مفهوم التجديد عند حمزة الملك طمبل 

بقلم : تاج السر عثمان  

 نستند في هذه الدراسة علي الكتاب الذي أصدره حمزة الملك طمبل بعنوان " الأدب السوداني وما يجب أن يكون عليه ، ومعه ديوانه " ديوان الطبيعة"، وضم في ثناياه عددا من المقالات النقدية ، كان الشاعر والناقد حمزة يوالي كتابتها في جريدة " الحضارة " عام 1927 ، الطبعة الأولي من الكتاب كانت  عام 1927 " القاهرة" ، والطبعة الثانية 1972 " بدون تاريخ"، ونشرها المجلس القومي لرعاية الآداب والفنون .

قدم للطبعة الثانية الدكتور محمد إبراهيم الشوش الذي أشار إلي أن حمزة " شاعر مجدد في الشكل والموضوع ، ولقد تهيأ له ذلك لأنه انسان مثقف ، وبوعى منه كان يُضّمن ثقافته في شعره ، فاختياره للموضوع ، واحساسه بأنه يشق دربا جديدا للشعر ، وقيمه العليا التي رسمها في مقدمته للقارئ وأحكامه الصائبة في الشعر ، كلها تشير إلي شخصية مثقفة شاعرة ، آن الآوان لتجد مكانها في ظل تراثنا الذي نعتز به" .

  المقالات النقدية التي ظهرت في الكتاب هي جزء من خمسة أجزاء كان ينوى الكلام عنها بايجاز عن الشعر عموما ، الشعر السوداني بصفة خاصة ، ثم عن كتاب "شعراء السودان " ، ثم عن شعر بعض شعرائه الشباب، ثم عن باقي فنون الأدب السوداني كالغناء والتمثيل والموسيقي.

 الجزء الذي يضمة الكتاب موضوع الدراسة يتناول آراء ه حول الشعر عامة ، والشعر في السودان خاصة ، ونقدا لكتاب "شعراء السودان" وثلاثة من شعرائه هم : علي أرباب ، وأحمد الرضى ، وأحمد محمد صالح.

 صاغ حمزة قبل نشرديوانه أفكاره بوضوح حول الشعر عامة ، وحول الشعر في السودان ، وما يجب أن يكون عليه ، ولا يحتاج السودانيون لأكثر من عكس واقعهم وظروفهم وبيئتهم ، دون تقليد أعمى، ولخص ذلك بعبارته : " يا أدباء السودان أصدقوا وكفى." .

  حمزة من الشعراء والأدباء السودانيين القلائل الذين حاولوا طرح نظرة متكاملة عن الشعر في السودان ، لم يقتصر علي الطرح العام والنظري ، بل مارس هذا الطرح ، أي ربط بين النظرية والممارسة، وطبّقه في ديوانه ، وكأنه أراد أن يرسى قاعدة حميدة ، ما أن تمسكنا بها لن نضل أبدا ، وهي وحدة الأقوال والأفعال ، وحدة النظرية والعمل ، الانطلاق من الواقع والبيئة ، وممارسة التجريد والعمل النظري ، واختبار التجريد والنظرية في الواقع الذي هو أغنى وأخصب.

 كانت الطبعة الثانية التي نشرها المجلس القومي للآداب والفنون موفقة في الجمع في مجلد واحد بين مقالات حمزة الملك طمبل  النقدية  وأعماله الشعرية ، وذلك  حسب ما جاء  في مقدمة د. الشوش " أن المؤلف نفسه أراد أن تكون مقالاته النقدية تمهيدا وتفسيرا ، وربما تبريرا لديوانه ، فهو يخبرنا في أول مقالة له نشرت في " الحضارة" عام 1927 ، أنه يقدم علي ما يكتب ليكون مقدمة لديوانه المرتقب ، ومعنى ذلك أن طمبل كان يدرك أنه مقبل على تجربة جديدة في الأدب ، يحتاج لأن يهئ لها الجمهور الأدبي الذي كان منغمسا في ذلك الحين في شعر خطابي تقليدي لا يرى له بديلا".

 عندما نتحدث عن النهضة الحديثة التي انتظمت البلاد في مطلع القرن العشرين في مختلف جوانب الحياة الاقتصادية  والسياسية والاجتماعية والثقافية والفكرية والأدبية والفنية ، نتيجة الاحتكاك والتفاعل مع العالم الخارجي ، وتيارات النهضة في العالمين الأوربي والعربي ، لا بد أن نتوقف  ونتابع الخيوط التي حكمت سير هذه النهضة والصراع الذي دار  حولها بين التيارات التقليدية التي كانت ترى أن الحل في العودة للماضي ، وما انتجه من قيم أدبية وفنية وشعرية ، والتقليد الأعمي في النظم وتصوير الأشياء التي لا وجود لها في واقع حياتهم اليومية.

وهناك التيارات التي استهوتها الحداثة الأوربية ، وارادت أن تعكس أساليب لا علاقة لها بالواقع والبيئة المحلية، وتصوير بيئات وأوضاع لا علاقة لها بظروف وواقع السودان.

 كان طمبل رائدا من رواد التجديد ، أشار بوضوح أن التجديد لا ينطلق من فراغ ، ولا بالنقل الأعمى لأحاسيس ليس لها أساس واقعي ، ولا تتميز بالصدق ، ودعا لربط الثقافة الواسعة والعميقة بالواقع ، وحاول أن يصوغ أفكارا متكاملة حول الشعر في السودان ، وما يجب أن يكون عليه، باعتبار أن الأدب ، كما هو معروف  هو بداية  كل نهضة سياسية واقتصادية وثقافية وفكرية .

وضع طمبل أساسا صالحا ، مهم تقديره ايجابيا ، عندما نتناول النهضة السودانية في مختلف جوانبها التي انتظمت السودان في مطلع القرن العشرين، بدون النقل الأعمى للماضى ، ودون التقليد الأعمى لشعراء الحداثة في الغرب.

 كما أشار للدراسة الناقدة للأساليب والمناهج الحديثة في الشعر والأدب، من المهم أن يرتبط ذلك مع ظروف السودان وبيئته ، وعكس الواقع بمختلف جوانبه بصدق، وأن يكون الشعر فعلا هو صورة صادقة عن ذات الشاعر ، وما يحس به ، طالما كان الشاعر صادقا ، وانطلق من قضايا محلية وعبر عنها بصدق ، يستطيع أن ينتقل إلي العالمية ، الانطلاق من الخاص إلي العام . لذلك نرى أن أعظم  الأعمال الأدبية والفنية الصادقة التي انطلقت من ظروف وأوضاع محلية ، لا زالت خالدة ، ويتداولها الناس في مختلف أنحاء العالم.

 الدعوة لتكوين أدب سوداني ، ليست دعوة إلي الانغلاق ، لكنها دعوة إلي التمايز ، وتكوين الهوّية المستقلة ، وعدم الذوبان في آداب وثقافات الآخرين ، ودعوة لتعريف العالم أيضا بالسودان وبظروفه ، بحيث يتعرف القارئ في أي بقعة من العالم أن هذا الأدب سوداني، ومن هذا المدخل يتم الانتقال من المحلية إلي العالمية.  

 مفهوم طمبل للتجديد :

 كما أشرنا سابقا ، يعتبر طمبل من الذين أسهموا في معركة التجديد التي انتظمت البلاد ، في عشرينيات القرن الماضي مع : الأمين علي مدني ، وبابكر بدرى " تعليم المرأة" ، وعرفات محمد عبد الله  الذي كان من رواد التجديد في الشكل والمحتوى وغيرهم. 

نلمس التجديد في الإهداء الذي استهل به طمبل كتابه حين قال : " إلي شباب هذا القطر وشاباته المشتغلين منهم بالأدب ، والميّالين إليه ، اتقدم بأول ثمرة من ثمار قلمي ، آملا أن تحوز رضاءهم وتقديرهم لتأتي بالفائدة التي توخيتها".

 الجديد في هذا الإهداء ، أن طمبل لم يقصر الأدب علي الشباب فقط ، بل شمل الشابات ، كان ذلك عام 1927 ، في ظروف كانت تتسم بالمحافظة، والنظرة الدونية والتقليدية للمرأة.

الجديد أيضا أن طمبل وضع أساسا سليما للنقد الموضوعي الذي يميز بين الأفكار والأشخاص ، يقول في ذلك : " وللقارئ أن يعلم أنني اذا ناقشت قصيدة من القصائد التي قيلت في شخص من الأشخاص ، فانني لا أعنى الشخص الذي قيلت القصيدة في حقه بكلمة واحدة سواء كان هذا الشخص ممدوحا أو مرثيا ، بل أضع شخصه بعيدا فوق رأسي ، ثم أتكلم بعد ذلك في عيوب ما قيل في حقه من الكلام المنظوم". 

  كان طمبل يبشر ويدعو لقيم التواضع والابتعاد عن الغرور ، والتحلي بالأخلاق الفاضلة ، والاعتماد علي الحقائق ، وعدم المجاملة في الحق، وكان يدعو إلي البساطة باعتبارها مظهرا من مظاهر الجمال ، ويدعو إلي تحطيم قيود التكلفة الممقوت الذي هو نتيجة التقليد الأعمى البارز في كل مظهر من مظاهر حياتنا.

 سلط طمبل الضوء علي الأدب السوداني ، وما يجب أن يكون عليه منطلقا في ذلك من أن قيمة الأمة أو شخصيتها أظهر ما تكون في أدبها مثل كل شئ آخر ، وكلما ارتقت اداب الأمة سمت مكانتها ، وفي هذه الوجهه ، هناك ضرورة أن تبرز الصورة الصحيحة للأدب السوداني. كما أن الانتقال من العام للخاص والسعى إلي ترسيخ أدب سوداني، وفكر سوداني يظهر شخصية الأمة وقيمها.

  أشار طمبل إلي موضوع النقد وحاول جاهدا أن يرسي أسس صحيحة وسليمة له ، فالنقد السليم في رأيه يرفض التطاول ويبتعد عن خارج القول ، وقبول النقد الصحيح البرئ وعدم التأفف منه.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )