كيف يكون إسترداد أموال الشعب المنهوبة؟

تقرير : صفاء صلاح _ إبراهيم ميرغني

تعتبر قضية إسترداد الأموال المنهوبة خلال ثلاثين عاما من عمر نظام الإنقاذ البائد في ظل سياسة التمكين والإستبداد إذ مورست عمليات نهب ممنهج ومحمي بالقانون بما يسمى الحصانات فتم تهريب مليارات الدولارات من عائدات النفط إلى الخارج كما تمت عمليات سمسرة خصوصا في تجارة السلاح والعطاءات الحكومية حولت إلى بنوك في الخارج والداخل وأصبح بالتالي الواجب المقدم للحكومة الإنتقالية المقدمة إسترداد هذه الأموال في الداخل أو الخارج لتساهم في عملية التنمية الاقتصادية والإجتماعية وإعادة الاعمار والمشاريع الانتاجية الكبرى كمشاريع الزراعة المروية مثل مشروع الجزيرة وإعادة تأهيل السكك الحديدية وقطاع النقل عموما وسد العجز في الموازنة العامة بإسترداد هذه الأموال المنهوبة والتي تزيد عن 60 مليار دولار .عليه أصبح من أولويات الحكومة الإنتقالية القادمة إسترجاع هذه الأموال حتى تمر مرحلة الإنتقال بسهولة ويسر بتوفير الحد الأدنى من متطلبات المواطنين في العيش الكريم من خلال البرنامج الاقتصادي الإسعافي المقترح .

  • من اين لك هذا؟

ورأى الباشمهندس صديق يوسف عضو المكتب السياسي للحزب الشيوعي إن استرداد الأموال المنهوبة في داخل السودان يكمن عن طريق المحاكم بالطرق القانونية المعروفة أما الأموال الموجودة بالخارج فينبغي وجود دعم دولي لاستردادها فمثلا أموال البترول من بداية تاريخ تصديره 1999وحتى 2011 وقد كان سعر برميل النفط وقتها يتراوح مابين 110_120 دولار للبرميل وقتها لا توجد أي دلائل على أين توجد هذه الأموال فبعض البنوك الخارجية لا تعلن أسماء أصحاب ودائعها لذلك هناك صعوبة في ذلك لكن الأموال المنهوبة محليا يمكن تطبيق قانون من أين لك هذا وإقرار الذمة المالية لكل مسؤول ومراجعة شركات الإسلاميين التي لم تخضع لبنك السودان المركزي ولا وزارة المالية ولا حتى المراجع العام كما يمكن الكشف عن الفساد في توزيع الأراضي الزراعية وممتلكات الإستثمار الأجنبي ومراجعة الإتفاقيات التي منحت أراض زراعية تفوق المليون فدان لبعض الشركات الخليجية لمدة 99 عاما لذلك فإن مراجعة هذه الإتفاقيات من أهم مهام الفترة الإنتقالية .

 

  • الفساد لايمكن اخفاؤه:

ومن جانبه قال الخبير الاقتصادي  وعضو اللجنة المركزية للحزب الشيوعي كمال كرار إن النظام البائد إخترق الفساد فيه كافة المنظومة الحكومية عن طريق ترسانة من القوانين لمصلحة الفاسدين من منسوبيه وإن التقرير السنوي للمراجع العام في السنين السابقة يشير فقط إلى أجزاء قليلة من مايجري ولكن الفساد أكبر من أن يتم إخفاؤه ، إذ أن الفساد تجلى على مستوى الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم عن طريق خصخصة التعليم والمستشفيات حتى أن أموال البترول والذهب لم يتم إيرادها لدى بنك السودان بل لمنوسبي النظام الذين لا يخفون على أحد تعود إيرادتها لهم على المستوى الشخصي، كما أن أنشاء النظام مجموعة من الشركات الخاصة أصولها من المال العام ولديها حسابات في بنوك خاصة كما أنها تحصل على إعفاءات من الضرائب ، الواضح أيضا أن كثيرا من أوجه الإنفاق العام يتوجه نحو المحاسيب ولا يذهب نحو الأغراض المحددة له ، وكثير من الخدمات يتم تنفيذها بواسطة شركات خاصة غير مؤهلة ويتم التلاعب بالميزانية عدة مرات بمليارات الجنيهات .

البيئة الحاضنة للفساد يجب تصفيتها دون إقصاء ، وينبغي وضع قوانين تضبط المنصرفات للمال العام ، الأعمال الحكومية يجب تنفيذها من ذات الجهات وليس القطاع الخاص الذي يحقق أرباحا مهولة من مال الشعب ، لذلك يجب النظر في قضايا الخصخصة ، كما يجب إسترداد الأموال عن طريق نيابة مستقلة للمحاكمات والمساءلة ،كما ينبغي ارجاع المشاريع الحكومية إلى الحكومة بعد خصخصتها فالفساد معوق أساسي للتنمية الاقتصادية والإجتماعية بحسب التقارير العالمية كما أن القوانين الدولية تدعم إسترداد الأموال المنهوبة بالخارج لإسعاف إقتصاد السودان المنهار إثر نظام الإنقاذ .

 

  • كيفية استرداد الاموال المنهوبة؟:

أما الباحث الاقتصادي الهادي هباني قد ذكر في ورقة بحثية له عن كيفية إسترداد الأموال المنهوبة من خزينة الدولة أن المهام العاجلة ذات الأولوية القصوي للحكومة الإنتقالية ، هي استعادة الأموال العامة التي نهبها نظام الإنقاذ خلال الثلاثة عقود الماضية خاصة الأموال التي تم تهريبها للخارج. وعلي الرُغم من عدم وجود رصد دقيق لحجم هذه الأموال حتي الآن إلا أنها بلا أدني شك، أموال طائلة يحتاجها السودان لتساهم في الإصلاح الإقتصادي ولتدعم مسيرة التنمية والارتقاء بحياة المواطنين. هذا فضلا عن كونها أحد أكبر الجرائم الاقتصادية التي ارتكبها نظام الإنقاذ تحت فريَّة المشروع الحضاري مما يستدعي، كأولوية قصوي، المحاسبة والمحاكمة واعادة كل تلك الأموال لخزينة الدولة، وأن تتضافر كل جهود المتخصصين في هذا المجال للاتفاق علي آلية مُحكَمَة لاستعادة هذه الأموال. وذكر أن الصعوبات التي يمكن أن تواجه الحكومة الإنتقالية تكمن في  صعوبة استرداد الأموال المنهوبة المحولة للخارج بالنسبة للدول النامية أيضا في أنها تدخل ضمن تصنيفات الأموال غير الشرعية وفقا للنظم المتعارف عليها دوليا في مكافحة غسيل الأموال وتمويل الإرهاب. فمكافحة غسيل الأموال لم تعد عملية، كما كانت في السابق تختص فقط بالأموال التي يتم الحصول عليها من تجارة المخدرات، والدعارة، وعمليات التهريب، وقرصنة وسائل النقل، وسرقة البنوك والمؤسسات المالية، والتزوير، وتجارة الآثار، وأنشطة عصابات المافيا المختلفة، بل أصبحت تختص أيضا بالأموال التي يتم الحصول عليها من عمليات الغش والتدليس والرشوة والفساد والتعدي علي المال العام. كما أصبحت أيضا لا تقتصر فقط على الأموال التي يتم الحصول عليها من مصادر غير شرعية فقد تتسع لتشمل أيضا الأموال المكتسبة بصورة شرعية، حيث يسعى مجرم غسيل الأموال في هذه الحالة إلى إعادة تعريف طبيعة الأموال ذاتها بهدف تجنب إخضاعها لبعض النظم القانونية مثل قوانين الرقابة على الصرف الأجنبي أو الرسوم الجمركية أو الضرائب على الدخل. ذكر الهادي أيضا  الآليات  التي يمكن وفقها ملاحقة و استعادة الأموال المنهوبة والموجودة بالداخل ، هنالك آليات متعارف عليها علي نطاق واسع في ملاحقة واستعادة الأموال المنهوبة في الداخل والخارج. تختلف هذه الآليات باختلاف أماكن تواجد هذه الأموال. وفي حالة السودان هنالك أموال منهوبة لا زالت موجودة في الداخل في شكل أموال نقدية في البنوك كودائع، ولكن في ظل ظروف أزمة السيولة التي بدأت منذ عام تقريبا وبعد انطلاق الثورة الشعبية في ديسمبر 2018م غالبا ما تكون هذه الأموال النقدية قد خرجت من البنوك وتم تحويل جزء كبير منها لعملات أجنبية وتخزينها في منازل مجرمي الأموال العامة من رئيس وأقارب ووزراء وكبار مسؤولين وتجار ورجال أعمال مرتبطين بالمؤتمر الوطني وبالحكومة وكذلك حكام الولايات وكبار مسؤوليهم، أو في مخابئ أخري يعلمونها. أو أن تكون موجودة في شكل أصول نقدية كأسهم وصكوك إسلامية وشهادات استثمار، أو في شكل سلع ومعادن نفيسة كالذهب والمجوهرات، أو في شكل أصول عينية كالعقارات والمجمعات السكنية الخاصة والفنادق والأراضي والمزارع والمنشآت الخدمية كالمستشفيات الخاصة والمدارس والجامعات الخاصة والمؤسسات الترفيهية الخاصة وغيرها، أو في شكل مشاريع صناعية أو زراعية أو تجارية ... إلخ. هذه الأصول يتم التعامل معها بآلية مختلفة عن الآلية الخاصة باستعادة الأموال التي تم تهريبها للخارج.

لا يمكن إسترداد الأموال المنهوبة من غير محاكمات مستقلة وعادلة لفلول النظام البائد ، ضمن حكومة إنتقالية ذات كفاءات ومسؤولية تقدر المرحلة القادمة من تاريخ السودان بعد التدهور الإقتصادي وبالتالي الخدمي الذي أصاب البلاد على مدى ثلاثون عاما إضافة إلى الديون الخيالية التي أنهكته .

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )