الصراع السياسي تحت مظلة العوالم المهزومة – (1)

عابد عقيد

في أدب المقاومة العربي  المجسّد روائياً، كانت شخصية (متعب الهذال) في خماسية مدن الملح ل (عبد الرحمن منيف) شكل من أشكال الوجيب الراشح بالغبن والمُشبّع بحب التراب، إنّه المختلف نوعاً ما؛ من أبطال العمل الروائي المُقاوِم، لم يكن (الهذال) ذاك البرجوازي الصغير الذي يقاوم المستعمر في أغلب الأعمال الروائية رافعة الوعي، إنما هو رجل بدوي بسيط يتمتع بذكاء البداوة؛ فأدرك بحسه البدوي العالي خطر الغزو الإستعماري في ثوبه الجديد مع ظهور البترول (البترو دم) مستقبلاً. إمتطي الرجل دابته يطوي الفلاءات ليلاً لمضارب القبائل يغرس بذرة المواجهة الصِدامية ورفض النهب لثروات الأجداد وطمس هويتهم، رغم حالة الإحباط،  يظل هذا الغِراس بين شقوق الصخر يغازل الشمس، طالما أنّ الرَدَي حيٌ لا يموت.

الرسالة العاصفة التي بعث بها مؤتمر (باندونغ) في بريد قوي الإستعمار زمانئذ، أتت متزامنة مع عدة أحداث في بلدان العالم الثالث، .. الثورة الكوبية – الثورة الجزائرية – تجدد الكفاح الفيتنامي وتأميم قناة السويس في مصر، وغيرها من أحداث كانت بمثابة تعبير عن رفض القوي الإستعمارية، قُوبل هذا الرفض بمعارضة شديدة من القوي الإستعمارية الصناعية الكبري؛ التي تُهيمن علي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وكل المؤسسات ذات النزعة الإستعمارية – هذه العقيدة الإقتصادية - السياسية التجشيعية الدنيئة؛ بكل تحولاتها تحت عباءة الرأسمالية، لم تكن إلاّ للمزيد من تكريس الهيمنة الأكثر بشاعة علي الدول الفقيرة ونهب مواردها؛ وإنهاك الشعوب، حتي علي مستوي طبقة عريضة من الشعوب الكادحة في الدول الإستعمارية نفسها. - وكما نتابع كيف نشطت  تيارات الرفض لهذه السياسات في عقر دارها والتي عكستها حالات التمرد الجماهيري الواسعة في مدن وعواصم الدول الغربية، إما عن طريق الإنتخاب وظهور اليمين المتطرف، أو عن طريق الفوران علناً في الشارع الرافض للعولمة النيوليبرالية.- - إهتز النظام الرأسمالي في سبعينيات القرن الماضي، مما دفعه إلي هيكلة إقتصاد الشرق الأوسط وافريقيا لإدماجهم في الإقتصاد العالمي من خلال البرامج والبنية التحتية المتعلقة بالتجارة، للمزيد من الإحتكارات والمضاربات  للسلع الأساسية. .. ثم تُواصِل دول الهيمنة في إستهداف المنطقة لاحقاً بمشروع الشرق الاوسط الجديد كخارطة طريق صهيوأمريكية - بإشعال قوس جغرافي من عدم الإستقرار وفوضي بنّاءة وفقاً لمصالح واحتياجات المشروع الإستعماري الجديد وأهدافه الجيوإستراتيجية.

  وكردة فعل للهيكلة الإقتصادية كانت العشرات من حركات التمرد الجماهيري الرافضة لإيدلوجيا الليبرالية الجديدة المتجذرة في التطور التاريخي للرأسمالية في الغرب، ومن ضمن سلسلة الإنتفاضات هذه كانت انتفاضة أبريل 1985 في السودان التي أسقطت نظام مايو وآخرها ديسمبر 2018- التي أزاحت (عمر البشير) من واجهة الحكم ولا زال حراكها مستمراً.  – منذ منتصف سبعينيات القرن العشرين تسكب الجماهير السودانية العرق والدم رفضاً لسياسات الليبرالية الجديدة التي تعيد دورتها عبر تغيير شكلي لا يلامس عصب الأزمة ومسبباتها الكامنة في المشكل الإقتصادي – كما نتابع ما يجري في الساحة السودانية من بعض التيارات السياسية ذات الخطاب الممجوج الذي يُعبّر جلياً عن موات الضمير وهي لا تهتز ولا تهتم حتي لو كان الموت المجيد سُديً،  ولذلك علي الطليعة الوضّاءة المُدثّرة بالوعي اليقظ أن تُقاوِم وتكشف دور أذرع الإستعمار من  بُغاثات ضمور الحس الوطني، للحد من مفاعيل الصلف المجنون واحتراق الكون.

ليس من منطلق المواطأة الأيدلوجية - ولكن يظل؛ تعريف (لينين) الوارد في كتابه الشهير (الإمبريالية أعلي مراحل الرأسمالية) بمثابة وضع المبضع علي الدمل لإخراج القِيح، فهو التعريف الأكثر شمولاً عن كيفية الطابع المُتغيّر لسيادة التمويل الدولي والمصالح المُهيمنة لرأس المال العالمي. إنّ ما نعيشه الآن من حقيقة كارثية في واقعنا المُجرثّم؛ أنّ القوي الإستعمارية الجديدة الهاجعة في سطح السُوح المُغبّرة علي كل الأصعدة من إقتصادية، سياسية، إجتماعية وثقافية؛ تُمسك بمِقودها شركات عملاقة تفوق ثرواتها أكثر بكثير؛ إجمالي الناتج المحلي للعديد من الدول النامية، فالتعبير اللفظي (المصالح الخاصة) تنفّثْ سمومه (اللوبيهات) داخل (الكونجرس) كوسيلة ضغط لمصالح الشركات متعددة الجنسيات المُهيمنة والفاعلة في السياسة الدولية، ثم تباركه برلمانات الحكومات الغربية بحكم أنّها لسان حال المصالح التجارية، لتدفع الثمن الشعوب المُنْهكة في ماكينة النظام الرأسمالي العالمي، وبهذا الإجتياح الناعم تُسيطر قوي الإستعمار الجديد علي السياسة الدولية والنظم الإقتصادية العالمية، وبالمقابل تصبح سيادة تلك الدول في مهب الريح ومجرد انشودة من استدعاءات الأزمان الماتعة - - كتب (نكروما) قائد ثورة الساحل الذهبي (غانا فيما بعد) عن آليات الإستعمار الجديد؛ - "أنه في مواصلة الهيمنة علي المستعمرات السابقة في آسيا، أفريقيا، منطقة البحر الكاريبي وامريكا اللاتينية؛ يستخدم أدوات تحت عبارات المعونة والتنمية لإنجاز الأهداف السابقة في عهد الإستعمار الإستيطاني، هذه الأدوات الحديثة لإدامة السيطرة الإستعمارية بينما نتحدث في الوقت نفسه عن الحرية التي اصبحت تُعرف بإسم الإستعمار الجديد" –  بما أنّ الحديث في مضمار الأداوت الإستعمارية؛ تظل المؤسسات ذات الطبيعة غير الشعبية - كمنظمة التجارة العالمية، صندوق النقد والبنك الدوليين وغائياتها المستغِلّة، رأس الرمح السام في خاصرة الإقتصادات الوطنية... كنموذج - - تكمُن المهمة الذئبية لصندوق النقد الدولي، في تحقيق الإستقرار في النظام المالي العالمي تحت دعاوي مساعدة البلدان عند أوقات الأزمات، وهذه الازمات غالباً ما تكون نتيجة التدخلات المخالبية السافرة في سيادة الدول -  تعمل تدخلات الصندوق علي تقويض الإقتصاد الوطني من خلال مشروطات وتدابير تُخلّف وراءها الدمار الإقتصادي والإجتماعي، وعلي الإطلاق لم تكن القروض خالية من الإملاءات السياسية وخرطة السداد بحجة الوهم التعويضي – إنّ حكومات الدول في أغلب الأحيان لا طريق لديها غير الخضوع الإشتباكي لهذه الشروط، وبالتالي تقع في شبكة الديون، يؤدي هذا العسف المبرمج إلي تدهور الوضع المالي للدول المُقْرَضة من صندوق النقد الدولي، وبدوره يطالب بتنازلات جديدة في شكل برامج – سياسات تقشفية. هذه البرامج مكلِّفة وذات آثار تفقيرية وخيمة تظهر علي أصحاب الأجور الضعيفة من ملايين البشر المسحوقة طاقاتها دون فائدة، وبالمقابل تجني ثمارها فئة محدودة  من الاثرياء المتخمة بالإنتهازية، علي زيادة ثرواتهم الهائلة عز الأزمات مما تُخلّف تفاوت طبقي غير مسبوق تاريخياً. أشعلت السياسات النيوليبرالية التي يتأبطها صندوق النقد الدولي النيران في هشيم أسواق الدول المتعثرة إقتصاديا، بعد تحريرها وانفتاحها مُرغَمة أمام رؤوس الأموال والشركات الأجنبية، وامتصاص الفائض الإقتصادي وبالتالي فقدوا السيطرة علي مصادر دخلهم وانحسر دور الحكومات في حَيّز سيادي ضَيّق نتيجة خصخصت مرافق الدولة وتراجع دورها الرقابي، وضُرَب العمل النقابي وفَقَد فعاليته، -  فتحولت؛ أيْ الحكومات إلي مدراء أعمال مستَذَلّة للرساميل العالمية حتي في ظل الديمقراطيات الليبرالية المزعومة التي يتحول فيها الناخب كبيْدَق ينتهي دوره التفاعلي المؤثر في القرار السياسي عند صندوق الإقتراع والفراغ من الإدلاء بصوته.- - إنّ الهيمنة علي العالم لم تعتق حتي المؤسسات المسماه حقوقية، كالأمم المتحدة ذات الديباجة الجذّابة التي تدّعي أنها مستودع الإنسانية، والتي تقوم الآن بالدور الخدماتي للولايات المتحدة الأمريكية، كأداة للسيطرة علي معظم المستعمرات الأوربية السابقة في العالم الثالث، وأصبح إستصراخها وطلب العون منها من قِبِلْ العقول المُذْهَلَة بأوهام التمني؛ ضرب من ضروب (المسكنة السياسية) وحالة التوهان، وغياب المنهج الذي يقود إلي صحوة وعي سياسي تفاعُلي.

ليست نظرية مؤامرة ولكنها حقيقة شقاءات الإنسانية إزاء الإفتراس الإستعماري الحديث، والعالم المضطرب في عصر الهزيمة الكبري الذي حصر خوض صراعاتنا السياسية في هامش من لب الصراع الأساسي جدّ محدود؛ تحت الأعيُن الرقابية لدول الهيمنة نفسها، تختلف لافتاتها، هذه القَوْلبة السياسية لا تعني التقوقع في دائرة التشاؤم وكسر (المجاديف)، ولكنه واقع ماثل ربما يُحفّز إلي تَرسُّم خُطي الإرادة الجذرية لخوض المعركة المصيرية.

إنتهت الحرب الباردة دون نهاية التاريخ كما روّج دهاقنة الرأسمالية بُعيد إنهيار الإتحاد السوفيتي وسقوط جدار برلين، بل إشتعل العالم بعد أنْ إنفردت به الولايات المتحدة الأمريكية مركز الشركات والمؤسسات المتحكمة في مصير البشرية، - وبعد إنشاء النظام الدولي الجديد شنّت الرساميل العالمية حرب توسعية إقتصادية وإقتصادية معسكّرة أغلب الأحيان ولم يكن (السودان) بعيداً عنها طالما أنّ واقعنا الإقليمي في قلب هذا المعترك بكل تداخُلاته، - في الآونة الاخيرة أضفي الصراع الخليجي الخليجي في الشرق الأوسط المشكّل إستعماريا بمؤثراته علي منطقة القرن الأفريقي، واقع إقليمي يصطرع فيه حلفاء الغرب لتموت شعوب المنطقة، -  لقد أدّي الصراع داخل مجلس التعاون الخليجي إلي المزيد من صب الزيت علي النار في منطقة القرن الافريقي المشتعلة أصلاً منذ الفترة الإستعمارية السابقة، ودون الحفر عميقاً في أزمات القرن الافريقي وبالإشارة تحديداً إلي تسوية العلاقات المتوترة لفترة طويلة بين دولتي (أثيوبيا و ارتريا) عن طريق الوسيطين (السعودي/الإماراتي) لم تكن مبرأة من المطامع الخدماتية القامعة، التي تصب في مصلحة الغرب الإستعماري من إستخدام الأراضي والممرات المائية في المنطقة ضمن خطة السيطرة علي ساحل البحر الاحمر. – هذا الصراع  الخليجي المِطْماع ألقي بظلاله علي السودان الذي يعيش حراكاً متشابكاً منذ فترة ولازال ضبابه يُغطّي فضاءات الساحة السياسية السودانية، ومن المؤكد لم نُعفي من تدخلات إقليمية ودولية ساهمت بشكل أساسي في عرقلة وإجهاض مسيرة الجماهير ومطالبها المشروعة كتسلسل إنتفاضي بُذِلَ فيه الدم كما ذكرت سابقاً مما زاد الوضع هشاشة علي هشاشته.

لو تتبعنا المسار التاريخي للإقتصاد السوداني، أو بعض الإشارات إنْ صح القول؛ نجده بعد الإستقلال واصلت الحكومات السير علي نفس النسق الإقتصادي الذي كان سائدا خلال الفترة الإستعمارية والذي كان نظاما يعمل علي إستنزاف موارد السودان الإقتصادية التي تصب في حقيبة الإقتصاد البريطاني، وعندما أتت حكومة الإنقاذ أعلنت في البداية مقاطعتها لمؤسسات الغرب، ولكنها لم تصمد طويلا بعد الحظر وتحولت سياسة العداء ذو الطابع الدعائي إلي سياسة الإنبطاح والوقوع في أحضان الخصخصة واقتصاد السوق، رغم الفرصة الذهبية التي وجدتها حكومة الإنقاذ من عائدات البترول قبل إنفصال الجنوب التي كان فيها أعلي معدل نمو إقتصادي، ولكن عسكرة الإقتصاد والصرف البذخي إضافة إلي الفساد الذي لا يخرج من معادلة التردي الإقتصادي المؤثر في حياة الناس. - -  ومن قبل حدث تحول في نسق الإقتصاد السوداني عندما رأت حكومة مايو في بداياتها أن النظام الإشتراكي كمنهج إقتصادي هو القادر علي الإنعتاق من أغلال النسق الإقتصادي الرأسمالي وإقالة عثرة الإقتصاد الوطني للإنطلاق به نحو التنمية، ثم حدثت الردة العنيفة وفي نفس العهد كانت البداية الفعلية مع صندوق النقد الدولي وإلي الآن؛ وإن  كان دعم الصندوق دعماً فنياً في بعض الأحيان.(1) – هذه التدخلات الإفتراسية كفيلة بأن تبدد ملامح معني (دولة) ولذلك خلقت وضعاً سياسياً هشّاً - حصاد  مألاته العبثية ماثلة أمامنا الآن.

طأطأت حكومة الإنقاذ أمام ريح السياسة التركيعية المُصوّبة من الولايات المتحدة الأمريكية؛ القابضة بلجام المجتمع الدولي ومؤسساته المصممة خصيصاً لتكسير الدول وضرب سيادتها، وأصبح الفضاء السياسي السوداني صلصالياً سهل التكوين للهجمة المُلتاثة من قِبِل الجند الأيدلوجي للنيوليبرالية بكل واجهاتها بعد تراجع المشروع الوطني،  وعلي مستوي المنطقة عموماً  وإعادة تأهيل المشروع الإمبراطوري الجديد، وعلي رأسه كانت المنظمات المعروفة إصطلاحاً  بـ (المنظمات غير الحكومية) المتبتلة في محراب رأس المال الإمبريالي  بإسم العدالة الإجتماعية – حقوق الإنسان والديمقراطية، - والتي تطرح نفسها كبديل سياسي تحت رعاية الحزب الديمقراطي الامريكي (رائد التيار العولمي في العالم - الكلينتونية) - - هدفها اولاً ضرب اليسار ومحاولات حسر تمدده،  كما نري ظهورها علي السطح السياسي السوداني المُجلّل بالدم.....

  

(1) الاقتصاد السوداني المسار التاريخي وفرص تحديات المستقبل – محمد عبد القارد محمد خير

 

 

 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )