تعليقات في السياسة الداخلية

تنفيذ مشروعي الاتفاق السياسي والمرسوم الدستوري

يعني إجهاض الثورة وترسيخ النظام الطفيلي(2/2)

سليمان حامد الحاج

لم يكن الحزب الشيوعي السوداني يرجم بالغيب عندما قال مباشرة بعد سقوط البشير وتكوين المجلس العسكري، إن ذلك كان إنقلاباً عسكرياً كامل الدسم قام به جهاز أمن النظام الطفيلي للحيلولة دون تحقيق الثورة الشعبية العارمة لكل أهدافها المعلنة لاجتثاث نظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة من الجذور وتصفية كل مكونات تمكينها ومؤسسات وقوانين وشخوص دولتها العميقة، وإقامة نظام وطني ديمقراطي.

لم ينخدع الحزب الشيوعي السوداني، بمحاولة المجلس الإنقلابي خداع الشعب بأنه ساهم في صنع الثورة وحريص عليها وسيدافع عنها ويحمي قلاعها وشبابها المتميز في قيادة القوات المسلحة ومؤسساتها المختلفة في جميع الولايات. والواقع يقول، شابات وشباب الثورة الملامسين للحدث داخل القلاع كانوا يعلمون علم اليقين أن من حمى الثورة من محاولات اجهاضها وضرب قلاعها من قوات ومليشيات النظام هم صغار الضباط وصف الضباط والجنود وليس المجلس الانقلابي العسكري. هذا ما كشفت عنه الأيام عندما وضح زيف إدعاءات وكذب هذا المجلس بإقامته المجزرة البشعة التي لم يحدث مثيل لها في تاريخ السودان الحديث وراح ضحيتها المئات من الشابات والشباب ومورست فيها كل أنواع البطش والقهر والاحتقار للإنسان السوداني، وكل ما هو منافي للتقاليد والقيم والأخلاق البشرية من ممارسات حيوانية يندى لها الجبين.

 ويؤكد ما ذهبنا إليه أيضاً عن اصرار المجلس الانقلابي أن تكون الحاكمية له طوال الفترة الانتقالية، ما جاء في المرسوم الدستوري عن مجلس الوزراء والذي ينص البند (ب) على أن يتم تشكيله بالتشاور بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في الوقت الذي وافق فيه هذا المجلس في الاتفاق السابق على أن يكون تكوين مجلس الوزراء حقاً كاملاً لقوى الحرية والتغيير. ليس ذلك فحسب، بل ينص البند (ج) على اختيار وزيري الدفاع والداخلية بواسطة العسكريين في مجلس السيادة. وهذا يعني أن هاتين الوزارتين بعيدتان عن رقابة مجلس الوزراء والمجلس التشريعي.

وأوضح من ذلك الاصرار من جانب المجلس الانقلابي، هو الإبقاء على الجيش السوداني كما ولدته قوائم الجبهة القومية الإسلامية عند اختيار المنضمين إليه وأن يظل مخلصاً وحامياً لنظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتدثرة بالإسلام والحؤول دون تحويله إلى جيش قومي تنحصر مهمته في الدفاع عن الشعب والوطن. وكذلك الأمر بالنسبة لجهاز الأمن، الذي حولته التعديلات في ظل سلطة البشير إلى تابع له وحامياً لنظامه وثم إلغاء ما جاء في دستور 2005م الذي نص على أن يكون جهاز الأمن بسيطاً تقتصر مهمته على جمع المعلومات وتقديمها للجهات المنفذة.

وتذهب الوثيقة أبعد من ذلك في تراجعها عن النسبة المتفق عليها لقوى الحرية والتغيير، والمتعلقة بالمجلس التشريعي من 67% و33% للقوى المشاركة الأخرى. ليس ذلك فحسب، بل أن يتم تكوينه خلال فترة لا تتجاوز الثلاثة أشهر وتعليق التشريعات في هذه الفترة – دون مبرر واضح – على رقبة مجلس الوزراء ومجلس السيادة.

من حقنا أن نقول أن المبرر الوحيد لهذا التراجع يعود إلى خوف المجلس الانقلابي من صدور تشريعات تجب ما سبقها من قوانين لا حصر لها وضعت في خدمة النظام الطفيلي لحماية فساده ولنهبه موارد البلاد والتفريط في استقلالها مثل المشاركة في الحلف العربي لحرب اليمن، والاتفاقات العسكرية مثل الأفريكوم وغيرها. ليس أدل على سير هذه الوثائق على نهج النظام الطفيلي واتباع خطاه وقع الحافر على الحافر ما جاء في المادة (15) عن اختصاصات مجلس السيادة ومن بينها على سبيل المثال تعيين ولاة الولايات، تماماً كما فعل المخلوع البشير بعد تعديله الدستور لينص على تعيينه هو للولاة بدلاً من انتخابهم من ولاياتهم. وهذا معادٍ للديمقراطية وبكرس للمركزية وسلب للحق الديمقراطي لمواطني الولايات في انتخاب ولاتهم ومحاسبتهم، بل وإزاحتهم ان استدعى  الجرم والقصور أو أي اسباب أخرى ذلك.

وعلى ذات نهج حكم الفرد، لم تضع الوثيقة في اعتبارها واقع شعب السودان وتجاربه مع النظام الطفيلي الفاسد؛ فنزع الاتفاق سلطات مجلس الوزراء دون وجه حق قانوني أو سابق ممارسة ديمقراطية؛ ومنها أنه يخول لمجلس السيادة حق تعيين رئيس وأعضاء لجان الانتخابات ومفوضيات الأراضي وغيرها. أهم من ذلك أن الاتفاقية لم تهتم بقضايا السلام والنازحين، ولم تضع في اعتبارها عقد المؤتمر الدستوري في جدول أعمال الفترة الانتقالية.

نقول للمشككين في موقف الحزب الشيوعي والقائلين بأن موقفه غير مفهوم، أن الحزب الشيوعي السوداني ومنذ انقلاب الجبهة القومية الإسلامية في العام 1989م كان واضحاً ومبدئياً، إذ جاء في وثائقه منذ الأيام الأولى للانقلاب، أن استراتيجيتنا هي إسقاط هذا النظام وتكتيكاتنا لهذا الإسقاط هي الجبهة الواسعة التي تضم كل المعارضين – قولاً وفعلاً – لهذا النظام بالوقوف مع الجماهير في الشارع، وادواتنا للإسقاط هي الإضراب السياسي والعصيان المدني الذي تنفذه الجماهير عبر ثورتها على النظام الطفيلي وإسقاطه، وهذا ما حدث بالفعل. لم نكن نرجم بالغيب ولكن كانت قراءتنا ودراستنا لواقع بلادنا وتجارب شعبنا هي زادنا في الوصول إلى التقدير السليم.

والآن تقول اللجنة المركزية للحزب الشيوعي بكل الصراحة والوضوح المبدئي الملتزم جانب الشعب وثورته المتفردة، والبلاد تمر بمنعرج حاد وفاصل في مستقبلها، إن مشروع الاتفاق أبقى في بنوده على كل القوانين المقيدة للحريات وعلى دولة التمكين، وعلى كل المؤسسات القمعية (مليشيات الدعم السريع، جهاز الأمن، وكتائب الظل ومليشيات الدفاع الشعبي والوحدات الجهادية)؛ كما أبقى على كل اتفاقات النظام السابق الدولية التي تمس السيادة الوطنية.

لقد اندلعت الثورة المتفردة لكنس كل هذا الركام النتن الفاسد الذي جثم على صدر شعبنا ثلاثين عاماً؛ وهي مصممة على الوصول إلى أهدافها في الجمهورية البرلمانية القائمة على دستور حقوق المواطنة الديمقراطي، صرف النظر عن الدين واللغة أو الجنس أو النوع. وحتماً، ستفعل جماهير شعبنا ذلك وتشهد عليه تظاهراتها المليونية الطوعية اليومية البعيدة عن المزايدة والإسفاف.

فالتتحد صفوف قوى الحرية والتغيير، وتوحد كلمتها وقراراها وموقفها، احتراماً لرأي الشعب الثائر. فطريق جهنم أن تختار طريقاً لا يرضاه الشعب.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).