الجسارة في مشروع طيب تيزيني الفكري

عبد الرزاق دحنون 

هل بوسع الإنسان، في حال غياب الجسارة الفكرية والروحية والأخلاقية، أن يستمر في استكشاف المعنى النهائي للوجود والحقائق وتصحيح بعضها أم أنه يفضي به الأمر في نهاية المطاف في الوقوع في الانحراف أو الخرافة؟ ففي غياب الضمير والوجدان والعقل النقدي يستحيل التقدم إلى الأمام في دروب العدالة على الصعيد الكوني ويكون من الصعب على الإنسان أن يكون إنساناً. بعض القضايا جاثمة في عقولنا وأمام أعيننا. ولا نملك حيالها الحلول، مع أن حلولها ممكنة. وخياراتنا قد تضيق وتتسع ولكنها متعددة ويحتاج طرحها وتوضيحها في الواقع المُعاش إلى قلب شجاع وفكر أشجع وقد توفر ذلك -على ما أعتقد- عند المفكر طيب تيزيني المولود عام 1934في مدينة حمص السورية ولهذا السبب تحديداً، أقصد الجسارة، تمَّ اختياره عام 1998 من قبل مؤسسة ألمانية–فرنسية واحداً من مئة فيلسوف عالمي في القرن العشرين.

سمعتُ باسم طيب تيزيني أول مرة في صيف عام 1988من المفكر الفلسطيني الراحل سلامة كيلة في بيتنا في مدينة إدلب حيث زارني برفقة صديقنا المشترك الشاعر السوري صقر عليشي وكنتُ شاباً حينها أكتب بعض المساهمات الصغيرة في الفكر والأدب وانشرها في مجلة "الهدف" التي أسسها غسان كنفاني. ومن يومها رحت أتابع هذا المفكر الجسور في مسيرته الفكرية.  

في بحثي عن مرتكز استند إليه في توضيح مفهوم الجسارة في مشروع طيب تيزيني اهتديت إلى حوار نُشر في مجلة "الجديد" اللندنية التي يرأس تحريرها الشاعر السوري نوري الجراح في عددها السابع الصادر في أغسطس/أب2015. ما حكاه طيب تيزيني في هذا الحوار يوضح الكثير من المفهومات التي عمل عليها، جرى الاتفاق أن يكون اللقاء في بيروت خلال زيارة عابرة في رحلة إلى أوروبا لحضور مؤتمر عن الفلسفة. التقاه الكاتب السوري عمار المأمون في بيروت.

بدا طيب تيزيني وهو يمشي في شارع الحمرا حزيناً، كان ينظر حوله، بعينين يسابقهما الدمع لمرأى السوريين من المهجّرين على الأرصفة ثم يشرق وجهه حين يراه أحد ممّن يعرفونه، يهرول الشاب السوري نحوه ويغرقه بالسلام، ليعود المفكّر بعدها إلى حديث أشد حزناً عن الشتات السوري. دموعه كانت تتسلل بين الكلمات، حزناً على ما آلت إليه سوريا والقتل الذي تشهده، كل هذا يجعل عاطفته تفيض. وعندما يطرق اسم حمص أسماعه تترقرق الدموع في عينيه. جارح حديث تلك المدينة المقهورة فيها الحزن مقيم مع شعبها البسيط الذي فقد أحبته. طيب تيزيني لم يغادر سوريا رغم الضغوط الذي تعرض لها، باقٍ في حمص يعيش مع أهلها ويتابع مشروعه البحثي ليل نهار إلى أن توفي في18مايو/أيار 2019ودُفن فيها.

أين الجسارة في مشروعه الفكري؟

نستطيع القول: إن الجسارة الفكرية في مشروع طيب تيزيني عبَّرت عنها مقولاته عن الاستبداد الرباعي فهو من بين المفكرين القلائل الذين شرَّحوا بنية الأنظمة العربية الفاسدة وتجرأ على القول الصريح في بنية "الدولة الأمنية" التي كانت السبب الأقوى في انهيار شروط العقد "غير الموقع" بين الحاكم والمحكوم. وهو نفسه مؤلِّف الكتاب الموسوعي اللافت “من التُّراث إلى الثَّورة” الصَّادر في طبعته الأولى في العام 1976. يقول: 

 كان التراكم في مظاهر الاحتجاج على غياب الكرامة والعمل يقابله تعاظم في تراكم المزبلة، الذي ما اكتشفناه تحت مصطلح "قانون الاستبداد الرباعي" في المجتمعات العربيّة، أي الاستئثار بالسلطة والثروة وبالإعلام وبالمرجعية المجتمعية المتمثلة في أن الحزب الوحيد الحاكم يقود –مع قائده- الدولة والمجتمع، من هذا جاءت عملية التمرد على الواقع المعيشي.

يُتابع:

النظم الأمنية العربية حصَّنتْ نفسها تحصيناً قانونياً، حين حافظت على ثنائية الاستثنائي الطارئ والأساسي الثابت في الوضعية القانونية. فحين أدخلت بلدانها في حالة الأحكام الاستثنائية وقانون الطوارئ فإنها لم تعلن أنها ألغت القانون الأساسي العام والثابت، ولكنها تُخضع هذه البلدان لما تقتضيه مصالحها المركّبة -أساساً- على تلك الحالة.

نعم، أمام هذا الوضع القانوني الاستثنائي والطارئ تنسدُّ أمام الناس أبواب المؤسسات الناظمة والموضوعة باسم القانون، فما الذي يتبقى لهم؟ ها هنا وبحكم افتقادهم القوانين المدنية العامة، ينسابون بقوة نحو مؤسساتهم الأهلية، من الأسرة إلى الطائفة والمذهب والإثنية.

  كان هذا القول من طيب تيزيني بعيد الرؤية  إزاء هذا الكمّ الهائل من الخراب والأحقاد والضغائن والفتك والهتك السياسي والثقافي والنفسي والمعرفي، المتوارث عبر الأجيال، سرّاً، أتت لحظة الانفجار في المجتمع.

 هل من أمل؟

  لا مناص من الأمل في الارتقاء من هذا الحضيض الاجتماعي الأعمى والمسموم، نحو التماس الطريق المؤدّي إلى النهضة والتنوير والإصلاح والتغيير. ولا يمكن ذلك، إلاّ بعد تغير شامل في مفهوم شرعية السلطة ونسف تلك الأبنية القانونية التعسفية-المخالفة لأبسط حقوق المواطن والمُواطَنة-والتي حكمت المجتمع العربي وأوصلته إلى حالة العبودية بأبشع صورها.  لابدَّ اليوم من الإطاحة بهذه النظم الاستبداديّة التي تشكّل انسداداً كثيفاً وصلباً أمام النمو والتنمية الحضاريّة على الصُعد كافّة. لذا، تبدو حزمة الأفكار التي يطرحها طيب تيزيني، في سياق قراءته للحدث الثوري بالغة الأهميّة، لجهة تحريكها الكثير من الأسئلة الملّحة، أكثر من تقديمه الأجوبة القطعيّة.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).