موازنة الفشل وتجريب المجرب

قراءة في وثيقة منهجية وموجهات إعداد موازنة العام المالي 2020م

الهادي هباني

أثارت تصريحات السيد وزير المالية في حوار الإجابات الساخنة من واشنطون الذي أجراه معه الأستاذ صلاح شعيب في أكتوبر 2019م كثير من الجدل والنقد من كثير من المعلقين والكتاب والصحفيين المهتمين بقضايا الإقتصاد السوداني ومن بينهم خبراء في الإقتصاد والمالية. ويكاد يكون هنالك إجماع بينهم أولا: في أن السيد الوزير لا يري في حل مشاكل السودان الإقتصادية إلا عن طريق الحصول علي قروض خارجية بالدرجة الأولي من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومن بعض الدول الصديقة بالإضافة إلي تشجيع ودعم القطاع الخاص ليقود عملية التنمية وتشجيع الاستثمار الأجنبي وإحلال الدعم النقدي محل الدعم السلعي المباشر بديلا عنه بعد مرور فترة من عمر الحكومة الانتقالية.

وثانيا: لم يبذل جهدا ملحوظا يذكر في الداخل غير بعض التصريحات عن تكوين بعض اللجان لمراجعة الشركات الحكومية ومراجعة الضرائب والأجور والدعم وغيرها دون أن يكون هنالك نتائج أو علي الأقل قرارات تصب في برنامج قوي الحرية والتغيير وتلبي تطلعات الشعب. وخلال الأيام القليلة الماضية جاءت وثيقة منھجیة وموجھات إعداد موازنة العام المالي2020 م التي أطلقتها وزارة المالية لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن السيد الوزير يسير بالبلاد في نفس دوامة سياسات النظام البائد باعتماد القطاع الخاص أساسا لقيادة النمو الإقتصادي، وزيادة حصيلة ضريبة أرباح الأعمال وضريبة الدخل وضريبة القيمة المضافة وترشيد الإعفاءات الضريبية وليس إلغائها، التوسع في سياسة السوق المفتوحة عبر إصدار شهادات شهامة وأخواتها كوسيلة للاستدانة من الجمهور لتغطية العجز في الموازنة، الاعتماد علي مؤسسات التمويل الدولية للحصول علي قروض لتمويل التنمية...إلخ. وبالتالي لم تقدم وزارة المالية شيئا جديدا في موجهات الموازنة يختلف عما كان يحدث في موازنات عهد النظام المخلوع. ويبدو أن الطاقم الذي أعد هذه الموجهات يضم نفس عناصر النظام السابق خاصة وأن وزارة المالية كما هو معروف كانت من أكبر الدوائر الحكومية تكدسا بقيادات وأنصار المؤتمر الوطني ووزارة المالية وتمثل بامتياز معقل تكدس عناصر الدولة العميقة في الوقت الحالي. وفي هذه الحلقات نتناول أهم ما ورد في موجهات الموازنة العامة بالتحليل والنقد ثم نقدم حلول بديلة لها تعتمد علي الموارد الذاتية والحلول الداخلية. ونخصص هذه الحلقة للحديث عن أعلان وزارة المالية في الموجهات العامة اعتمادها علي التمويل الخارجي من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدعم الخارجي سواء في شكل منح أو دعم فني أو قروض ميسرة.

حول الأعتماد علي صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والدعم الخارجي:

لقد جاء في وثيقة منهجية وموجهات إعداد موازنة العام المالي 2020م في االجزء الخاص بالموجهات العامة (صفحة 2) في الفقرة (11) (صفحة 3) ما نصَّه (تعزيز استقطاب الموارد الأجنبية من القروض الميسرة والمنح والعون الفني من مؤسسات التمويل الدولية والإقليمية ودول التعاون الثنائي لتمويل مشروعات التنمية ومقابلة الالتزامات المترتبة علي ذلك). وفيما يلي مساهمتنا علي هذا الجانب المهم جدا في الموجهات العامة للموازنة.

أولا: قبل الخوض في تناول التمويل الخارجي أيا كانت مصادره لابد من التعليق علي بعض ما ورد من نصوص في الفقرة المذكورة رقم (11). ففي النص بعض الملاحظات نتناولها باختصار فيما يلي:

  • في الجزء الأول من النص (تعزيز استقطاب الموارد الأجنبية من القروض الميسرة والمنح والعون الفني) فهو يعني التركيز علي استقطاب القروض الميسرة أي القروض التي يمكن أن يحصل عليها السودان من موقع القوة التفاوضية والوضع الائتماني الجاذب والتي يمكن أن يستطيع معها فرض شروطه في التفاوض علي الجهة المقرضة. فهل بالفعل حصلت وزارة المالية علي موافقات مبدئية للحصول علي قروض ميسرة؟ وعلي أي أساس؟ مجرد أسئلة صعبة تحتاج لإجابات مستحيلة.
  • في الجزء الثاني من الفقرة ورد مانصَّه (والمنح والعون الفني). وهما مرحب بهما لكن المنح والدعم الفني في العلاقات الدولية لا تقدم بدون مقابل. فهنالك دائما مقابل ومن حق الشعب أن يعرف بكل شفافية ما هو المقابل الذي ستقدمه وزارة المالية لهذه الجهات التي يمكنها تقديم الإعانات والدعم الفني بدون مقابل. وفي ذات الوقت علي وزارة المالية تحديد طبيعة هذا الدعم الفني الذي عجزت فيه عن الحصول علي كفاءات وخبرات سودانية وطنية لتقديمه قبل أن تلجأ للخارج في توفير ذلك وشرح المبررات المنطقية التي خلصت معها علي عدم وجود خبرات سودانية يمكنها أن تقدم أي دعم فني تحتاج له البلاد وخاصة في المجال المالي. وأيضا في كل المجالات مما أضطرها للجوء لمؤسسات التمويل الخارجية.
  • الجزء الخاص بالجهات التي ستتوجه لها وزارة المالية للحصول علي التمويل الميسر والمنح والدعم الفني اشتملت علي أولا: مؤسسات التمويل الدولية وهذه معروفة تتمثل في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وفي بنك التنمية الإفريقي علي سبيل المثال كمؤسسة إقليمية إفريقية أو صندوق النقد العربي وأيضا هي مؤسسة تمويل أقليمية عربية. لكن ما هو المقصود (بدول التعاون الثنائي) التي وردت في الفقرة. فعلي حد علم الكاتب لا يوجد جهة دولية تمويلية تحمل هذا الإسم (دول التحالف الثنائي). ولكن من الواضح أنها السعودية والإمارات. فإذا كان ذلك صحيحا يجب علي وزارة المالية أن تكشف بكل شفافية لكل الشعب سر العلاقة مع هاتين الدولتين وما هو سقفها وحدودها وما ستقدمه للسودان وبأي ثمن. خاصة وأن جماهير الشعب السوداني في الاعتصام الخالد وابداعاته رفضوا كل أشكال الدعم من هاتين الدولتين علي وجه التحديد بعدة أشكال مختلفة معروفة للجميع ولا تخفي عن وزارة المالية.

ثانيا: حصول السودان علي قروض من البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو أي جهة مالية أو دولة خارجية أو اتحاد إقليمي في ظل الظروف الإقتصادية والسياسية التي يعيشها السودان حاليا حتما ستكون بشروط قاسية جدا وتكلفة باهظة لأن السودان بالنسبة لأي مؤسسة ائتمانية عالمية يعتبر منطقة عالية المخاطر حيث تبلغ الديون الخارجية حوالي 60 مليار دولار والسودان غير قادر علي الوفاء بأقساطها في مواعيدها وهي لذلك تُصَنَّف ديون رديئة مشكوك في تحصيلها خاصة وأن السودان والصومال هما الدولتان علي مستوي العالم المقترضة من صندوق النقد الدولي ومتأخرة في السداد، حيث بلغت متأخرات السودان حتي إبريل 2019م حوالي 969.3 مليون وحدة حقوق سحب أي ما يعادل 1.8 مليار دولار (صندوق النقد الدولي، التقرير السنوي، 2019م، ص 87). هذا فضلا عن الحالة الاقتصادية المتردية المتمثلة في ارتفاع معدلات التضخم وتدني سعر صرف العملة المحلية وتدهور القطاعات الانتاجية وازدياد معدلات البطالة والفقر واللجوء والهجرة وتدهور الخدمات الصحية والتعليمية والبيئية وتفشي الفساد والتهريب وارتفاع معدلات الصرف علي الدفاع والأمن ومؤسسات الدولة المترهلة. بالإضافة إلي التوتر السياسي الناتج عن الحروب الأهلية وتزايد حجم المليشيات العسكرية والتدخل العسكري في بعض بلدان الجوار. هذا إلي جانب تواجد التيارات الإرهابية والداعشية والعناصر الإرهابية الإسلامية المطلوبة من بعض دول الجوار. وبالتالي فإن أي جهة توافق علي منح السودان تمويلا (ومن وجهة نظر ائتمانية بحتة) حتما سيكون بثمن باهظ جدا وبشروط قاسية تحوطا لكل هذه المخاطر التي تحيط بملف السودان الائتماني. أو أن توافق تلك الجهات علي التمويل في شكل منح ودعم فني لأغراض سياسية الهدف منها تحقيق مصالح سياسية معينة وحينها يفقد السودان سيادته واستقلاليته. وعندما رفض صندوق النقد الدولي تمويل حكومة البشير (برغم أنها وافقت علي كل شروطه وشرعت في تنفيذها علي أرض الواقع وتحت رقابته المباشرة)، رفضها لنفس المخاطر المحيطة بملف السودان الإئتماني.

وتُعرف مثل هذه القروض القاسية التي تقدم لدولة كالسودان أو أي دولة أخري يتشابه وضعها الائتماني مع وضع السودان الائتماني الردئ بقروض الرفع المالي التي تمنحها المؤسسات المالية أو الحكومات المثقلة بالديون. ويطلق عليها قروض الرفع المالي لأن نسبة ديونها إلي أصولها أو مواردها تفوق المعايير المتعارف عليها بشكل كبير جدا ومخيف. وبالتالي فإن التوجه نحو الاعتماد علي قروض البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي أو أي جهة تمويلية خارجية أخري سيكون موقف السودان التفاوضي فيها ضعيف جدا ومقدرته علي فرض شروطه معدومة تماما وستفرض تلك الجهات شروطها القاسية دون أدني شك. مما يؤدي إلي مزيد من تدهور الأوضاع الإقتصادية وتفاقم معاناة الشعب. وبالتالي لابد من إتخاذ بعض الخطوات والإجراءات علي الصعيد الداخلي أولا: بهدف الاعتماد أولا علي الموارد الذاتية وثانيا: لتحسين وتقوية المركز الائتماني للسودان وإزالة كل المخاطر المذكورة سابقا لتقوية موقف السودان التفاوضي لضمان الحصول علي قروض ميسرة حقيقية (إذا دعي الأمر لذلك) وفق الشروط التي يضعها السودان وتتفق مع متطلبات البناء والتنمية وتصب في مصلحة الشعب وليس العكس.

ثالثا: إذا بحثنا في تجارب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مع العديد من دول العالم النامي التي خضعت لوصفتيهما المعروفة المتمثلة في إلغاء الرقابة على الصرف الأجنبي، تخفیض الانفاق الحكومي العام وزیادة الضرائب، تقدیم الخدمات للمواطنین بسعرھا الحقیقي أي إلغاء الدعم الحكومي في مجالات البترول والغذاء والصحة والتعلیم، تصفیة القطاع العام، تخفیض قیمة العملة المحلیة، سنجد وبعد صعوبة شديدة جدا وبحث مضني، دول قليلة جدا لا تتعدي عدد الأصابع استفادت علي المدي القصير ولكنها تدهورت علي المديين المتوسط والطويل. فلم يُكتب لتجارب البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مع دول العالم الثالث نجاح يُذكر مقارنة بالنجاح الذي حققته الدول التي أدارت ظهرها لهما واعتمدت علي مواردها وطاقاتها الذاتية البشرية والطبيعية واللوجستسية، الأمر الذي يضع الكثير من علامات الاستفهام والتعجب حول حقيقة دور هاتين المؤسستين، ويثير الشكوك المشروعة حول ما إذا كانت تعمل لتحقيق الأهداف والمبادئ التي أُعلنت في مؤتمر بريتون وودز عام 1944م عقب الحرب العالمية الثانية والذي شكل تاريخ ميلاد البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وصارت ميثاقًا لهما فيما بعد، وعلي رأس تلك الأهداف والمبادئ (مساعدة الدول النامية في إفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية على صياغة مناهج تفضي إلى تنمية مستدامة). بل وعلي العكس كانت تجاربهما كارثية مع معظم تلك البلدان لو لم يكن كلها. فالمؤسستين كما يقول مهاتير محمد عندما سُئِل عن ما إذا كان الاقتراض من صندوق النقد هو المسار الأسلم للبناء الاقتصادي لدولة مِصر كان جوابه (رأيي معروف في هذا الأمر، فأنا أنصح دائما بعدم الاقتراض، وأن يتم اللجوء إلي البدائل الداخلية. أنا لا أحب سياسة الاقتراض، خاصة أن المُقتَرِض يَخضع للمُقرِض، فصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ليسا مؤسستين عالميتين بمعني الكلمة، ولكنهما يخضعان لسيطرة وهيمنة عدة دول فقط، ومن ثم فإن توجههما يصب لخدمة مصالح تلك الدول). (راجع: الفارون من الجحيم ،،، أبرز تجارب الدول التي نجحت بعد رفضها إملاءات صندوق النقد، موقع ساس، العالم والإقتصاد، 5 أبريل 2018م متوفر علي الرابط https://www.sasapost.com/successful-countries-fled-the-international-monetary-fund/).

والمتمعن في واقع إقتصاد مِصر اليوم بعد مرور ثلاثة سنوات من تاريخ حصولها علي الشريحة الأولي بقيمة 2.75 مليار دولار في نوفمبر 2016م وعلي الدفعة الأخيرة بقيمة 2 مليار دولار في يوليو 2019م من قرض صندوق النقد الدولي البالغ 12 مليار دولار، ويلاحظ ارتفاع معدلات البطالة وانخفاض قيمة الجنيه المصري، وارتفاع الديون الخارجية وفوائدها من 48 مليار دولار عند توقيع الإتفاق علي القرض عام 2016م إلي حوالي 106.2 مليار دولار عام 2019م حسب بيانات البنك المركزي المصري، بالإضافة إلي خفض الدعم علي السلع الرئيسية وزيادة أسعار المحروقات وتزايد معدلات الفقر من 27% إلي حوالي 35%، يدرك تماما حجم الكوارث التي تحدق بأي دولة تقع في أحضان صندوق النقد والبنك الدوليين.

وعلي العكس تماما فعقب الآثار الكارثية لأزمة النمور الأسيوية عام 1997م علي ماليزيا وتايلاند وإندونيسيا والفلبين وكوريا الجنوبية رفضت ماليزيا في عهد مهاتير محمد قبول مساعدات صندوق النقد الدولي المشروطة بتنفيذ سلسلة من الإصلاحات ضمن ما يعرف (ببرنامج التكيف الهيكلي) بينما قبلتها تايلاند وإندونيسيا. وطبقت ماليزيا سياسة مالية معاكسة لبرنامج التكيف الهيكلي اعتمدت علي مواردها الذاتية فاستطاعت تجاوز أزمتها المالية والاقتصادية في زمن وجيز ونجحت في تعزيز عملتها (الرينجت) والخروج بأقل الخسائر ولتصبح أحد أكبر الإقتصاديات المستقرة في العالم مقارنة بدول أخرى مثل الفلبين وكوريا الجنوبية واندونيسيا وتايلاند التي لا تزال تعاني من الآثار السالبة لوقوعها في أحضان صندوق النقد الدولي.

وحتي تجربة السودان نفسه مع صندوق النقد الدولي تمثل أكبر دليل علي فشل سياسات الصندوق مع دول العالم الثالث. فمنذ انضمام السودان لصندوق النقد الدولي في سبتمبر 1957م كان أول تعامل مع الصندوق عبارة عن تعاون فني فقط خلال فترة تأسيس بنك السودان المركزي استعان بموجبه النظام في بدايات عهد ديكتاتورية عبود العسكرية ببعض الخبراء من بنك الإحتياطي الفدرالي الأمريكي وصندوق النقد الدولي لإعداد دراسة لإنشاء بنك السودان المركزي تم علي أساسها إصدار قانون بنك السودان المركزي لعام 1959م. والتعاون الثاني كان أيضا تعاونا فنيا عام 1963م حيث استفادت فيه حكومة عبود العسكرية من استشارات ومساعدات الصندوق الفنية لتعديل الخطة العشرية للأعوام 1961م – 1971م.

أما التعاون الثالث فقد كان عبارة عن تسهيل تمويلي تعويضي عام 1965م لأول حكومة منتخبة بعد ثورة أكتوبر 1964م. وقرض التمويل التعويضي هو أحد أنواع القروض التي يمنحها صندوق النقد الدولي لمدد قصيرة للبلدان التي تمر بأزمة طارئة في ميزان المدفوعات نتيجة لإنخفاض حصيلة الصادرات أو أنخفاض الإنتاج أو زيادة الواردات. ولقد لجأ السودان لهذا القرض قصير الأجل نسبة لإنخفاض أسعار القطن عالميا خلال تلك الفترة مما أدي إلي بعض الإختلال في ميزان المدفوعات. ودخلت نفس الحكومة في برنامج تركيز إقتصادي مع الصندوق خلال الفترات 66/67 و 67/68 و 68/69 م ولكن لم يكتمل تنفيذه وأوقف السحب منه في مارس1969 م. وقد كان الهدف منه إحداث توازن داخلي خلال ثلاثة مراحل قصيرة الأجل حيث اشترط الصندوق أن يلتزم بنك السودان بدفع الفائدة على السندات والقروض الممنوحة للبنوك التجارية بالإضافة إلي تحديد سقوف ائتمانية محددة للقطاعين العام والخاص من القطاع المصرفي لا يتم تجاوزها. وقد كان إجمالي القرض 12 مليون دولار تم سحب 7.5 مليون دولار حتي عام 1968م ثم توقف القرض نسبة لتجاوز سقف الإئتمان المحدد للقطاع العام من القطاع المصرفي الحدود المسموح بها (عثمان إبراهيم، الاقتصاد السوداني، الطبعة الثانية، المؤسسة العامة للطباعة والنشر، أم درمان، مارس1998 م، تمت الإشارة إليه من قبل نجلاء يوسف محمد السيد، الأبعاد الإقتصادية لعلاقة صندوق النقد الدولي مع السودان، بحث تكميلي لنيل درجة الماجستير في العلاقات الدولية، جامعة الخرطوم، كلية الاقتصاد والدراسات الاجتماعية، قسم العلوم السياسية، فبراير 2003م).

أما التعاون الفعلي مع صندوق النقد الدولي فقد تم عام 1978م بعد أن تم التوقيع علي ما سُمِي تاريخيا بالمصالحة الوطنية عام 1977م بعد أن تدهورت الأوضاع الاقتصادية نتيجة لسياسة التحرير والإنفتاح الاقتصادي وتشجيع القطاع الخاص المحلي والأجنبي والإسلامي الذي تبنَّهاه النظام المايوي والذي أدخل الإقتصاد في أزمات هيكلية حادة تمثلت في تدهور القطاعات الإنتاجية وانتشار الفساد وتزايد معدلات الفقر والبطالة وارتفاع معدلات التضخم وتزايد حجم الدين المحلي والخارجي وتزايد الإنفاق الجاري علي الدولة وأجهزتها المترهلة وعلي الدفاع وعلي أجهزة الأمن والقمع. وقد دفعت تلك الأزمات بالنظام الديكتاتوري المايوي للوقوع في أحضان صندوق النقد الدولي للحفاظ علي بقائه في السلطة والخضوع التام لوصفته المعروفة المتمثلة في رفع الدعم عن السلع الرئيسية، تحرير العملة المحلية وتخفيض قيمتها، تحرير الاقتصاد والتجارة وتشجيع القطاع الخاص، وزيادة الضرائب، وخفض الإنفاق علي الخدمات الرئيسية وغيرها من الشروط القاسية علي الشعب. فقد كان عام 1978م نقطة تحول خطيرة في تاريخ السودان الاقتصادي تدهورت بعدها قيمة الجنيه خلال الفترة 1979م – 1989م بحوالي 3611%، وتدهور المستوي المعيشي نتيجة لتدهور متوسط الدخل الحقيقي للمواطنين بسبب الخضوع التام لشروط الصندوق وبرنامج الإصلاح الهيكلي حيث انخفضت نسبة القروض الميسرة التي كان يحصل عليها السودان من موقع الاستقلالية والقوة التفاوضية من 63.2% إلي 11.8% خلال الفترتين 1978م – 1981م و 1982م – 1984م علي التوالي بينما زادت نسبة القروض القاسية الممنوحة من صندوق النقد الدولي لتصل إلي 88.8% من إجمالي القروض خلال نفس الفترات. ويوجد شبه إجماع من كثير من الإقتصاديين الذين تناولوا علاقة الصندوق بالسودان خلال تلك الفترة بأن فترة نهاية السبعينات وحقبة الثمانينات تميزت بالتبعية الكاملة لصندوق النقد الدولي وسيطرته الكاملة علي مفاصل الاقتصاد السوداني. علما بأن سیطرة الصندوق على مفاصل الاقتصاد السوداني قد صاحبھا تحالف لصيق مع البنك الدولي. ھذا التحالف فشل فشلاً ذریعاً في انتشال السودان من أزمته الاقتصادیة. ولیس ذلك فحسب بل یمكن القول أن التفاقم الحقيقي لأزمات السودان الاقتصادیة قد بدأت بالفعل بعد أن تولى صندوق النقد الدولي الإدارة المباشرة الفعلية للاقتصاد السوداني عام ١٩٧٨م وفرض شروطه وبرامجه التي أبعدت الدولة تماما عن لعب الدور الرئيسي والمفصلي في إدارة الاقتصاد الوطني (محمد يونس الصائغ، دور المنظمات الحكومية في علاج مشاكل القروض الخارجية، مجلة الرافدين للحقوق، المجلد (١٢)، العدد (٤٤)، العام 2010م).

وللتأكيد على فشل الصندوق في ادارة الاقتصاد السوداني ودفعه الى حافة الإنهيار والتدهور الهيكلي الشامل فيما يلي مقارنة بين بعض المؤشرات الاقتصادیة المتعارف عليها في فترة ما قبل تولي الصندوق لإدارة الاقتصاد السوداني قبل عام 1978م، وفترة ما بعد تدخل الصندوق بعد عام 1978م:

 جدول رقم (1)

مؤشرات فشل صندوق النقد الدولي في ادارة الأقتصاد السوداني

 

المؤشر الإقتصادي

الفترة 1970م - 1978م

الفترة 1978م - 1983م

معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي

6.6%

-0.7%

متوسط العجز الجاري في ميزان المدفوعات

278.3 ملیون دولار

833.2 ملیون دولار

متوسط العجز في ميزان المدفوعات / الناتج المحلي الإجمالي

4.7%

10.6%

معدل النمو السنوي في الصادرات

10%

4.4%

كمية الصادر من القطن طويل التيلة

649 الف بالة

359 الف بالة

كمية الصادر من القطن بكل أنواعه

813 ألف بالة

645 ألف بالة

حجم الديون الخارجية

396 ملیون دولار

9 بلیون دولار

خدمة الدين / الصادرات

13.7%

102.0%

 

المصدر: مؤلف الدكتور على عبدالقادر علي، من التبعية للتبعية، صندوق النقد الدولي و الاقتصاد السوداني، دار المستقبل العربي، الطبعة الأولى 1990م، ص 34 – 35 (تم الإشارة إليه من قبل محمد يونس الصائغ، دور المنظمات الحكومية في علاج مشاكل القروض الخارجية، مجلة الرافدين للحقوق، المجلد (١٢)، العدد (٤٤)، العام 2010م، ص 348)

ومن خلال الجدول يتبين حجم التدهور والإنهيار للإقتصاد السوداني تحت الإدارة المباشرة لصندوق النقد الدولي بالتعاون مع البنك الدولي. فمتوسط العجز في ميزان المدفوعات زاد من 278 مليون دولار إلي 833 مليون دولار أي ثلاثة أضعاف تقريبا، وزادت نسبته إلي الناتج المحلي الإجمالي من 4.7% إلي 10.6%. وانخفضت نسبة نمو الصادرات بأكثر من النصف وذلك من 10% إلي 4.4%، وزادت نسبة خدمة الدين إلي الصادرات بشكل خطير من 13.7% إلي 102% خلال فترتي المقارنة. كما زادت الديون الخارجية من 396 مليون دولار قبل التعامل مع الصندوق إلي 9 مليار دولار بعد التعامل مع الصندوق.

ونتيجة لهذا التدهور المريع فقد بدأ السودان في التعثر عن سداد أقساط الدين في بداية الثمانينات برغم الإتفاق مع الصندوق علي ستة اتفاقيات جدولة خلال الفترة 1978-1985م (محمد يونس الصائغ، 2010، مرجع سبق ذكره).

وخلال فترة حكومة انتفاضة مارس/أبريل1985 م بدأ السودان بقيادة الدكتور عوض عبد المجيد وزير مالية الانتفاضة مفاوضات مع الصندوق بهدف جدولة المديونية والدخول مع الصندوق في برنامج للإصلاح الهيكلي. ولكن الصندوق اشترط علي السودان تخفيض سعر الصرف، وتحرير الأسعار، وتخفيض معدل نمو الكتلة النقدي، والاستدانة من الجهاز المصرفي، كشروط للدخول معه في برنامج الإصلاح الهيكلي ولكن وزير المالية الدكتور عوض عبد المجيد رفض القبول بهذه الشروط وعندما سعت جهات أخري الضغط عليه للقبول تقدم باستقالته.

وقد تدهورت علاقة الصندوق مع السودان في أوائل الثمانينات عندما أصبح السودان غير قادرا على سداد أقساط الديون في مواعيد استحقاقها ولم يكن لديه الاستعداد لبرامج إعادة جدولة جديدة خاصة وأن العام 1983م شهد إلغاء التعامل بسعر الفائدة وتحول النظام المصرفي للعمل بموجب عقود الصيرفة الإسلامية. ولذك فقد بدأ صندوق النقد الدولي في تطبيق سياسة الضغط علي السودان لإجباره لسداد ديونه فاتخذ التدابير التالية (Lodewyk Erasmus, IMF Resident Representative Khartoum, The IMF and Sudan, 24 March 2015):

  1. في عام 1986م قرر أن السودان غير مؤهل لاستخدام موارد الصندوق.
  2. في عام 1990م تم إعلان عدم التعاون مع السودان.
  3. في عام 1993م قرر تعليق حقوق التصويت للسودان.
  4. في عام 1994م تم عمل شكوى ضد السودان من العضو المنتدب (الانسحاب الإجباري).
  5. في أعقاب التدهور الحاد في الاقتصاد بسبب السياسات الاقتصادية غير المستدامة، وبسعي نظام الإنقاذ لاستعادة التعاون مع صندوق النقد الدولي، اتفقت حكومة السودان مع الصندوق في نهاية عام 1996م على برنامج للتكيف الهيكلي يراقبه موظفو الصندوق وهو اتفاق غير رسمي بين السلطات وموظفي صندوق النقد الدولي لمراقبة تنفيذ برنامج اقتصادي تم تصميمه من قبل حكومة السودان الهدف الرئيسي منه هو تنفيذ شروط الصندوق تمهيدا للحصول علي قروض منه. ويقتصر دور الصندوق في سياق تنفيذ البرنامج في تقديم المساعدات التقنية والفنية فقط ولا يمنح أي تمويل للسودان.
  6. وفي عام 1999م نتيجة لتعاون حكومة الإنقاذ مع الصندوق واحراز تقدم في تنفيذ شروطه قرر المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي رفع إعلان عدم التعاون مع السودان.
  7. وفي عام 2000م قرر استعادة حقوق التصويت للسودان.
  8. وقرر أيضا أنه سيتم الانتهاء من إزالة آخر إجراء متبقي (عدم أهلية الاقتراض) عندما يقوم السودان بتسديد متأخراته إلى الصندوق والبالغة حتي تاريخ اليوم حوالي 1.8 مليار دولار.

(pdf انقر هنا لتنزيل المقال )

 

 تابعنا على

للاشتراك في وتس اب أخبار الحركة الجماهيرية احفظ الرقم 00249122970890 وأرسل عليه جملة ( اشتراك ب الوتس اب ).