أصحى يا حمدوك .. الثورة قطيعة مع الماضي

محمد محمود عمر

صرح رئيس مجلس الوزراء للفترة الانتقالية بعد بضعة أيام من توليه قيادة السلطة التنفيذية للفترة الانتقالية بأن الدولة السودانية تحتاج لحوالي ثمان مليارات دولار خلال العامين المقبلين لتغطية الواردات وإعادة تأهيل الاقتصاد السوداني، وأضاف أن البنك المركزي يحتاج لملياري دولار كاحتياطي من النقد يساعد على إيقاف تدهور سعر صرف الجنيه السوداني. الغريب في الأمر أن الدكتور حمدوك لم يفصح عن طبيعة الدراسات والتقارير التي اعتمد عليها لتحديد حجم هذه الاحتياجات والأرقام، والجهات التي قامت بها سواء كانت من جانب جهاز الدولة السودانية الخرب أو من قبل قوى إعلان الحرية والتغيير، كما أنه لم يحدد طبيعة أدوات وأساليب الدراسة في هذه التقارير. وباعتبار خلفية وتأهيل الدكتور حمدوك الأكاديمي وخبرته العملية نرجو أن تكون تصريحاته مبنية على دراسات وتقارير وتشريح لحال الاقتصاد السوداني، وليست استمراراً للخبط عشوائي الذي اعتدناه من نظام البشير والجبهة القومية الاسلامية على مدى ٣٠ عاماً، وتفادي العشوائية التي اعتدناه من نظام المخلوع وزمرته يشمل تمليك جماهير الشعب السوداني صاحبة الحق المعلومات كاملة ومفصلة وبشكل علمي وعملي بديلاً عن التصريحات المبتسرة والتي تحمل شبهة العجلة والتلفيق.

وفي أول لقاء تلفزيوني للسيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور حمدوك والذي أجراه الأستاذ فيصل محمد صالح (وزير الثقافة والإعلام لاحقاً!!) ونسبة للتساؤلات من جموع السودانيين وريبتهم تجاه وتخوفهم من التعامل مع صندوق النقد والبنك الدوليين والحصول على قروض منهما كمدخل أول وأساسي للتعامل مع الأزمة الاقتصادية في البلاد، أجاب الدكتور حمدوك بلا قاطعة حول الاعتماد على التعامل مع صندوق النقد والبنك الدوليين وأضاف أنه حتى في حالة الحوجة للتعامل مع المؤسستين فأنه سيتم وفقاً لتوجهات يفرضها الدكتور وحكومته ودونما تنفيذ شروط وروشتات التكييف الهيكلي المتعارف عليها من قبل  المؤسستين.

 إلا أن أولى الخطوات المتخذة من قبل الدكتور حمدوك وحكومته الانتقالية كانت هي المحاولة الجادة للحصول على قروض من صندوق النقد والبنك الدوليين، وهو ما يمثل مواصلة لسياسات نظام الجبهة الإسلامية القومية وعبد الرحيم حمدي التي عانى منها الشعب السوداني طوال ٣٠ عاماً، والتي أودت بالاقتصاد السوداني للهاوية ودمرت مشاريع السودان الإنتاجية في مجالي الزراعة والصناعة، وأهدرت موارد السودان الطبيعية، وأدت إلى تلاشي المؤسسات الخدمية بالكامل وجعلت من المواطن السوداني فريسةً للجبايات وذئاب الطفيلية المسعورة. 

وحديث حمدوك عن الحصول على قروض من هذه المؤسسات وفقاً لشروطه وبدون تنفيذ روشتة الخصخصة والتقشف والتمكين الكامل للاحتكارات الكبيرة من موارد السودان (ما يسمى اصطلاحا وتلفيقاً ومحاولةً للتمرير والخديعة الإعلامية بالتكييف الهيكلي) ما هو إلا بيع للوهم إن لم يكن الكذب الصريح، فتنزيل سياسات النيوليبرالية وتنفيذ روشتة صندوق النقد والبنك الدوليين كانت الشرط النافذ والأمر الواقع للحصول على القروض منهما في أي مكان من العالم، وما جلبت للدول والجهات الحاصلة على هذه القروض إلا البلاء والظلم ومزيد من التفاوت الطبقي والفقر وضنك العيش في كل التجارب الماثلة (بما يشمل تجربة إثيوبيا التي يتحدث عنها حمدوك استغفالاً - راجع واقع التفاوت الطبقي والدين الخارجي في إثيوبيا اليوم - أيضاً راجع الدكتور سمير أمين حول الفرق بين مفهومي النمو والتنمية اقتصادياً واجتماعياً)، وفي حالة سودان ثورة ديسمبر فالحصول على هذه القروض وبالتالي تنفيذ روشتة صندوق النقد والبنك الدوليين هو عملية تأتي مجافية ومضادة لشعارات الثورة الأساسية:

  1. الحرية: شعار الحرية الذي رفعته جماهير الشعب، رغم محاولة اختزاله من بعض قوى الهبوط الناعم في إطلاقٍ صوري للحريات العامة، فهو يعني في إحدى جوانبه توسيع وإطلاق كامل وغير مشروط للحريات العامة وحمايتها دستورياً مع تفكيك أجهزة النظام القمعية وإعادة بنائها وتشكيلها بعقيدة جديدة أساسها حماية وخدمة المواطن وصيانة حقوقه، ولكنه أيضاً أكثر عمقاً بما يعني التحرر الوطني من ربقة التبعية في القرار السياسي والاقتصادي للقوى الخارجية الدولية والإقليمية، وتحقيق المفهوم الشامل للاستقلال الذي فشلت فيه النخب الحاكمة في السودان منذ ١٩٥٦. تنفيذ روشتة صندوق النقد والبنك الدوليين يعني تحكم قوى خارجية ووكلائها الداخليين في رسم السياسيات الاقتصادية واستخدام موارد البلاد وبالتالي استمرار التبعية وانتفاء التحرر في القرار السياسي والاقتصادي، كما أنه أيضاً يؤدي لاحقاً للردة ومصادرة الحقوق والحريات العامة وإطلاق يد أجهزة النظام القمعية بصورة أكثر وحشية في مواجهة المواطنين السودانيين في سعي هذه القوى الخارجية ووكلائها الداخليين لحماية مصالحها واستمرارها في نهب موارد البلاد واحتكارها.  
  2. السلام: تثبيت أسس السلم الوطيد في السودان يعني مخاطبة جذور الأزمة بالتوزيع العادل للثروة والسلطة، وفشل كل المحاولات السابقة لوقف الحرب واستدامة السلام كانت نتيجة الفشل في التعامل مع الأزمة السودانية بشكل شامل. تنفيذ روشتة صندوق النقد والبنك الدوليين وبالتالي الاستمرار في طريق التبعية السياسية والاقتصادية وتحكم القوى الخارجية ووكلائها الداخليين في الموارد يؤدي لإعادة انتاج الأزمة المتعلقة بتوزيع الثروة والموارد القومية (وبالتالي السلطة) وعدم توجيهها للتنمية ورفاه المواطن، مما يعني استمرار المظالم التاريخية والحروب الداخلية أو تكرار اشتعالها وتفاقمها بشكل يؤدي لانفراط وحدة ما تبقى من السودان.
  3. العدالة: مرة أخرى شعار العدالة الذي رفعته جماهير الشعب السوداني رغم محاولة اختزاله من قبل قوى الهبوط الناعم لا يعني فقط الإنصاف لضحايا مجازر الانقاذ وحروبها العبثية ومحاكمة مرتكبي الجرائم (رغم أهمية هذا الجانب)، فهو يتعدى ذلك لمفهوم أوسع بما يعني التأسيس لدولة العدالة الاجتماعية واستدامتها وتطويرها استثماراً في الانسان السوداني وتحقيقاً لرفاهيته. تنفيذ روشتة صندوق النقد والبنك الدوليين في الخصخصة والتقشف وانسحاب جهاز الدولة من دوره الخدمي والتنموي المخطط يعني احتكار قوى خارجية دولية واقليمية وقلة وكلاء داخليين من الأغنياء وأصحاب الامتيازات التاريخية من فوائد وعائد الموارد والثروة، والمحصلة والنتيجة النهائية هو المواصلة في اختلال ميزان العدالة والاستمرار في دائرة الفشل اللعينة لما تبقى من الدولة السودانية.

 أتى الدكتور حمدوك إلى موقعه كرئيس لمجلس وزراء الفترة الانتقالية كنتيجة مباشرة لنضال وتضحيات ودماء وعرق بنات وأبناء الشعب السوداني طوال ٣٠ عاماً وفي خضم ثورة شعبية ما تزال مستمرة، وهي ثورة ذات محتوى عميق وجذري سياسياً واجتماعياً وأهداف واضحة في اجتراح طريق جديد يقطع مع ويجافي ما سبقها منذ ١٩٥٦، كما أتى الدكتور حمدوك لهذا الموقع وفق تسوية ضيزى بين قوى إعلان الحرية والتغيير واللجنة الأمنية لنظام البشير، وهي تسوية لا تُلبي طموحات وسقف جماهير الشعب السوداني وإن كانت قطاعات واسعة قد ارتضتها على مضضٍ وحذرٍ وأملٍ في أن تأتي بهياكل سلطة انتقالية ثورية مسنودة جماهيرياً قادرة على صراع وهزيمة اللجنة الأمنية لنظام البشير وأجندتها المرتهنة للمحاور الخارجية والتي تمثل مصالح نفس القوى الاجتماعية التي استند عليها نظام البشير والجبهة الإسلامية القومية. ووفقاً للمعادلة أعلاه يجب أن يعي الدكتور حمدوك أن الشعب السوداني وعبر ثورته المستمرة ووعيه بالدمار والإهدار الذي لحق بمُقدراته طوال حكم البشير والجبهة الإسلامية القومية يريد قطيعة كاملة وجذرية مع النظام البائد وسياساته في كل المناحي وأهمها الجانب الاقتصادي ولن يرتضي بأقل من التفكيك الكامل لمؤسساته الشمولية الطفيلية، وخط طريق جديد نحو الاستقلال السياسي والاقتصادي، ورغم عظم ومشقة المهمة وتكالب قوى الثورة المضادة فإن جماهير الشعب السوداني الثائرة قادرة وراغبة في المشي فذلك الطريق الوعر. كما يجب على الدكتور حمدوك أن يعي أن المواصلة في طريق النظام البائد والذي يتعارض والشرعية الثورية التي اختطتها جماهير الشعب السوداني ستؤدي به لمآلات النظام البائد، وعلى الدكتور حمدوك أن يبتعد عما أسماه "توجه براغماتي"، إذ إن مشاكل السودان المزمنة والمعقدة لا يمكن مقاربتها ومعالجتها بشكل جذري عبر التجزئة والنظرة الآنية القاصرة لمنهج البراغماتية، بل عبر حلول شاملة ونظرة استراتيجية ودراسة تشريحية تعي العلاقات الجدلية بين القطاعات المختلفة وتأثيرها على بعضها البعض وتداخل أزماتها.

 يبقى للدكتور حمدوك طريق واحد صعب ووعر ومحفوف بالمخاطر ولكن ستسانده فيه وتحمله على أكتافها جماهير الشعب السوداني إن إختاره (رغم أن كل المؤشرات التي أطلقها إعلامياً وعملياً حتى الآن لا تشي بذلك)، طريق وضع يد الدولة على كل الموارد والأصول في البلاد وإدارتها وهو ما يوفر من الموارد المالية (المستحقة لهذا الشعب) ما يفوق العشر مليارات دولار ويفيض مرات عديدة، نذكر منه بضع خطوات أولية:

  1. حصر كل المؤسسات والشركات التي تمتلكها القوات المسلحة وميليشيات الجنجويد وجهاز الأمن والمخابرات وقوات الشرطة وغيرها من الأجهزة العسكرية والأمنية وتحويلها ووضعها تحت الإدارة والسيطرة الكاملة من قبل وزارة المالية. العمل لاحقاً على إصدار قوانين تُعنى بإبعاد الجيش السوداني والقوات النظامية الأخرى وإخراجها من قطاع الاستثمار والاقتصاد وقصر دورها في حماية الوطن والمواطن.
  2. حصر ومراجعة ومصادرة كل الشركات العاملة في قطاع تعدين الذهب وخاصة المملوكة من قبل قائد ميليشيات الجنجويد ووضعها تحت السيطرة الكاملة والإدارة من قبل وزارة المالية. بما يعني أن تؤول موارد جبل عامر وغيره من مواقع التعدين إلى خزينة الدولة.
  3. تكوين مفوضية لحصر ومراجعة وإعادة كل الشركات والممتلكات والأصول والأراضي المملوكة للدولة والتي تم التصرف فيها من غير وجه حق من قبل نظام البشير والجبهة الإسلامية القومية في خلال الثلاثين عاماً السابقة. وهذا يعني مراجعة وإعادة المشاريع والأراضي الزراعية والسكنية والصالحة للتعدين التي تم بيعها أو إيجارها للمستثمرين الأجانب والخليجيين على وجهة الخصوص بشروط مجحفة في حق السودانيين.
  4. حل حزب المؤتمر الوطني وحصر ومصادرة كل الأصول المملوكة له (بما يشمل المملوكة صورياً لقياداته كغطاء قانوني).  
  5. الشروع في تكوين اللجان المتخصصة لملاحقة الأموال المنهوبة من خزينة الدولة في كل المجالات وبالأخص البترول بشكل فوري. يتعلق ذلك بقضية العدالة والمحاسبة والتي يجب أن لا تقتصر على قضايا جرائم الحرب والمجازر والتعذيب والقتل بل تشمل قضايا الفساد وسرقة المال العام.
  6. تكوين مفوضية مكافحة الفساد وإصدار القوانين المتعلقة بالأمر فوراً.

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).