خطاب مفتوح الى السادة رئيس و وزراء حكومة ثورة ديسمبر 2018 م

(1 - 5)

تحية واحتراماً، وبعد

سليمان حامد الحاج

إستتباب السلام وإستئصال الفساد والقصاص العادل والتنمية وتنفيذ شعارات وبرنامج الثورة الأخرى أمر عسير إن لم يكن مستحيلا مع بقاء الدوله العميقة التي لا تزال متمكنة في كل مفاصل ومصادر الحياة في بلادنا إذا لا يمكن أن ينفذ برنامج الثورة أولئك الذين إندلعت الثورة ضدهم.

إنني أعلم أنكم تقدمتم طواعية لتحمل مسؤولية إصلاح خراب ودمار وفساد جسم ثلاثين عاماً على صدر البلاد ودمر اقتصادها وبنيتها التحتية  وافقدها ابسط الخدمات التي يحتاجها المواطن. وسام شعبنا الفقر والجوع والمسغبة، وتبارى في الخداع والتضليل بإسم الدين والبطش والقهر والاضطهاد لكل من يرفع صوته مطالباً بحقوقه العادلة المشروعة.

اعلم أنكم تعلمون أكثر من ذلك فقد عشتم هذا الواقع واكتويتم بلظى نيرانه، الشئ الذي يجعلكم أكثر قناعة وصدقاُ وجدية في تنفيذ برنامج الثورة وأهدافها التي رددتها الجماهير في تظاهراتها الباسلة والمعبرة عن اشواقها لواقع يختلف عن ما عاشته طوال تلك السنين العجاف، وتحلم بمستقبل يرفع البلاد إلى مصاف البلدان التي تفتخر بتنميتها وإنتاجها وتوفير قوتها وملبسها ومشربها الذي كانت تتسوله من البلدان الأخرى حتى تلك التي كانت دونها نماءً وتطوراً قبل مجئ سلطة شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة التي أورثته الذل والهوان والتسول، بهذا وحده تمتلك بلادنا حرية قرارها وإستعادة كرامة شعبنا.

أعلم أنكم ملمون إلماماً تاماً بكل ذلك، إلا أنه لا يُلغي إسهام أي مواطن من الإدلاء بدلوه فيما ينفع البلاد ويقيل عثرتها ويرفع الضيم عن شعبنا هذا النهج الجمعي الديمقراطي، أثق تماماً أنه سيكون ديدنكم في الحكم إنطلاقاً من أن الديمقراطية هي مفتاح الحل لكل مشاكل الوطن.

في هذا الخطاب أُثير بعض القضايا التي يساهم بها الحزب الشيوعي السوداني في البرنامج الإسعافي المباشر للفترة الإنتقالية وما بعدها، وأبدأ بقضية الفساد كأحد مقومات الدولة العميقة لنظام (الإنقاذ).

لا يقتصر الفساد على نهب وسرقة وتجنيب الأموال أو غيرها من الممارسات المماثلة وحسب، بل يمتد إلى التعيين في المناصب والرتب المفتاحية في السلطة إستناداً إلى الولاء والطاعة العمياء من الحواريين ومن الانتهازيين الذين يبيعون كفاءاتهم وخبراتهم للنظام الطفيلي لضمان عدم كشف الفساد وممارسته في كافة أجهزة الدولة وتبريره إعلامياً وقانونياً وعالمياً ودينياً بل وحمايته.

أدلل على ذلك بالفساد والتمكين في وزارة الخارجية مستعيناً بما جاء في السفر القيم للدكتور عطا الله حمد البشير الذي شغل منصب المدير التنفيذي لوزارة الخارجية عدة سنوات وانتخبه رؤساء القرن الأفريقي سكرتيراً تنفيذياً لمنظمة الإيقاد (ذكريات وتجارب دبلوماسية).

وزارة الخارجية من أول الوزارات التي إمتدت إليها حملات التطهير بإسم الصالح العام، من أجل وضع المواليين للنظام الجديد لشريحة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة في سبيل تمكينه ولإكسابه شريعة زائفة أمام العالم. ولهذا بدأ الفصل التعسفي والإحلال في الأسبوع الأول من يوليو 1989م وحتى نوفمبر 1989م تم فصل 50% من جملة السفراء والعاملين في السلك الدبلوماسي من كبار السفراء وحتى صغار السكرتيرين ومعظم النساء العاملات في السفارات المختلفة. وفي مايو 1990م صدر مرسوم بتعيين 35 شاباً من كوادر الجبهة الإسلامية القومية كدبلوماسيين لمنظمة الدعوة الإسلامية في الدول الأفريقية وغيرها من المؤسسات التابعة لحزب الجبهة الإسلامية القومية داخل وخارج السودان وفي أمريكا تحديداً.

تواصلت سياسة الإحلال والتمكين بإلحاق بعض أفراد النظام من حين لأخر بموجب قرارات جمهورية أو وزارية لحالات فردية وشخصية تشير خلفياتهم العلمية بأنهم كانوا يعملون في مختلف التنظيمات الإسلامية أو رؤساء إتحادات طلابية داخل وخارج السودان أو في مؤسسات الجبهة الإسلامية الأخرى أو جهاز الأمن.

رغم إتباع النظام في بعض الحالات التي يُجبر فيها على إتباع قوانين الخدمة المدنية في إستيعاب دبلوماسيين كل عامين، إلا أن النتيجة دائماً هي إختيار كوادر الجبهة الإسلامية بين الممتحنين، ولم تكن تلك إلا إجراءات شكلية لذر الرماد في عيون الرقابة الصحفية وغيرها.

ابتدع نظام البشير حتى يوم الإطاحة به وظائف مستحدثة في السفارات كممثلين ومستشارين وملحقين ومندوبين لبعض المؤسسات كالزكاة والبنوك الإسلامية السودانية ومستشارين إعلاميين ...الخ. وكذلك إبتدعت السلطة ظاهرة جديدة في تاريخ التمثيل الدبلوماسي العالمي بإستحداث ممثلين لحزب المؤتمر الوطني في بعض العواصم العالمية يرفعون علم السودان في الخارج وهو إتجاه جديد يتعارض مع الأعراف والبرتوكولات الدبلوماسية التي تنظم تبادل التمثيل الدبلوماسي للحكومات وليس الأحزاب السياسية.

كذلك تمثل الفساد في ظاهرة استشراء القنصليات الفخرية وتسابق الشخصيات الإسلامية النافذة للفوز بتلك القنصليات الفخرية سعياً للحصول على الامتيازات والسيارات الدبلوماسية الفاخرة, فتعاظم عددها لدرجة فاقت فيه عدد السفارات الأجنبية في السودان.

ادى هذا النهج الاستحوازي الى السيطرة الكاملة للكوادر الاسلامية على حركة الاموال والحياة في السودان وعلى عصب الدبلوماسية السودانية وبعثاتها في جميع بقاع  العالم بلا استثناء، فان لم يكن السفير في القارة طفيليا فللنظام الطفيلي رجله داخل البعثة في درجة صغيرة في الهيكل الوظيفي ولكنه يتمتع بصلاحيات وسلطات فوق الوضع السيادي للسفير والذي يمثل رئيس الجمهورية، بل ويتحكم في عمل واداء السفير ويقرر مصيره.

كذلك عمت ظاهرة الشخصيات الاسلامية التي لا تحمل حقيبة وزارية ولا صفة دستورية او مهام رسمية، ولكنها تتميز بنفوذ وسلطات في الدولة بحكم وضعها و دورها في التنظيم الحاكم، هؤلاء ارهقوا موازنة الدولة و وزارة الخارجية فهم يجوبون حول العالم بجوازات سفر دبلوماسية ويحلون في السفارات بصورة رسمية في حلهم وترحالهم مطالبين باستقبال ومعاملات رسمية شأنهم شأن الدستوريين من كبار الشخصيات، و تتشكل هذه الشخصيات من كوادر النظام النائمة و المغمورة في الدولة العميقة التي تطلع بمهام تنظيمية او خاصة مجهولة. فتعمل من خلف الكواليس في النظام و الحكومة والدولة باعتبار ان الدولة واجهزتها تحت سيطرتهم وسلطتهم الشاملة وتعتبر هذه الفئة بمثابة الخلية العليا المكونة من دهاقنة سدنة النظام وهي الالية القابضة التي تدير النظام فعلياً و تتخذ القرارات المصيرية في فلسفة وتوجهات وسياسة الحكم في البلاد.

السفراء الاسلاميون لا يُحالون الى المعاش عند بلوغ سنه، بل يتم التجديد لهم ليظلوا في مناصبهم بكل امتيازاتهم وبدلاتهم ورواتبهم خلافاً للسفراء غير الموالين للنظام.

كذلك ابتدع النظام الطفيلي ما يسمى ب(الدبلوماسية الرسالية) القائمة على التبشير ببرنامج الشريحة الطفيلية المتأسلمة كي يعم الحكم بالشريعة كل العالم والذي بشر به المرحوم د.حسن الترابي وبهذا اصبح العاملون في السلك الدبلوماسي سفراء للتنظيم الاسلامي وليس للسودان.

هذا المثال لما جرى و يجري حتى الان في وزارة الخارجية وتعمدتُ التفصيل فيه ليغني عن الكتابة عن الوزارات الاخرى وتلك التي تسلك ذات النهج في التشريد والاحلال للتمكين عبر الولاء وليس الكفاءة او الخبرة الهدف من وراء ذلك هو ضمان تغطية كل انواع الفساد الاخرى وتظل هذه الممارسات مطمورة لا يعلم عنها شعب السودان شيئاً.

استئصال الدولة العميقة اشخاصا وقوانين ومناهج وممارسات وكايدلوجيا، عبر القوانين العادلة والمنصفة وليس الانتقام هو المدخل لتنفيذ شعارات ثورة ديسمبر 2018 ومطالب جماهيرها. اذ كيف يمكن تحقيق السلام او العدالة او التنمية بنفس الاشخاص الذين افسدوا في البلاد ودمروها طيلة الثلاثين عاما وما زالوا ممسكين بعصب السلطة بكل مفاصلها من اجهزة نظامية ومؤسسات عدلية واقتصادية وخدمية الخ ... بدون ازالة هذه التركة المُثقلة يصبح السير الى الامام من اجل التغيير كالمشي في حقل الغام يحول دون الوصول الى الهدف وربما تنفجر في اي وقت تطيح فيه بمكتسبات الشعب التي احرزها بمئات الشهداء من خيرة بناته وابناءه و مهروها بدمائهم الغالية.

يصبح واجب كل وزير ان يتحسس الارض في وزارته بدراسة الواقع الذي سيعيش ويعمل فيه لتنفيذ مطالب الثورة بمن هم جديرون بثقة الشعب وحريصون على سلامة الوطن واستقراره وذوي الكفاءات العالية والتجربة الحية وليس الولاء للمصالح الخاصة او الجهوية والعنصرية.

 (نواصل)

 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )