غير قابل للهضم

احمد محمود كانم 

  • عظيم أن تبسط الأجهزة العدلية يدها مؤخراً لتنفذ حملة توقيف بحق أكابر مجرمي نظام الجبهة الظلامية الدموية بغية تقديمهم لمحاكمات عادلة، من شأنها أن تقطع الطريق أمام كل من تسول له نفسه القيام بأي شكل من أشكال الانقلابات التي لطالما أذاقت السودان مذ الاستقلال الويل والثبور وأفرزت بدورها أنظمة شمولية استبدادية أشبعت البلاد صنوفا شتي من القهر والفقر والتخلف والدمار  .
  • وجميل أن تطال تلك الحملة حتي الجناح الآخر لنظام  الإنقاذ ( الشعبي)  متمثلة في شخصية مساعد الرئيس المخلوع إبراهيم السنوسي الذي ما فتئ يتباكى علي نظامه البالي و يصرخ متوعداً الحكومة الانتقالية بعدم السماح لها بإتمام فترتها الانتقالية بسلام ، إضافة إلي الأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي  الدكتور علي الحاج محمد، وهما من الشخصيات المدنية المشاركة في تقويض السلطة المنتخبة، علي اعتبار أن الجرائم لن تسقط أو تتلاشي بالتقادم مهما اعتراها من تغبيش أو افتعال الشقاق والتناحر بين الجناة المجرمين.
  • وجميل أن نلحظ تحسناً في أداء الأجهزة الأمنية المنوطة بها عمليات التوقيف والاعتقال علي غير ما عهدناها إبان فترة حكم الجنرال السفاح عمر البشير من تسور المنازل ليلاً وترويع أسر وأطفال المغضوب عليهم، واختفاء وسائل التعذيب من الكماشات، والقزازة، والثلاجة، و بنبر الشيطان، وطياره قامت، والمكواه الكهربائية، والزرديات، وغيرها من وسائل استحلاب المعلومات قبل و أثناء التحريات، وهو أمر يعكس بلا شك مدي الفرق بين فترتي الثورة المفاهيمية الشابة و النظام القمعي المتواري .
  • لكن الشيء الذي لم يستطع له اللسان استعذاباً ولا المعدة هضماً، هو أن ينخرط المجلس السيادي وأجهزته القضائية والعدلية في بطون أودية التوافه والإنصرافيات.. فينكبون بكل ما أوتوا من صلابة وصلاحيات علي خنق وطعن  الأعواد اليابسة بدلاً عن اصطياد الأفيال والخنازير السمان الراتعة أمامهم  وخلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم من مجرمي النظام السابق، لا سيما أعضاء مجلس قيادة انقلاب 30 يونيو العسكريين، والأحياء من المدنيين من الصف الاول والثاني والثالث والرابع وحتي الخامس عشر .
  • إن عملية التحفظ علي بعض ممن ساهموا في عملية الانقلاب علي حكومة الديمقراطية الثالثة بتهمة واقعة جريمة الانقلاب فقط  وغض الطرف عن ما اقترفوه من الجرائم  أثناء فترة حكمهم الطويلة  ابتداء من مجزرة الثامن والعشرين من رمضان 1990 مروراً بفظائع بيوت الأشباح والتصفيات الفردية والجماعية في الخرطوم والعيلفون وبورتسودان وجوبا وشعيرية وخزان جديد وكبكابية وزالنجي، بجانب المجازر التي حصدت أكثر من مليون ونصف المليون من أرواح المواطنين العزل في جنوب السودان، و أكثر من ثلاثمائة ألف مواطن في دارفور، وعشرات الآلاف في جنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان ضد عرقيات وانتماءات بعينها، ومجازر هبة سبتمبر 2013، و مؤخرا شلالات دماء فض الاعتصام وما سبقتها وما تلتها من جرائم، لأمر يدعوا إلى الغثيان والصداع النصفي.. سيما وأن مسألة الانقلاب في هذه الحالة تعد ثانوية أمام تلك الجرائم التي ارتكبت خلال الثلاثين عاماً الماضية  ! 
  • معلوم بداهة أن ثقافة (عفا الله عما سلف) و (المسامح كريم ) وما إلي ذلك من المفردات التي طمرت في رمالها كرامة وكرم  الشعب السوداني المفعول به منذ قديم الزمان في ظل وجود الفاعل والمفعول لأجله أدوات الفعل، ما عادت تنطلي علي المواطن السوداني الثائر المتطلع إلي دولة يسودها السلام  والحرية المحروسة بالعدالة الناجزة .

لذا، علي الحكومة الانتقالية إعادة النظر حول تلك التهم التي لا تتضمن تلك الجرائم المذكورة آنفاً .

 ولا يعني ذلك التغاضي عن جرائم الفساد المالي والإداري التي ارتكبت منذ انقلاب 30 يونيو، إلاّ أنّ تأخير فتح ملف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي يعرفها حتي البكم في أقصى أجزاء الأرض، و فتح الباب واسعاً لتمكين الجناة المتورطين من الهروب إلي دول صديقة، إلي جانب مواقف الحكومة الرافضة لفكرة التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، إضافة إلي عدم التعريف الواضح بماهية الفاعل لتلكم الجرائم، يوحي للمفعول بهم بأن الحكومة الجديدة غير جادة البتة في تحقيق العدالة واسترداد حقوق من تبقى من ضحايا جرائم نظام الإنقاذ المستذنب.. وهو ما سيفتح شهية الجناة علي ارتكاب المزيد من الفظائع بحق هذا الشعب المكلوم، بقدر ما سيفتح النوافذ مشرعة أمام خيارات بديلة سيلجأ إليها الضحايا لنيل القصاص من جلاديهم المعروفين للجميع.

 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).