مداخلة من د.عطا البطحاني

الاخ العزيز دكتور النور حمد،

مرة أخرى، أرجو أن تسمح لي بالتعليق على ما جاء في مقالك " نخبٌ مُعتلَّةٌ يصعب تعافيها " في يوم 11 مايو 2020. 

أتجاوز عن التعميم الذى ورد في السطور الاولى بالإشارة الى " أثبتت النخب السياسية السودانية، مرارًا وتكرارا، أنها لا تتعلم من تجاربها". أظنك تتفق معي أنه لا يمكن الجمع بين الاستاذ عبدالخالق محجوب والاستاذ محمود محمد طه من جهة وبين السياسيين الذين أشرت اليهم في مقالك من جهة أخرى. لكن هذا موضوع أخر وله ميقات آخر.

 ما أود التعليق عليه هو ما جاء في السطور الاخيرة "فروح الثورة التي أفعمت الصدور، لم يظهر لها أثرٌ ملموس على الواقع المتردي. كل شيءٍ يشير، حتى الآن، إلى أن رحلة هذه الثورة، لا تزال طويلة، وأن أمدًا لا يزال يفصل بيننا وبين بروز قياداتٍ، ثوريةٍ، تقود تحولاً ديموقراطيًا، حقيقيًا".

النموذج الكلاسيكي للثورات يقول بضرورة وجود قيادة ثورية. مثلا يرى ليون تروتسكى ان الحركات الجماهيرية حتى وان كانت متوحدة حول العداء للنظام المتسلط كالحالة عندنا في ثورة ديسمبر 2018، ستنتهى الى الفشل ان لم يكن لها هدف واضح ووسائل محددة للنضال، وقيادة واعية، أكرر "قيادة واعية". على النقيض من ذلك يرى كارن روس ان الجماهير في هذا العصر هي التي تقود. أنظر كتابه "الثورة بلا قيادت: كيف سيبادر الناس العاديون الى تولى السلطة وتغيير السياسة في القرن الواحد والعشرين".

وفى محاول للمقاربة بين تروتسكى وروس والحالة عندنا، أظنك تتفق معي ان التشكيلة الاجتماعية تتسم بكثير من التعقيد الاثني، الإقليمي، المناطقى، والديني، واللغوي مع تداخل وتقاطع الهجين الاجتماعي – الطبقي، كل ذلك يجعل من الصعب لكتلة واحدة أو مجموعة واحدة اياً كان تصنيفنا لها اثنيا، اقليميا، طبقيا، سياسيا، ايديولوجيا، ان تحتكر ادارة العملية السياسية. وحتى في حالة التحالفات والعمل المشترك، دائما تكون هناك فئة او شريحة مهيمنة (بلغة غراميشى) اى قيامها بدور القيادة يلقى قبولاً من أطراف التحالف، ولا تفرض نفوذها بالسيطرة (أقرب مثال حزب المؤتمر الوطني الأفريقي مع حلفائه في جنوب افريقيا).

وعودة الى واقعنا، الذى وصفه مقالك بالتشرذم - السؤال على من تقع ادارة التحالفات واجراء التسويات والتنازلات بين الكتل السياسية للوصول الى قاسم مشترك أعظم. التحالفات ضرورية بحكم تعقيد التركيبة وايضا بحكم موازين القوة الجبرية التي اعاقت عملية تعميق مجرى التغيير. ونعلم ان تعميق مجرى الثورة سيبعد حلفاء مصالحهم لا تذهب بعيداً في اعادة ترتيب بنية السلطة السياسية وجهاز الدولة (لدى مداخلة مؤجلة مع دكتور الباقر العفيف والاستاذ السر سيد أحمد حول هذا الامر). تعميق مجرى الثورة يهدد اطراف في المؤسسة السياسية وقد يدفعهم  هذا للعمل مع انصار النظام الانقاذى المرتبطين معهم بوشائج اجتماعية وفكرية. ومصلحة هؤلاء العمل على تكرار سيناريو اكتوبر 1964، وأبريل 1985 ، وتكرار هذا السيناريو يشكل ردة وخيانة لدم الشهداء.

اذن ما العمل؟

التحدي الذى يواجه قيادات الثورة (قيادات وليس قيادة)، هل ستشحذ خبرتها النضالية لتكوين تحالفات تتجاوز بها اخطاء كتوبر 1964، وأبريل 1985 وتعمل على ايجاد المعادلة، وترتيب القطع المتناثرة في كل واحد منتظم حسب قانون الثورة كما يرى تروتسكى، أم ترك الامر للجماهير حسب قول كارن روس؟ أم هل ستفاجئ قوى الثورة غير المؤدلجة نخب المؤسسة السياسية بأطرافها المتعددة  بسيناريو غير متوقع – تماما كما بهرت العالم؟ أم ستجد فيزياء السياسة سانحة لها فتقلب الموازين فجأة؟

نقلا عن صحيفة التيار

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+