(أب دقناً تحت الكاب) و حملة (الدفتردار) الانتقامية

بقلم/أمين محمد إبراهيم

كما انتحل سلفه المخلوع البشير، في 30 يونيو 1989م، صفة القوات المسلحة (كمؤسسة قومية محايدة) و خاطب ضباطه وجنوده باسم مذكرة قادتهم و استولى على الحكم لحساب شيخ تنظيمه وسلمه كل البلاد و إدارتها، و كافة مواردها ومقدراتها (صرة في خيط) كما نقول في عاميتنا، كذلك انتحل خلفه المجلس العسكري المتآمر الانقلابي (أب دقناً تحت الكاب)، صفة المؤسسة العسكرية القومية، للاستيلاء على الحكم في 11 إبريل 2019م، بخدعة الانحياز لخيار الشعب وثورته، بينما كرِس المجلس المذكور كل سلطته للحفاظ على فلول شريحة الطفيلية الاسلاموية، (قاعدة النظام السابق وحاضنته الاجتماعية) و لحماية مصالحها وامتيازاتها. و لذا نرى المجلس يبذل الآن، كل ما في وسعه من حيل وجهد، للإبقاء على بقايا بنية دولة الاسلامويين الشمولية بأجهزتها وتشريعاتها الحارسة لمصالحها و امتيازاتها مع مصالح وامتيازات حلفائها في ميدان الصراع السياسي (شاملاً السوق و جهاز الدولة بشقيه المدني والعسكري).

ولأجل تنفيذ تكليفه، يسوف المجلس و يتلكأ ويماطل، في تصفية وتفكيك دولة الحزب والأيديولوجيا و يعاند بإصرار للإبقاء على ذات هياكل دولتها مع إجراء تغييرات و تعديلات سطحية طفيفة و شكلية، لا تتعدى الرسوم و الوجوه والمسميات، بحيث لا تمس جوهر تلك البنية حرصاً على تكريس، استمرار غلبة شريحة الرأسمالية الطفيلية وحلفائها و سيادة  مصالحها وامتيازاتها، بحسبان مصالح وامتيازات قادته رهينة ببقاء وديمومة النظام. الأمر الذي ضمنها يجعلهم يستميتون في الدفاع عنه، لا سيما و أن حصول غالبيتهم عليها، كان للولاء الحزبي لا الكفاءة، أي بلا أدنى استحقاق أو مسوِغ شرعي.

لم يغب بالطبع عن وعي ثوار 19 ديسمبر، العالي و المتقد و فطنتهم التي لا تفوت عليها فائتة، أن تأسيس وتشكيَل مجلس (أب دقناً تحت الكاب) كان بأمر الفريق ابن عوف في بيان عمد فيه إلي حمل الشعب للاعتقاد بانحياز مجلسه لخياره. بيد أن الانحياز المزعوم لم ينطل على الشعب، لثلاث أسباب أولها: هو أنه كان يعلم أن سلطة وصلاحية مَنْ شكَل المجلس مستمدة من كونه نائب الطاغية و وزير دفاعه و ورئيس اللجنة الأمنية العليا المكلفة بالدفاع عن نظامه والزود عن بقائه واستدامته. و ثانيها: هو أن أهم مرتكزات البيان  تثبت بوضوح نقيض الانحياز لخيار الثوار كما سنوضح لاحقا. وثالثها: هو أن المجلس الانقلابي (وليد) اللجنة الأمنية التي كانت تدير المعركة الموغلة في العنف و الدموية ضد الثوار منذ انفجار الثورة في 19 ديسمبر 2018م.

و لذا أعلن، في بيان تأسيس المجلس الانقلابي، تماهياً مع موقف اللجنة الأمنية العليا المضاد للثوار، و المعادي والمناوئ لثورتهم المباركة، تعليق العمل بدستور 2005م الانتقالي، مع إعلان حالة الطوارئ وحظر التجول. و هي ذات الإجراءات والتدابير التي سبق وأن لجأ إليها (سلف المجلس) السفاح المخلوع، في أواخر أيامه عند اشتداد حصار الثوار وتضييقهم الخناق عليه.

و لمن له أدنى إلمام، بأبجديات الدستور و القانون، فإن مفاد تعليق العمل بالدستور وإعلان حالة الطوارئ وحظر التجول، هو تقنين تجريم التعبير عن الرأي منعاً باتاً، وتوفير المبرر القانوني الكامل لقمع وقهر من يتمسك بحق التظاهر و الاحتجاج قمعا يصل إلي تصفيته جسدياً.

و لم يكن متوقعاً، أن يفعل المجلس الانقلابي، شيئاً خلاف السير، في نهج وخط سلفه المخلوع، و حذوك النعل بالنعل، ذلك لأنه في واقع أمره، لم يكن شيئاً آخر غير ذلك النظام نفسه ولكن (وكالةً). ولذا تجد أن ما انتهى إليه (المجلس الخلف)، من تجريم التعبير عن الرأي ...إلخ.  هو ذات ما بدأه (المخلوع السلف). فإذا كان منهج الخلف هو (صيغة منتهى اشتهاء) السلف، فما وجه الغرابة في إنابته عنه ـ أي إنابة (الوكيل)  عن (أصيله) ـ في السير لإنجاز برنامجه ومخططه لإخضاع السودان وشعبه جبراً وقهراً ومغالبةً، لفلول شريحة الطفيلية الرأسمالية الاسلاموية حاضنة النظام المخلوع وحلفائه الطبقيين والسياسيين؟؟!!.. وفي اعتقادنا أنه لو قيض للبشير استقبال ما استدبر من أمره لما وجد أفضل مما أراده له ( مجلس الفريق ابن عوف و خلفه) في تنفيذ و تطبيق ذات مخططه، و لنفس الغرض  و هو هزيمة الثوار وإطفاء نور ثورتهم المباركة. ولكن وعي و يقظة الثوار الذين تمسكوا برفضه وصمموا على لفظه وخلعه مع رئيسه (رأس النظام السابق الذي قرر مجلسه اقتلاعه والتحفظ عليه باعتقاله في مكان آمن) بحسب عبارة بيانه، باعدت بينه وما زالت تباعد بين (خلفه) وبين إطفاء نور الثورة.

في حيثيات تبريره خلع البشير و إنهاء نظامه ذكر المجلس الانقلابي، أن المخلوع أصر على فض الاعتصام أمام القيادة العامة بالقوة المسلحة بالغا ما بلغت الخسائر في الأرواح، و أمرهم (كلجنة أمنية) بتنفيذ ذلك. و ذكروا أنه قال: "الشرع يجيز له بحسب فتوى من استفتاهم قتل ثلث (وفي رواية نصف) شعبه!! كما ذكروا أيضاً أنه أمهلهم مدة ثمانية وأربعين ساعة، مهدداً و متوعداً بقوله: (ما عايز أشوف زول بعدها في ميدان الاعتصام). إذا كان هذا هو سبب الحقيقي (لاقتلاع رأس النظام السابق والتحفظ عليه في مكان آمن) بحسب عبارة المجلس فما الذي جعل نفس المجلس يعود ( ليحل محل البشير) ويفض الاعتصام بتاريخ 3/6/2019م بالقوة الدموية القاتلة والمؤذية؟؟.

هل يستقيم عقلاً و منطقاً أن يأتي من أبى ورفض استخدام غيره العنف الدموي ضد المحتجين السلميين، ليستخدم هو نفسه ذات العنف الدموي ضدهم، كما فعل المجلس الانقلابي؟؟. الإجابة عندي بالنفي القاطع. و عليه تبقى الأسباب والدوافع الحقيقية لقرار قيادة المؤسسة العسكرية، التخلص من البشير، و انهاء حكمه، في 11 إبريل 2019م، مظللة بدخان كثيف من الابهام، و محاطة بالريب والشكوك من كل جانب.  و يتعذّر، من ثم، تفسَيرها و فهمها بمعزل عن مسألتين: أولاهما: هي أن البشير كان قد أصبح في نظر الكثيرين من أقطاب نظامه وقادة حزبه عبئا ثقيلاً على النظام والحزب على السواء. وثانيتهما: هي وتكالب أجنحة المؤتمر الوطني و قياداته ( وتشمل الكادر العسكري في التنظيم وحلفائه في قمة المؤسسة العسكرية) وصراعاتهم على كرسي الحكم و تنازعهم فيه وتنافسهم عليه لتصفية الحسابات لتحديد من يحق له الجلوس عليه  والحلول محل رئيس دولتهم و زعيم حزبهم الذي صار (كرتاً) محروقاً على صعيد المؤسستين (معاً).

ونخلص من ذلك إلي خطل وبطلان زعم المجلس العسكري انحيازه للشعب الثائر، بقرينة ثبوت عكسه و نقيضه. أي انحياز ضد الشعب، وتحالفه مع خصمه، وتآمره عليه لنسف ثورته؟.

هل يصدق من رأى المشاهد الوحشية الدامية لفض الاعتصام في 3 يونيو 2019، و شاهد اسراف قوات المجلس الانقلابي في استخدام العنف الدموي لازهاق أرواح العزل وسفك دمائهم أن يكون الغرض من الهجوم هو فض اعتصامهم فحسب ؟؟

إجابتي القاطعة هي أن القصد لم يكن أبداً فض الاعتصام فحسب لأن الكيفية التي فض بها الاعتصام تؤكِد دون أدنى شك فيه أن (من أمر بالفض ونفذه) قد أرادا النتيجة التي أسفرت عنها هذه المعركة الوحشية بحذافيرها لتوصيل رسالة تهديد و وعيد وإخافة لقوى إعلان التغيير والحرية مفادها أن القصد متجاوز عمداً لفض الاعتصام، وممتد لتصفية الثورة وكسر عزيمة واصرار الثوار. ولذا قامت القوة المهاجمة بمفاجأة  المعتصمين العزل بالهجوم عليهم بغتة وغدرا وانقضت عليهم بأقصى درجات الدموية والوحشية بنية اسقاط أكبر عدد منهم بين قتلى (أكثر من مائة بحسب الثوار) (اعترف المجلس و إعلامه بعدد 61 من القتلى) وجرحي (بالمئات) و مفقودين (بالمئات).

وفي اعتقادنا أن الرسالة قد وصلت وفهمت واستوعبت ولكن دون إحداث أقل القليل من الأثر الذي رامه (المرسل) بدليل أن (المرسل إليها) وبدلاً من الخوف من تهديد و وعيد المجلس الانقلابي قد حملته في كل بياناتها ومخاطباتها مسئولية الهجوم على  المعتصمين وفض اعتصامهم بأقصى درجات الدموية والوحشية وتمسكت بحقها كشف في القتلة ملاحقتهم لتقديمهم للعدالة لنيل العقاب والجزاء العسير.

وفي ذات السياق حمل مجلس الأمن والمنظمات الدولية والحقوقية الاقليمية والدولية وأمريكا ومعها دول الاتحاد الأوربي المجلس العسكري مسئولية المجزرة، كما طالب الامام الصادق المجلس العسكري بالاعتراف بأن فض الاعتصام كان مدبراً. إجابة المجلس العسكري على طلب الامام الصادق، (حتى ولو جاءت بالإيجاب) تظل ناقصة ومبتورة لا تشفي غليل الباحث عن الحقيقة الكاملة. لأن ملابسات التخطيط والاعداد والتحشيد المعلنة، والتنفيذ اللاحق الذي اعتبره المجلس (خطأ وتجاوز وانحراف عن الهدف)، و(اعتبره نائب رئيسه فخاً استدرجت له قوات الدعم السريع) قد كشفت بسطوع وجلاء حقيقة أن فض الاعتصام بالعنف الدموي كان مدبراً. وعليه فإن المطلوب معرفته الآن هو: من دبره ؟؟ و ما الغرض الحقيقي من تدبيره؟.  

و اليوم رغم مرور شهر إلا يوم على مجزرة الثالث من يونيو 19م وما يربو على الشهرين على مقتلة 8 رمضان 1440هـ ظل المجلس (حامي حمي أمن الشعب كما يزعم) صامتاً صمت القبور، و لم يطلع علينا بإجابة على أسئلة من قتل أبناءه في الحالتين المروعتين ( و نحن نعلم بالطبع أن بفمه ماء كثير) يمنعه من الرد على طلب المطالبين له بكشف من المسئول عن إزهاق أرواح الشهداء وعن سفك دماء الجرحى؟

و أخيراً و في مؤتمر صحفي (بتاريخ 14/6/2019م) متلفز على شاشات نقلته قنوات فضائية محلية و عالمية كثيرة قال المتحدث باسم المجلس الانقلابي بالحرف الواحد: أن مجلسهم بكامل عضويته قد اجتمع ومعه كامل قيادات المؤسسة العسكرية للتخطيط لاتخاذ القرار بفض اعتصام القيادة العامة للجيش. و أضاف أنهم بعد التشاور و أخذ الرأي الفني المطلوب من رئيس القضاء والنائب العام اتخذوا القرار و اصدروا أوامرهم للقيادات العسكرية لوضع الخطط وتنفيذ فض الاعتصام. و بعد انتشار اعترافه (المسجل صورة وصوت) في وسائط الميديا المختلفة انتشار النار في الهشيم، عاد المتحدث باسم المجلس محاولاً الرجوع في اعترافه و زعم أن بعض أجهزة الاعلام قد حرفت حديثه. و انتهى إلي أن ما قصده بفض الاعتصام هو القول بـ (تنظيف) منطقة كولومبيا وليس فض الاعتصام أمام القيادة العامة.

و لسوء طالع و "تقدير" المجلس الانقلابي و المتحدث باسمه، فما أن أذيع مؤتمره الصحفي حتى أنكر كل من رئيس القضاء والنائب العام ما جاء في قوله عن استشارتهما بشأن فض الاعتصام و كذبا تقديمهما النصح القانوني للمجلس العسكري في هذا الصدد. و أكدا عدم مشاركتهما في أي اجتماع ناقش أمر فض الاعتصام أمام القيادة العامة. و هكذا رد رئيس القضاء والنائب العام فرية الناطق باسم المجلس العسكري جملة وتفصيلاً.

و كان قد صدر قبل ذلك، من نادي أعضاء النيابة العامة أيضاً، بيان تداولته الوسائط يوضح ملابسات فض منطقة كولومبيا بتوجيه من المجلس الانقلاب. بيَن فيه وكلاء النيابة المشاركين في حملة تفتيش و تمشيط تلك المنطقة أن عملهم في منطقة كولومبيا كان قبل يومين من تاريخ فض اعتصام القيادة العامة بالقوة الدموية وسقوط الضحايا من شهداء وجرحى.

و نضيف إلي ذلك أن النائب العام المكلف والمقال (لاحقاً) و علاوةً نفيه مشاركته في تقديم النصح القانوني للمجلس بفض الاعتصام بالقوة كان قد أيد أيضاً، ما جاء ببيان وكلاء النيابة المكلفين بحضور اجراءات التمشيط والضبط بمنطقة كولومبيا بأنهم قد انسحبوا من الموقع. وذكر بيان نادي وكلاء النيابة سببين للانسحاب أولهما: هو ما اتضح لهم من نية المجلس المضمرة باتخاذ موضوع منطقة كولومبيا ذريعة لاقتحام ميدان الاعتصام أما القيادة العامة وفضه بالقوة. وثانيهما هو ما اتضح لهم أيضا من نية القوة المنفذة للاقتحام والتفتيش والضبط (افتراضاً) من عدم الاستجابة لأوامر النيابة الصارمة و نزوعها لاستخدام الرصاص الحي بون مسوِغ ضد المدنيين العزل سواء كانوا في كولومبيا أو خلافها.

والشيء بالشيء يذكر فقد كان الناطق باسم المجلس الانقلابي في مؤتمره الصحفي المار ذكره آنفاً، قد نفى سؤال أحد الصحفيين معلومات تلقاها من عساكر في منطقة كولومبيا أفادت أن اقتحامها وتفتيشها وتمشيطها (يصفه المجلس بالتنظيف) أجرته السلطات المختصة، كان قبل يومين من فض اعتصام القيادة العامة. و في سياق تعنيَفه السائل لكونه قد سأل غير المختصين بدلاً من سؤال الجهة المختصة (المجلس العسكري)، قال الناطق باسم المجلس أن السائل قد تلقى إجابة غير صحيحة و ربما تكون من منتسبين للقوات النظامية وصفهم بالـ (متفلتين والمتسيبين وغير المنضبطين)!!. أوليس غريباً أن يعترف و يجاهر المجلس العسكري  بعلمه بأن بعض منتسبي القوات النظامية هم بالصفات السابق ذكرها و من رواد منطقة مشبوهة يرتادها المتفلتين ومعتادي الإجرام ؟؟ في اعتقادنا أنه ليس أغرب من ذلك سوى ادعاء مثل هذا المجلس حقه في الحكم بحجة أنه (حامي حمى أمن الوطن) رغم إقراره بعجزه عن ضبط سلوك و كبح تفلتات جنود (نظاميين) يأتمرون بأمر ضباطه و منعهم من ارتياد الأماكن المشبوهة؟؟؟

و لهذه اللحظة و رغم مرور كل هذه الأيام على مقتلتي 8 و29 رمضان ظل سؤال من هو المسئول عن إزهاق أرواح الشهداء وعن سفك دماء الجرحى؟؟!! مع لواذ المجلس الانقلابي (حامي حمى الأمن) بصمته المتفاقم مراهناً ربما على أن (طول الجرح يغري بالتناسي). ولكن شعبنا بتجاربه قد  خبر الطيب من الخبيث من أبنائه في المهن المختلفة وعرف من يدعون الحرص على مصلحة الجميع وهم لا يقصدون غير مصلحة الحكام و من يكثرون الحديث عن أمن المجتمع وهم لا يقصدون به شيئاً سوى أمن الحاكم. شعبنا أوعى وأبصر من أن يخدعه ويغشه من يسمسرون في ضمائرهم المهنية ويبيعون شرف مهنهم بثمن بخس ولذلك لا يعول على أمثال هؤلاْء كمصادر للمعلومات التي تتعلق بأمنه وسلامته و وجوده. وعليه فقد بحث بنفسه ليجد اجابته المباشرة على الأسئلة والاستفهامات المعلقة لأكثر من شهر و وجدها في الصور الحية للأحداث الدامية، فرغم مباغتة القوة التي نفذت الفض للمعتصمين السلميين فإن كاميرات مختلفة لا حصر لها قد سجلت وبدقة وشمول كامل مشاهد المعركة مشاهدة تمكن من المقارنة بين حجم القوة المهاجمة مدججة بكل أسلحة الحرب ومحتجين عزل. تعكس المشاهد المصورة بشاعة هذه المعركة و حجم القوة التي نفذتها ولكم ونوع أسلحتها وعتادها و درجة وحشية وفظاظة الفتك بالمعتصمين السلميين بالرصاص الحي والأسلحة البيضاء والهراوات الثقيلة بينما كانت القوة المنفذة تسد بإحكام منافذ الخروج والهروب على الهاربين من القتل والجرح بالرصاص الحي وتطاردهم وهي تشبعهم ضرباً بالهراوات وشتماً بأقذع الشتائم وعبارات ا لسباب الإساءات النابية.

و من وجهة النظر القانونية البحتة لا يغني الحديث الهلامي الذي لاكه المجلس العسكري (عما جرى ويجري هناك) و الاتهامات الجزافية الفضفاضة التي نسبت لرواد منطقة كولومبيا (كوصفهم بالمتفلتين ومعتادي الإجرام والأفعال السالبة) عن السؤال: عماذا كان يجري في تلك المنطقة؟؟ وهل كان ما يجري فيها يستدعي كل هذا الحشد لاجتماع سلطة (الأمر الواقع) مع كل قيادات المؤسسة العسكرية المختلفة حشد كل هذه القوة وتسليحها بكل هذه الأسلحة و تشوينها بكل هذه الآليات؟؟  و استدعاء مشورة رئيس القضاء والنائب العام؟؟
من خاضوا مع الخائضين في حديث منطقة كولومبيا (في المجلس الانقلابي وخارجه) كالوا كلهم الاتهامات العريضة دون أدنى اكتراث لتعريف و تفصيل وتحديد الاتهامات التي نسبوها لرواد كولمبيا بل أن كل ما صرح به المجلس الانقلابي واعلام فلول النظام الساقط المأجور هو أن منطقة كولومبيا كان بها متفلتين ومرتادي إجرام ويمارسون أفعالاً مخالفة للقانون!!

و بافتراض أن كل ما ذكر صحيحاً، فإن التكييف القانوني الصحيح للمتهمين بمثل هذه الأفعال هو أنهم مشتبه بهم ويخشى من ارتكابهم أفعالاً مخالفة للقانون تخل بالسلام والطمأنينة العامة. و كل تلك الأفعال بافتراض إتيانها بالمخالفة للقانون لا تقارن بأفعال ارتكبتها المليشيات الحزبية و كتائب الظل التابعة للمخلوع في شوارع الخرطوم ومدن السودان الأخرى أمام ناظري أعضاء المجلس الإنقلابي وبعلمهم (بحكم عضويتهم كلهم أو معظمهم في اللجنة الأمنية للمخلوع الساقط و وبحكم أنه في قمة هرم المؤسسة العسكرية). و شملت هذه الجرائم القتل العمدي للمحتجين السلميين بإطلاق الرصاص علي المقاتل في أجسادهم لهدف واحد هو إزهاق الأرواح. المجلس الانقلابي هو سلطة الأمر الواقع الذي تولى إدارة البلاد السيادية والتشريعية والتنفيذية. و بصرف النظر عن طبيعة وحجم التجاوزات ومخالفات القانون التي نسبها المجلس المذكور لرواد كولومبيا و بافتراض أن الزعم قائم على وقائع ومبررات صحيحة، فهل المجلس هو الجهة المختصة قانوناً بالتصدي لمرتكبي هذه المخالفات؟؟!!

وهل من سلطاته التصدي المباشر لاتخاذ التدابير والقرارات المطلوبة لمكافحة الجريمة ومنع وقوعها و إصدار الأوامر بفض تجمعات المشبوهين ومعتادي الإجرام والمتفلتين والقبض عليهم؟؟
إن الاجابة القطعية لكل هذا التساؤلات هي النفي القطعي. والصحيح أن هذه صميم مهام  النيابة العامة و ضباط الشرطة ومن يأتمرون في أداء واجباتهم التنفيذية البحتة من رجال الشرطة في الأقسام المختلفة من مباحث وشرطة مكافحة المخدرات .....إلخ.

الأمر الذي يؤكد صحة اتهام بيان أعضاء النيابة العامة المجلس الانقلابي باتخاذ منطقة كولومبيا ذريعة لفض الاعتصام أما القيادة العامة.

"للمقال بقية".

انقر هنا للتنزيل

 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )