نحو برلمان بغرفتين!

بقلم/ كمال الجزولي

من الغفلة، يقيناً، إن قدِّر للأمور أن تمضي على ما هي عليه حتَّى نهاية الفترة الانتقاليَّة، عدم توقُّع مطالبة المهنيِّين والشَّباب والنِّساء، لدى الانتخابات مع نهاية الفترة المذكورة، بتخصيص دوائر معيَّنة لهم، باعتبارهم «القوى الحديثة» الأكثر فاعليَّة في نشر الوعي، والفئات الطبقيَّة والنَّوعيَّة الأكثر تضحية وتأثيراً في تفجير ثورة ديسمبر 2018م، والإطاحة بالسُّلطة الإسلامويَّة البائدة، والمستحقين، من ثمَّ، للتَّمثيل ضمن أيَّة هيئة تشريعيَّة/رقابيَّة. ومع أن هذا التَّوقُّع سيشمل، للوهلة الأولى، وبحسب خبرة متراكمة، موافقة الكثير من القوى السِّياسيَّة والمدنيَّة، إلا أنه سيصطدم، أيضاً، ومن واقع ذات الخبرة، بعودة الأحزاب التَّقليديَّة للنُّكوص والتَّنصُّل عن هذه الموافقة، جرياً على عادة قديمة مرذولة!

توفرت تلك الخبرة المرتبكة، بالأمس القريب، من بين ملابسات انتفاضة أبريل 1985م التي أطاحت بنظام النِّميري. غير أن الكثير من النَّماذج السَّابقة عليها شهدت أن ميلاد «القوى الحديثة»، كإرهاص تاريخي ببزوغ الفجر الباكر لتيَّار الاستنارة، سواء من خلال حركة الخرِّيجين، مثلاً، أو تكوين الاتحادات والجَّمعيَّات الفئويَّة، أو الانخراط في عمليَّات الإنتاج الاقتصادي، أو الإسهام في تسيير دولاب الإدارة، قد جاء سابقاً على ميلاد الأحزاب، أحياناً، أو بانفصال عن ذلك الميلاد، أغلب الأحيان، ومن فوق كلِّ وقائع المجابهة الوطنيَّة مع الاستعمار. لذا، عند وضع أوَّل قانون انتخابات في البلاد، بين يدي الحكم الذَّاتي، عام 1954م، بإشراف الخبير الهندي «الباكستاني لاحقاً» سوكومارسون، كان طبيعيَّاً أن تجري محاولة جادَّة للتَّعبير عن ذلك الدَّفع الحداثي، بتخصيص خمسة دوائر لخريجي المدارس الثَّانويةَّ. على أن الحكومة الحزبيَّة ما لبثت أن ألغتها في انتخابات 1958م! ثمَّ أعيد العمل بها، بعد زيادة عددها إلى 15، وتخصيصها لخريجي الجَّامعات، في انتخابات 1965م، عقب ثورة أكتوبر 1964م التي أطاحت بنظام الفريق عبود. لكنها سرعان ما ألغيت، هي الأخرى، في انتخابات 1967م!

أمَّا الخطَّة الأكثر جديَّة في الاعتراف بدور «القوى الحديثة» في المشاركة البرلمانيَّة فقد كادت ترد، للمفارقة، ضمن النِّظام الانتخابي الذي اجترحه النِّميري (1969م ـ 1985م)، تحت عنوان «تحالف قوى الشَّعب العاملة: العمَّال ـ المزارعين ـ المثقَّفين ـ الرَّأسماليَّة الوطنيَّة ـ الضُّبَّاط والجُّنود»، لولا أن تلك الخطَّة جاءت منتحلة من التَّجربة النَّاصريَّة المصريَّة، وفي إطار من الشُّموليَّة القابضة، وحكم الفرد المطلق، بالتَّعارض التَّام مع مطلوبات الدِّيموقراطيَّة التَّعدُّديَّة!     

وهكذا، لدى انفجار انتفاضة أبريل 1985م، كان نموذج «الخرِّيجين» أضيق من أن يستوعب الفاعلين كافة في ميادين الإنتاج والتَّنمية، مثلما كان نموذج «تحالف قوى الشَّعب العامل» المايوي مقيَّداً بغلِّ حريَّة التَّنظيم، وحظر النَّشاط المستقل. على أن قوَّة المطلب ألجأت الأحزاب التَّقليديَّة، مع ذلك، إلى «تمرير» خيار «الخرِّيجين»، مع ضمان تجييره لصالح الثَّورة المضادَّة من جانب القوى التقليديَّة وفي صدارتها المجلس العسكري! فلدى بداية الفترة الانتقاليَّة لم يكن ثمَّة خلاف يذكر، في الظاهر، بين النقابيِّين والمهنيِّين، من جهة، وبين القوى السِّياسيَّة، من جهة أخرى، حول «مبدأ» مشاركة "القوى الحديثة" في السُّلطة. بل إن الظرف الموضوعي السَّائد نفسه، والمتمثِّل، بالأساس، في المركز المتقدِّم الذي شغله «النِّقابيُّون»، وقتها، مثله مثل المركز الذي يشغله «المهنيُّون» حاليَّاً، لم يكن ليسمح بنشوب ذلك الخلاف.

وعند إعـداد قانـون الإنتخـابـات شكَّل مجـلـس الوزراء لجنة وزاريَّة عهد إليها باستطلاع آراء القوى المختلفة، فحصرت اللجنة المشار إليها موضوعات تلك الآراء، وأوَّلها تمثيل «القوى الحديثة». وطوال أربعة أشهر اجتمعت تلك اللجنة بكلِّ الأحزاب، والنقابات، والتَّنظيمات، وفي النِّهاية رفعت تقريرها إلى مجلس الوزراء الذي ناقشه، وأجازه، ثمَّ رفعه إلى المجلس العسكري لتحديد موعد لاجتماع مشترك بين المجلسين لإصدار القانون. لكن مجلس الوزراء فوجئ، لدهشته، وبدلاً من ذلك، بقرار اللجنة السِّياسيَّة للمجلس العسكري بإجراء مزيد من استطلاعات الرَّأي بين الأحزاب والقوى الأخرى، دون أن تفصح تلك اللجنة عن الدوافع الحقيقية  من وراء قرارها ذاك!

مهما كان من أمر، فإن لجنة المجلس العسكري السِّياسيَّة نفَّذت قرارها، ثمَّ انعقد، بعد ذلك، اجتماع المجلسين، حيث أثار المجلس العسكري وجود أحزاب سياسيَّة، بل وقوى مؤثرة وسط النقابات نفسها، تعارض تمثيل "القوى الحديثة"!  

إذن، بقدر ما يصحُّ توقُّع ألا تتخلي «القوى الحديثة»عن حقِّ المشاركة باتِّخاذ القرار السِّياسي، يصحُّ أيضاً توقُّع ألا يتخلى تحالف القوى التَّقليديَّة عن مناوءة ذلك الحق. لذا فإن ألزم ما يلزم «القوى الحديثة» ألا تركن لخطة قديمة أثبتت عدم جدواها، وأن تتحوَّل، منذ الآن، نحو خطة أقوى مضاءً، تتمثَّل في المطالبة الباكرة بغرفتين two chambers، خصوصاً لبرلمان ما بعد الفترة الانتقاليَّة، إحداهما لـ الدَّوائر الجُّغرافيَّة، والأخرى لـ «القوى الحديثة»، بحيث لا تحسم القرارات الكبيرة إلا بالتَّصويت عليها في المجلسين، وكفى تهميشاً لـ «القوى الحديثة»! يقتضي ذلك حملة ضارية لأجل التَّوافق بشأن قانون الانتخابات، ولتضمين الأمر، قبل ذلك، في ما ينبغي أن يتولاه المؤتمر الدُّستوري المزمع عقده خلال الفترة الانتقاليَّة. انفضاض هذا المؤتمر، وانتهاء الفترة الانتقاليَّة نفسها، دون إنجاز هذا التَّوافق، من شأنه أن يعيد «القوى الحديثة» إلى ذات الخيار الصِّفري الذي ينزع من بين يديها زمام المبادرة، ويضعه في أيدي القوى التَّقليديَّة، حيث لا توجد لدى هذه القوى، في أفضل الأحوال، سوى «دوائر الخرِّيجين» المصمَّمة على مقاسها لتعود إليها!

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )