مكان صناعة الحدث والمشاركة في تنفيذه.

نحن اليوم في حاجة لخطاب جديد فيه نفس الثورة الحالة التي تجاوت في اهدافها الخطابات الاستعلائية وخطابات نبش الحساسيات والاتهامات بين مفاهيم اولاد البحر والزرقة. والمركز والهامش والجلابة والجنقو.. الخ هذا النوع من الخطابات لا يؤسس لوعي ولكنه يضع قضية الهوية وبشكل فج فوق مفاهيم الوطن والوطنية ويقدم العنصرية فوق الحقوق فالعنصرية ليست مسالة جغرافية ولا احد ينكر وجودها في كل السودان وان النضال ضدها لا يتم بصب المزيد من الوقود عليها لجعلها قضية حية وبدا بالذاكرة.

لنناضل جميعا من اجل الدولة المدنية، دولة المواطنة المتساوية- وان هجاء العنصرية قرونا او بالمقالات والاوراق الممتازة لن يقضي عليها ولكن لنمضي جميعا في اتجاه استئصال الجذور السياسية والاقتصادية والاجتماعية باقامة دولة المواطنة القائمة على التنوع وحق الاختيار. ونوقف الحرب الان وليس في مدة الستة اشهر كما جاء في الاتفاق.. وحرية وسلام وعدالة ....  السلام خيار الشعب...

انقر هنا للتنزيل

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )