"اب دقناً تحت الكاب" وحملة (الدفتردار) الانتقامية

الحلقة (2)

بقلم/ أمين محمَد إبراهيم.

كنا قد أشرنا، في الجزء (1)، من المقال بالعنوان أعلاه، إلي أمرين، في غاية الأهمية: أولهما: هو تأكيد بيان نادي أعضاء النيابة العامة أن حجة (تنظيف) منطقة كولمبيا اتخذت كذريعة للتسلل إلي اعتصام الثوار أمام القيادة العامة ومباغتتهم وفضه بالعنف. وثانيهما: هو تصريح الأستاذ عثمان ميرغني رئيس تحرير التيار ميرغني رئيس تحرير صحيفة التيار لإحدى القنوات الفضائية عن اجتماع عقد عشية فض الاعتصام حضره (بحسب تصريحه) ممثلون للمؤتمر الوطني والشعبي و عبد الحي و محمد الناجي و الطيب مصطفي واللواء أمن عبد الهادي عبد الباسط وغيرهم للإعداد والتخطيط لفض الاعتصام بالقوة، كما حَمّل الأستاذ عثمان ميرغني كل القوى المشاركة في ذلك الاجتماع بالتورط في التخطيط لفض الاعتصام وتنفيذ المذبحة مع المجلس الانقلابي. و أعلن الأستاذ عثمان عن استعداده للإفصاح عن فحوى وتفاصيل تصريحه، عند الطلب، و في الوقت الملائم. وعليه يمكن للجنة التي شكلها النائب العام للتحقيق في أحدث فض الاعتصام أن تسعى لاستنطاقه لإلقاء الضوء اللازم لكشف كل من شارك المجلس العسكري الانقلابي في التخطيط والإعداد والتجهيز لمجزرة 3 يونيو 2019م، و من ساهم بالتحريَض عليها و وساعد في تنفيذها.

وهناك ثمة قرائن أحوال وأقوال عديدة تؤيِد وتعزز جوانب مما جاء في تصريح عثمان ميرغني، نذكر منها ملخَص تقرير يسرا الباقر مراسلة القناة الرابعة بي بي سي الذي جاء فيه: (شارك في حملة فض الاعتصام عشرة ألف من عناصر كلٍ من الدعم السريع وجهاز الأمن والمخابرات ومليشيات الشرطة الشعبية و الأمن الشعبي والدفاع الشعبي والأمن الطلابي ومليشيات عبد الحي الإسلامية. و تم تجريد عناصر الجيش من أسلحتهم قبل (4) أيام كما تم سحبهم بأمر من المجلس العسكري منذ مساء الأحد الساعة أربعة مساءاً و إحلال مركبات الدعم السريع محل مركبات الجيش التي تحرس المداخل. دخل عدد (500) من أفراد الأمن في زي الشرطة منطقة الاعتصام مشياً على الأقدام و نقل عدد (5000) منهم إليها بناقلات جهاز الأمن فأغلقوا الطريق المؤدية للقيادة العامة وجميع المخارج حتى لا يتمكن المعتصمون من المغادرة). انتهى تقرير مراسلة البي بي سي.

و من المعلوم أن المنطقة المسماة بكولمبيا ( و شهرتها  شارحة لطبيعتها وكنهها، كما تشئ بأنها قديمة جداً) تقع خارج خارطة ميدان الاعتصام أمام القيادة العامة و معروفة جيداً للملمين ببواطن الأمور في مجتمع الخرطوم (وبالضرورة للأجهزة الأمنية) بكونها غير خاضعة (كما ينبغي) للسيطرة الأمنية مما جعلها بؤرة لمرتادي الاجرام و المشبوهين، ومحل لارتكاب أفعال مخالفة للقانون (كالمسكرات و المخدرات).

فما الجديد الذي لفت انتباه المجلس الانقلابي هكذا إليها فجأة ؟؟ أو دعنا إن شئنا الدقة، نتساءل ما المصدر الذي تسللت إلي منه فكرة جعلها ذريعة للتسلل من خلالها لميدان اعتصام الثوار إلي عقل المجلس الانقلابي (الجمعي أو الفردي) و لاتخاذها سبباً لفض اعتصامهم ؟؟! و ما دور هذا المصدر في التمهيد لفضه، وفي العنف الدموي الذي تم في 3 يونيو 2019م؟؟؟!!!.

المرافق المتتبع لا شك لاحظ أنه بعد الإفاقة من الصدمة المزلزلة لسقوط نظامهم الفاسد المخلوع تجمع فلول المؤتمر الوطني وحلفائه من الاسلامويين في تنظيم اسموه نصرة الشريعة، ويشمل فلول ما يعرف بالحركة الإسلامية وأبرز قادته هم: عبد الحي يوسف و محمد عبد الكريم، ومحمد علي الجزولي والطيب مصطفى و محمد ناجي، واسمه (مع و توقيت نشوئه وبدء تدشين نشاطه) كل ذلك شارح لطبيعته  المعادي و المناوئة لقوى إعلان التغيير والحرية، و وضح خط نشاطه أن مهمته هي الدفاع عن بقايا النظام المدحور تحت لافتة حماية الشريعة ودولتها التي تشكل قوى التغيير في نظر هذا التنظيم أكبر و أخطر مهدداتها.            

 و يلحظ أن قادة جماعة نصرة الشريعة المذكورين أعلاه و في سياق حملتهم الشعواء ضد قوى ثورة 19 ديسمبر 2019م قد أكثروا  الحديث عن منطقة كولومبيا هذه، مع تلميح خبيث على أنهاً تشمل ميدان اعتصام القيادة العامة وذلك رغم بعده الجغرافي عن كولومبيا و مع تعمد وقصد وصف ذلك الميدان تصريحاً بأنه وكر الشيوعيين والعلمانيين وأعداء الشريعة. و كان الغرض من كل ذلك هو لفت نظر المجلس الانقلابي إلي منطقة كولومبيا. وهكذا ظلت جماعة نصرة الشريعة تكرر وتعيد دعايتها ضد الثوار لتأليب المجلس العسكري عليهم وذلك في اجتماعاتها المتكررة مع ممثلي المجلس الانقلابي للتداول في مخططاتهم المعادية لقوى التغيير والحرية سرا وجهرا، وكذلك أيضاً في تجمعات و حشود قصد بها مخاطبة المجلس العسكري، ولفت انتباهه إلي كولومبيا. كما سيروا مواكبهم أمام القصر وفي نواحي الخرطوم وعقدوا اجتماعاتهم. وكل ذلك بغرض لفت نظر المجلس الانقلابي إلي  منطقة كولومبيا كـ (ثغرة يمكنه التسلل من خلالها لميدان الاعتصام).

ففي اجتماع عام نقلته الفضائيات طلبت جماعة نصرة الشريعة المذكورة من المجلس الانقلابي علانية عدم تسليم السلطة لقوى التغيير والحرية. وفي نفس السياق صرح عبد الحي يوسف بأن المجلس قد وعدهم في اجتماعاته معهم بعدم تسليم السلطة لقوى التغيير والحرية قوى العلمانيين والملحدين و ذكر أن المجلس خالف باتفاقه الثنائي مع قوى التغيير والحرية لم يخالف عهده معهم فحسب بل : "لنا خان عهد الله". و كذلك صرح محمد الناجي أن المجلس في اجتماعاته معهم قد وعدهم بعدم تسليم الحكم لليساريين.

و لم تخفي قيادات اسلاموية متحالفة مع المجلس العسكري وتظاهره علانية ودون مواربة، التعبير عن غامر ابتهاجها وارتياحها لفض الاعتصام. فهلل وكبر عبد الحي يوسف (مثالاً دون حصر) لفض المجلس العسكري اعتصام القيادة بالقوة الدموية الوحشية و لتراجع المجلس الانقلابي ـ تراجعه المحسوب والمخطط له معه و سائر حلفائه ـ من اتفاقه السابق مع قوى التغيير والحرية وقال: أن الله قد قيض لهم من ألغي باطل الاتفاق مما شرح صدور المؤمنين والمسلمين.

و كان عبد الحي ومعه بعض فقهاء السوء أعضاء ما يعرف بهيئة علماء السودان ( و يصفهم الثوار بالمسرفين في حب الباسطة و إشباع شهوات البطن وغيرها) قد تسللوا ليلاً إلي القصر الرئاسي حين اشتد كر الثوار الغاضبين على صاحبه في أواخر أيام السفاح الفاسد المخلوع لمقابلته بدعوة منه (حسب زعمهم). فأولم لهم كما أظهرت صورهم المنشورة في صحف اليوم التالي وهم يتحلقون حول مائدة الفاسد المخلوع. فأضطر العبد الحي في اليوم الثاني من مأدبة القصر أن يذيع توضيحاً مسجلاً (صورة وصوت) قال فيه أنهم استدعوا إلي القصر لمقابلة صاحبه وأنهم كانوا يريدون أن يكون هذا الأمر سرا في طي الكتمان و طالما أن صاحب القصر قد أفسد عليهم بهجة وليمتهم و فاجأهم بنشر صورهم على الملأ وهم يتحلقون حول مائدته الحرام ـ بدلالة ثبوت فساده ونهبه المال العام ـ فإن عبد الحي مضطر للتصريح بأنهم قد أوضحوا له حرمة الدماء. ولكن فات على عبد الحي و من معه (رجال حول مائدة اللص الفاسد) أن يوضحوا لنا ما إذا كانت فتواهم بحرمة الدماء قبل أكل وشرب ما لذ وطاب من مائدته أم بعد ذلك؟؟. وما إذا كانت تلك الفتوى قبل مصرع شهداء سبتمبر 2013م و شهداء ديسمبر 2018م أم بعده؟؟

و عجز بعض قادة الاسلامويين عن إخفاء انتشاءهم و زهوهم و فرحهم الغامر و بالغ سعادتهم بمجزرة فض الاعتصام، وهم يبدون كمحض مضمضة أفواه، رفضهم لفض الاعتصام، ومنهم القيادي في المؤتمر الشعبي إبراهيم السنوسي (مساعد السفاح المخلوع حتى لحظة سقوطه المدوي) وقد قال ما ملخصه أنه رفض فض اعتصام القيادة، كما رفض فض اجتماع ميدان رابعة في مصر كذلك. و لكنه بدلاً من إدانة مرتكب الفض المرفوض والمطالبة بالتحقيق معه ومحاسبته أضاف أنه رفض فض اعتصام ميدان القيادة وإن كان يفرق بين اعتصام رابعة الرباني واعتصام القيادة العامة المرتع لارتكاب كل الفواحش!!.

و السنوسي هذا واحد من تحف (أناتيك) الحياة السياسية في السودان ظل طوال حياته يدين بولاء البيعة والطاعة المطلقة لشيخه الترابي و أسلم له قياده كالميت بين يدي غاسله (حتى قلده في كل شيء بما في ذلك الكلام ونبرات الصوت والحركات والايماءات) ثم أضاف إلي بيعة شيخه بيعته وولاءه المطلق (في المنشط والمكره) للسفاح نميري ألتي قبرها مع نظامه وصاحبه شعب السودان (في انتفاضة 1985م). ثم بذل بعد ذلك (محترف البيعات هذا) بيعته رخيصة لولي نعمته المخلوع اللص الفاسد الذي يكفي نظامه فساداً وعاراً أن وصفه قادة مؤسسين للتنظيم بأنه أفسد نظام مر على السودان وأنهما لم يريا أو يسمعا بما هو أفسد منه.

فهل نحتاج تذكير السنوسي أنه يكفيه عاراً أن كان مساعد هذا اللص القابع في سجن كوبر بعد إذ لفظه و خلعه الشعب؟؟؟ وهل يحتاج لتذكيره بأن أول سعيه بعد إيداعه السجن كان بين زنزانته ونيابة مكافحة الفساد؟؟. وهل نحتاج لتذكيره بأن الأمور لو آلت إلي قوى الثورة التي أطاحت بولي نعمة السنوسي لكان هو اليوم إلي جانبه (ولي نعمته الفاسد) بسجن كوبر؟؟. وهل يستطيع السنوسي (مساعد المخلوع حتى سقوطه) أن يحدد لنا مهام منصبه الذي كان يتقاضى عنه مرتبات وامتيازات من الخزينة العامة؟؟ وهل يستطيع أن يحدد لنا بلا وبلا الفائدة التي عادت من منصبه لدافع الضرائب؟؟؟

هل يعرف السنوسي أن البشير قد وضعه في سلة واحدة مع صائدي الوظائف الدستورية من عاطلي الذكر والمؤهل والأخلاق؟؟ و هل يعرف السنوسي أن المخلوع كان يستخدم تلك الوظائف كوسيلة لما يعرف بالإيلاف وشراء ذممهم المخرومة و كسب ولاءتهم الرخيصة والمبذولة في أسواق النخاسة السياسية. حقاً إن بعض السياسيين كالبامبرز (الحفاضات) بقرينة التلوث الدائم بالوسخ في كلٍ و من ثم الحاجة الدائمة إلي الغسل و التطهر بالماء وربما المطهر!! هل عرفتم لماذا يحقد السنوسي و أمثاله على قوى التغيير والحرية؟؟ أو بالأحرى لما يخافون من توليها السلطة الانتقالية؟؟ .

وفي لقاء مع قناة طيبة الفضائية (18/6/2019م) (و قيل هي قنوات مملوكة لعبد الحي يوسف ويشاركه في ملكيتها أحد أشقاء الفاسد البشير و معهما الطيب مصطفى) قال الأخير (الخال الرئاسي المخلوع) أن تنسيقية القوى الوطنية قد اجتمعت بالمجلس العسكري مرات ومرات بصفتيها (تحالف الاسلامويين المذكورين في هذا المقال) و كذلك أيضاً بأحزابها وتنظيماتها منفردة، وذلك للتداول حول موضوع الساعة وهو ترتيبات المرحلة الانتقالية وضرورة أن يعمل المجلس على اشراك التنسيقية في هذه المرحلة مع الاصرار على انكار دور قوى التغيير والحرية و حض المجلس وتحريضه على جحد حقها في المشاركة وهو ما يجاهر به الطيب مصطفى دائما رغم علمه ببطلانه المفضوح.         و لا يخفى على المراقب المتتبع أن المجلس العسكري لم يكن في حاجة أبدا لتأليبه على الثوار وثورتهم لأن قلبه معلق بالفلول وما جاء إلا لحمياتهم. و لذا سرعان ما صار صوته محض رجع صدى لما يردده الفلول عامة ومنهم قادة جماعة نصرة الشريعة المذكورين أعلاه، كما أصبح إعلامه الموروث من النظام المخلوع بوق لدعاية الفلول ضد قوى التغيير والحرية.     

 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).