قضايا الصراع  من أجل انجاز مهام الفترة الانتقالية (1)

بقلم : تاج السر عثمان 
  الصراع من أجل انجاز مهام الفترة الانتقالية يدور في مختلف الجبهات السياسية والاقتصادية والطبقية والفكرية ، الهدف من الفترة الانتقالية تفكيك التمكين والانتقال من الشمولية الي دولة الوطن التي تسع الجميع، حسب ما أشار الميثاق السياسي الملحق باعلان الحرية والتغيير :

التحول من الشمولية إلي دولة المواطنة وسيادة حكم القانون وتحقيق العدالة، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية اللامركزية، وقومية مؤسسات الدولة، وإعادة هيكلة المؤسسات النظامية " الجيش، الأمن، الشرطة" بما يضمن قوميتها ومهنيتها وحيادها. والفصل بين السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، ووقف الحرب بمخاطبة جذور الأزمة ، وحل وتسريح قوات الدفاع الشعبي والدعم السريع وجميع المليشيات ونزع اسلحتها، والغاء كل القوانين المقيدة للحريات، واستعادة الأموال المنهوبة، وعلاقات خارجية تقوم علي حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، وقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية.

فما هي أهم قضايا الصراع ومهددات الفترة الانتقالية ؟ :
1 - من قضايا الصراع برزت الدعوة لتقصير الفترة الانتقالية من أربع سنوات إلي سنتين في بيان الفريق ابنعوف في انقلاب 11 أبريل ، وبعد إزاحة ابنعوف في بيان البرهان بعد مجزرة فض الاعتصام الذي الغي فيه الاتفاق مع "قوي الحرية والتغيير" ، ودعا لانتخابات خلال 9 شهور، وكذلك الاتفاق علي الوثيقة الدستورية بين المجلس العسكري و (قحت) الذي قلص الفترة من اربع سنوات، إلي ثلاث سنوات. بعد توقيع الاتفاق، برزت دعوة الامام الصادق المهدي لقيام انتخابات مبكرة، في حالة فشل حكومة حمدوك، دون الاشارة الي إمكانية في حالة الفشل تتم المحاسبة ، وتغيير الحكومة باخري تنفذ مهام الفترة الانتقالية.
 كما برزت بعد التوقيع علي" الوثيقة الدستورية" خطورة هيمنة المكون العسكري في تعيين وزيري الداخلية والدفاع، والانفراد بإصلاح الجيش بمعزل عن مجلس الوزراء، وتقنين مليشيات الدعم السريع دستوريا في الوثيقة، واستحواذ السيادي علي مفوضيات مثل : السلام، والدستور والانتخابات... الخ، والابقاء علي الاتفاقات العسكرية الخارجية مثل الوجود في حلف اليمن ومواصلة ارسال القوات لها في تدخل في شؤونها الداخلية، وفقدان للسيادة الوطنية، والتدخل الخارجي في فرض الاتفاق بين المجلس العسكري و" وقحت"، بما يضمن سياسة "الهبوط الناعم"  الذي يعيد إنتاج النظام السابق وسياساته الاقتصادية والقمعية، والعسكرية وروابطه بالأحلاف العسكرية الخارجية ، واستمرار سياسة التمكين بشكل جديد، حيث تنشط الرأسمالية الطفيلية الاسلاموية في خلق الأزمات في التموين وتهريب الذهب والسلع ورفع الدولار، وممارسة الارهاب والعنف، كما حدث في جامعة الأزهري، وتصريحات قادة الدفاع الشعبي .الخ، وخلق الفتنة القبلية في الشرق، ودارفور، وتصريحات عبد الحي يوسف وتكفيره لوزيرة الشباب والرياضة، كل ذلك يهدف لزعزعة الاستقرار والتمهيد لانقلاب العسكري، ونسف الفترة الانتقالية.
 وبدلا من مواصلة النضال من أجل كامل الحكم المدني الديمقراطي، يواصل بعض قادة " قحت" مثل : خالد سلك الذي صرح في الجريدة بتاريخ 7 /11 " المؤسسة العسكرية شريكة في الانتقال وساهمت في نجاح الثورة"، وكذلك تصريح الامام الصادق المهدي " لولا الدعم السريع لما سقط البشير" سودان ديلي 5 /11/ 2019، علما بأن انقلاب اللجنة الأمنية للنظام البائد هو الذي قطع الطريق أمام وصول الثورة الي أهدافها، وجاء الاتفاق ليكرس التسوية و"الهبوط الناعم" الذي يحاول إعادة إنتاج النظام البائد بسياساته الاقتصادية والقمعية والاقتصادية واتفاقاته العسكرية الخارجية، وتواصل قوى الثورة نضالها من أجل استكمال مهام الثورة ، كما جاء في ميثاق قوى " الحرية والتغيير".
 هناك خطورة من تكرار تجربة أكتوبر 1964، حينما تآمرت قوى الثورة المضادة ضد حكومة جبهة الهيئات برئاسة سرالختم الخليفة، وبرزت المطالبة بأن تكون لحكومة جبهة الهيئات تفويضا شعبيا، واجراء انتخابات مبكرة، رغم أن الفترة الانتقالية كانت ستة شهور !!. بعد ذلك جاء هجوم المليشيات المسلحة الذي اطلق عليه عبد الخالق محجوب " عنف البادية" علي مقر سلطة أكتوبر بالخرطوم، أدي ذلك لاستقالة حكومة سرالختم الخليفة، وتكونت حكومة جديدة نال علي اثرها كل حزب 3 مناديب، ما عدا الحزب الشيوعي والإخوان المسلمين نالا مندوبين لكل منهما، وبعد اجراء الانتخابات جاءت حكومة جديدة .
 تم الضيق بالحزب الشيوعي، بـ"فبركة" مؤامرة معهد المعلمين العالي، وهجوم مليشيات الانصار والإخوان المسلمين المسلحة علي دور الحزب الشيوعي، وتمّ حل الحزب الشيوعي وطرد نوابه من البرلمان، رغم حكم المحكمة الدستورية الذي رفض الحل باعتباره غير دستوري، الا أن الصادق المهدي رفض تنفيذ الحكم ، ووصفه بانه ( تقريري). وليس حكما ملزما وواجب التنفيذ، وسار في طريق ديكتاتورية مدنية باسم الاسلام، مما زاد حرب الجنوب اشتعالا، وتمت محكمة الردة للأستاذ محمود محمد طه عام 1968، والهجوم  المسلح علي معرض الفنون الشعبية في جامعة الخرطوم من الإخوان المسلمين في العام نفسه، مما قوض الديمقراطية، وأدي ذلك لانقلاب 25 مايو 1969 م.   
2 -  التوجه الخارجي والاعتماد فقط علي المنح والقروض.
 هذه ايضا قضية صراع طبقي واجتماعي يؤثر مباشرة علي شعب السودان وأوضاعه المعيشية والاقتصادية ، ويؤدي لنسف الفترة الانتقالية، كما يحدد الطريق للتنمية  :
- هل تنمية تابعة تعيد إنتاج الفقر ونهب ثروات البلاد وتهريبها للخارج والتحرير الاقتصادي الذي قاد لرفع الدعم عن السلع والتخفيض المستمر للجنية السوداني والذي سرنا عليه منذ العام 1978 ، مما أدي لانتفاضة مارس- أبريل 1985، ولانفجار الحركة الجماهيرية وثورة ديسمبر 2018 .
- أم تنمية مستقلة تتوجه للداخل دون الانعزال عن العالم، ولتلبية واشباع احتياجات الانسان السوداني في تحسين أوضاعه المعيشية والتعليم والصحة وخدمات المياه والكهرباء والبيئة وغيرها ، وتتوجه لاستعادة ممتلكات الشعب المنهوبة للإنتاج الصناعي والزراعي والحيواني والخدمي.
  معلوم أن سياسات الليبرالية الجديدة أو (مدرسة فريدمان مان) تشجع الاقتصاد الحر وحرية السوق ، وتعزز سياسة البنك والصندوق الدوليين لتنفيذ سياسة التكيف الهيكلي الذي يقوم علي تصفية القطاع العام وتشريد العاملين والذي كانت نتائجه كارثية علي العالم كما في الأزمة الاقتصادية والمالية عام 2008 ،و علي السودان بصورة أعمق بعد انقلاب الاسلامويين الذي استمر لمدة ثلاثين عاما، ونفذ سياسة التحرير الاقتصادي بشكل وحشي دمر اقتصاد البلاد وافقر جماهير شعبنا، وعلي معظم الدول مما أدي لانفجار ثوراتها في الشرق الأوسط " العراق، لبنان، الخ" ،وافريقيا " غينيا ، الخ"، وأمريكا اللاتينية " شيلي، الأكوادور،. الخ" والاوربية " فرنسا ثورة السترات الصفراء". الخ.
 هذه المدرسة تتناول الاقتصاد القياسي بمعزل عن العوامل الاجتماعية والثقافية واحتياجات الجماهير الأساسية. وتنفيذ سياسة الصندوق والبنك الدوليين في تبني سعر الصرف المرن، ورفع الدعم العيني واستبداله بالدعم النقدي ( كما في مقترحات وزير المالية إبراهيم البدوى)، وقروض مشروطة علي حساب الطبقات الكادحة ، وتخفيض العملة ، وتحرير سعر الصرف، والخصخصة وتحرير التجارة الخارجية، وفتح باب الاستثمار علي مصراعيه وتسهيل التحويلات للخارج، ودمج الاقتصادي الوطني بالنظام الرأسمالي العالمي في تبادل غير متكافئ يعيد انتاج الفقر باستمرار ، ونهب موارد البلاد ، واشتداد التبعية والتدخل في الشؤون الداخلية وفقدان السيادة الوطنية، بعد أن تكون البلاد مثقلة بديون تتزايد فوائدها باستمرار دون قدرة علي التسديد، كما في حالة البلاد الراهنة حيث بلغت الديون 62 مليار دولار، في حين أن اصل الدين 18 دولار والباقي فوائد !!.
 واضح أن سياسة رئيس الوزراء حمدوك ووزير المالية إبراهيم البدوى في لقاءات " شاتم هاوس" قبل الثورة ، ولقاء الخرطوم في أكتوبر 2019، تسير في هذا التوجه، حيث تم التوافق علي روشته صندوق النقد الدولي  والتوجه الخارجي ، كما في حالة طلب حمدوك قرض 8 مليار دولار من البنك الدولي دون تحديد علي أي اسس تم تحديد هذا القرض؟! ، وكذلك طلب وزير المالية قرض 2 مليار دولار ، دون التوجه لاسترداد الأموال المنهوبة، ثم بعد ذلك اذا كانت هناك حاجة، نطلب المساعدات والقروض غير المشروطة لتنفيذ خطط محددة مدروسة، وتأهيل المشاريع الانتاجية والصناعية، ودعم الصادر وتقوية موقف الجنية السوداني، أما الطريق الحالي لوزير المالية يزيد اعباء الديون ويعمق الأزمة والتخلف والفقر، وعدم السيطرة علي السوق، والارتفاع المستمر في سعر الدولار، مما يزيد تدهور الأوضاع المعيشية.
 واضح تمكن الرأسمالية الطفيلية من السيطرة علي السوق، حتى أن وزير المالية اتهم الخميس 7 نوفمبر الماضي عناصر الثورة المضادة بالتسبب في ارتفاع أسعار الدولار والعملات الأجنبية عبر زيادة الطلب علي مشتريات الدولار والعملة الأجنبية.
 الاستمرار في سياسة التوجه الخارجي قضية صراع سياسي وطبقي واجتماعي وفكري، ومهدد خطير للفترة الانتقالية ، وتعيد إنتاج السياسات الاقتصادية التي عمقت الفقر وتدهور الانتاج الصناعي والزراعي والخدمي والانخفاض المستمر لقيمة الجنية والارتفاع المستمر في الأسعار، مما يؤدي لاستياء الجماهير، وفتح الطريق لقوى الثورة المضادة لنسف الفترة الانتقالية، بما في ذلك الانقلاب العسكري. 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).