ما عـاد الـصـمـت مـمكـنا (3)

هل يعقل أن يكـون الجيـش الـوطـنى دولـة إسـتعمارية تستـبيح الـوطـن؟

وحـتمية الفشـل الـكارثى لكل النـظــم العســكرية! (الجزء الأول)

البروفيسور عبدالرحمن إبراهيم محمد

طال صبرى على هذا المقال فى إنتظار الزمان المناسب لطرح هذه الأفكار من أجل الوطن ومساره ومستقبله وما يعتوره من مشاكل وما يتهدده من أعاصير وأنواء تترصده. وهو فى ذلك مثله مثل كبير عدد من الدول النامية. وهى أمور معقدة صارت معلوماتها من المسكوت عنه. وأنا حين أفعل ذلك لا أبغى تشفيا فى القوات المسلحة. ففى معالجتى التحليلية هذه لا أريد بأى حال من الأحوال أن أنتقص أو أثير الشبهات حول وطنية الأغلب الأعم من رجالات الجيش السودانى ضباطا وجنودا. ولكن هذا البحث بمثابة صيحة إيقاظ وجرس إنذار، أو قل تنبيه، عسى أن يرى الأشاوس فى السودان والعسكر فى بقية الدول النامية ما أورثته مؤسساتهم للأوطان، التى يفخرون بأنهم حماتها، ولكنها فى واقع الامر دمرتها ومزقتها وصادرت أحلاما مشروعة لأجيال من بنيها في النماء والتطور والرفاهية.

مدخل عام

مشكلة العسكر عموما، وخاصة فى السودان، انهم لا يتفكرون فى أمر الجيش من الزوايا التحليلية التى يتناولها الباحث المتخصص. فالتناول غير الموضوعي يغيّب عن أذهانهم أبعادا لا يتدبرونها، ليس لقصور منهم. ولكن لأنهم يعيشون أدوارا روتينية وواقعا معتادا عليه فيصعب عليهم تحليله بنظرة نقدية. فالذى يعيش فى حالة عقلية بإقتناع دون نقاشها ولو مع النفس يغيب عنه النظر بحيادية إلى موسسته أو دورها. فتمضى الأيام والسنون فى روتينية مستدامة لا تحليل ولا تفكير أو تأمل فيها؛ فتنتفى بذلك إمكانية التفكير فى أى إحتمالات وعى بديلة تخالف قناعاته تلك. وهى الحالة التى أحسن وصفها فيلسوفا علم النفس الإجتماعى ساندرا وديرل بم، فيما أسمياه بـ"أيدولوجية اللاوعى" الناجمة عن الممارسات الروتينية المترسبة فى اللاوعى. فيتكيف فى ذلك الإطار ويعيش الدور بكل مسلماته دون تفكير نقدى فى الأبعاد المنطقية لدوره ذاك أو دور مؤسسته وكنهها. فيكون تماما كالسمكة التى تعيش وتسبح دون أدنى وعى منها بأن بيئتها مائية إلى أن يتم أخراجها منها فيتضح لها الواقع الذى كانت تعيش فيه. أو كالشخص الذى إعتاد تناول ثلاث ملاعق من السكر يظل يستعملها أوتوماتيكيا بلا تفكر فى الأضرار الناجمة عنها حتى يفاجأ بالطبيب ينبهه بأنه مصاب بداء السكرى.

وهنا يجئ دور المتخصصين فى دراسة المجتمعات الإنسانية ليساعدوا فى فهم صحيح للواقع وملابساته بكل النزاهة والتجرد فيمهدوا بذلك لبناء مجتمع يعرف كل فرد فيه دوره الحقيقى والمفاهيم التى تحكمه دونما مجاملات أو نفاق أو تمويه. فمصائر الشعوب والأمم لا يمكن أن تسمح بذلك. بل بإبداء الرأى مجردا وبكل الصراحة، غض النظر عن إستحسان أو غضب المعنيين بالنقد.

وقد أمضيت سبعة أعوام كاملات أدرس بتمعن واقع الدول المسماة بالنامية فى القارة الإفريقية والآسيوية واللاتن أميريكية؛ لأنى كنت أبحث جديا عن الإجابة على سؤالى الفرضى: "لماذا تتخلف الدول النامية بل تتدهور بدلا عن أن تتقدم"؟ وساعدنى فى وضوح الرؤيا بعض وكلاء وزارات ومدراء من الدول النامية من المتدربين فى زمالة برنامج هيوبرت همفرى لتنمية وتطوير قدرات القيادات الحكومية والمؤسسات بجامعة بوسطن. إضافة إلى رؤوساء جمهوريات ودول إفريقية سابقين من الذين يقضون عاما فى برامج "مركز الرؤساء الأفارقة والإرشيف الرئاسى" بجامعة بوسطن. وعليه فأن كل ما أكتب هنا يعتمد على دراية بتعقيدات الواقع وتفاصيله ممن عاشوا التجارب عمليا وشكلوها فى بلدانهم، ولا يقتصر على النظريات والعلوم المجردة فقط. بل بتقييم الممارسات على ضوء النظريات وبالتالى تعديل النظريات نفسها لتوائم الواقع. فكانت النتيجة أن تشكلت علي ماتقدم من تجارب ونماذج في الحكم قناعات قطعية وراسخة تعزز بلوغ ذات المصير اذا سلكت نفس المسار.

باعتبار حساسية وتشعب مضمون البحث رأيت تناول أمر الجيش فى السودان بمنهجية ضرورية. وعليه فسينقسم هذا الموضوع فى ثلاثة أطر. أولها: تاريخ عام لقيام الجيوش فى الدول النامية وأهدافها، وحتمية الفشل الكارثى للأنظمة العسكرية فيها. وثانيها: مفهوم الإستعمار وممارساته فيما قبل الأستقلال، لأن الفرضية التى ينبنى عليها هذا التحليل تبين إستمرارية الدولة الإستعمارية وإستنساخها بحذافيرها فى واقع الدول النامية. فلم يكن الإستقلال إلا أعلاما ترفع وسلامات جمهورية تعزف؛ فى حين أن دولاب عمل الدولة فى مؤسساتها يظل يسير كما سار من قبل وبلا إنقطاع بنفس الممارسات الإستعمارية التى لا ترعى لا الشعوب ولا ألأوطان. وثالث الأطر هو تتبع الدلائل المفصلية التى تتطابق أو تحيد عن مفاهيم وممارسات الجيوش فى الدول النامية كما تم على أيدى رجالات القوات المسلحة السودانية.

الجيوش فى الدول النامية:

ليس في مقدور أي باحث جاد أن ينفي حقيقة أن كل الجيوش فى الدول النامية إما بناها المستعمرون مباشرة أو أعان في بنائها خبراء من الدول الإستعمارية والإمبريالية الغربية. وعليه نتساءل : لماذا تم بناء تلك الجيوش؟

الأجابة يسيرة وإن كانت لا تخلو من تعقيد . فحين تمددت حدود الدول الإستعمارية فيما عرف بالتدافع والتصارع التنافسى على المستعمرات صار من الصعب على الدول الإستعمارية إيجاد العدد الكافى من مواطنيها لإدارة كل تلك المستعمرات أو حماية ممتلكاتها فى تلك الدول. فلجأ المستعمرون إلى إنشاء المدارس لا لتعليم المواطنين وترفيع مقدراتهم العقلية، بل لتهيئتهم للمساعدة فى إدارة تلك المستعمرات نيابة عن الدولة المستعمرة. وبالنتيجة، حافظت الدواوين المحلية المنشأة في المستعمرات علي الإبقاء علي ذات الولاء والتفاني لخدمة مصالح الدولة الإستعمارية. وظل الهدف الاستراتيجي علي حاله وهو تسهيل إستغلال ثروات المستعمرات ومصادرها والإستفادة من مزايا موقعها في الجيوبولتيك.

وبما أن الإستعمار عني عمليا قهر إرادة أهل الأرض من الوطنيين المقاومين له، كان من الضرورى إنشاء جيوش تحمى مصالح الدول المستعمرة فى تلك الدول. وبما أن عدد رعايا الدول الإستعمارية في المستعمرات لا يكفى للقتال فى كل تلك الأرجاء الممتدة فضلا عن تفاديهم الخدمة فى أجواء عدائية لهم مما يعرض أغلبهم للقتل، فإستوجب الامر تدريب مواطنين من أهل المستعمرات للقيام بذلك الدور تماما كموظفى الدولة. وعليه صار الدفاع عن الإستعمار مرادفا للدفاع عن الدولة بواسطة من تمت برمجتهم وتدريبهم وقولبتهم على الإيمان بأهمية دورهم الأمنى والقتالى. كل هذا يتم، كما قلنا، باتساق تام مع الولاء للدولة المستعمرة وبسط الامن لصالح مصالحها ولو تطلب ذلك البطش بآهاليهم وتدمير بناهم التحتية بل وإعدامهم. وتطبيقا لمبادئ نظرية " فرق تسد" قامت سياسات الإستعمار علي تفضيل بعض القبائل وعهدت لهم بتلك المهام العقابية لردع بقية القبائل والمواطنين بلا شفقة ولا رحمة ولا تردد. وفي ذات الوقت كان من الضرورى تأليب مشاعر الفرقة والإنقسام والعدوانية تجاه القبائل أو المناطق الأخرى خاصة المتمردة ضد الهيمنة الأستعمارية.

لذلك إتصل التركيز على الأدوار الثلاثية الأساسية التى تنطبق على مهام أى جيش فى العالم وهي تسلسلا : ١- تدمير مقدرات العدو ومنشآته وكل ما يمكنه أن يستفيد منه، ٢- قتل أفراد العدو بإتقان وشراسة ضارية لا رحمة فيها، ٣- المحافظة علي الضبط والربط والطاعة العمياء لكل الأوامر دون نقاش أو إعمال للمنطق. وهنا يتوجب علينا إثارة سؤال إستباقى ضرورى: كيف يجوز عقلا ان نتوقع ممن تمت برمجتهم وأدلجتهم ورهن مهامهم علي التدمير والقتل بطاعة عمياء، أن يقدموا شيئا لبناء الأمم وإحداث التطور والتنمية؟

فقد درج الإستعمار الإنجليزى مثلا علي تخير قيادة قواته في المستعمرات من أبناء الأعيان وزعماء القبائل والعشائر والأثرياء الذين ترتبط مصالحهم به ارتباطا وثيقا لا فكاك منه. وإمعانا فى خلق الفجوة بين موظفى الدولة وعسكرها أيضا تخيروا للموظفين أكثر الطلاب نباهة وذكاءا ما عدا فى مجال التعليم مع الإمعان فى إختيار الراسبين أو الذين لم يمكنهم ذكاءهم الفطرى أو أداءهم الدراسى من التوظف فى الدواوين الحكومية ليعملوا فى التعليم والجيش. فخلقوا بذلك عداءا مستحكما بين العسكر ومن أسموهم بـ"الملكية" مع ضمان إنصياع ذلك النفر الأقل ذكاء لطاعة الأوامر دون نقاش.

وكان أهم تلك المهام التركيز على مبدأ "الأمـن الداخـلى"، الذي أستمر حتى بعد الإستقلال وإلى يومنا هذا فى كل الدول النامية من تقتيل للمواطنين الأبرياء والنساء والأطفال وحرق قراهم ومدنهم. فهذا عين ما فعله نظام صدام بالعراقيين فى الجنوب والأكراد فى الشمال وهو جنس قتل وتدمير نظام عيدى أمين للبقاندا فى يوغندا وما نفذه نظام القذافى فى ليبيا. وتعددت الأمثلة الخاصة بحروب الأبادة مثل التى قام بها الجيش النيجيرى فى مقاطعة بيافرا ضد شعب الإقبو، وأبادوا فيها ما يزيد عن المائة ألف وتبعهم ثلاثة ملايين ماتوا بالجوع والنزوح. اما النموذج الآسيوي فتشهد عليه كمبوديا التى إستمر فيها التقتيل سنينا طوالا وأبيد فيها مليونى مواطن، أى حوالي ربع سكان كمبوديا! وهناك بطش نظام نى وين فى مينامار وقتلهم للآلاف من الروهنجا. وتكرر ذات السيناريو الدموي في امريكا اللاتينية. المثال هناك ما تعرضت له شعوب الآوا فى كولمبيا على يد الجيش الكولمبى، ومذبحة المازوت فى السلفادور فى 11 ديسمبر 1981، ومذابح الجيش البوليفى الأخيرة فى نظام جنين أنيزضد القبائل الأصيلة، والمستمرة إلى الأن منذ شهر نوفمبر من العام الماضى 2019. وبقى لنا ان نضيف أن الجيش فى السودان أباد منذ عام 1955 مازاد عن الثلاثة ملايين فى الجنوب وقتل أكثر من ثلاثمائة ألف فى دارفور مع تهجير ما زاد عن الثلاثة ملايين بين دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وقتل فى كجبار وشمال وشرق البلاد مما شمل فى كل تلك الأرجاء تدمير كامل شامل للمساكن وللبنى التحتية وحرق للمزارع ومصادر المياه. وسنأتى لاحقا لتفصيل كوارث تشيب لها الولدان.

ياتري هل نحتاج للمزيد من الأمثلة للتدليل علي أطروحة الإيديولوجية الثلاثية للجيوش فى الدول النامية القائمة علي "التدمير والقتل بالأوامر"؟

الخلاصة التحليلية تعزز ان أى نظام عسكرى ينتظر دوره في الفشل الكارثى! فلا يمكنه إحداث أى تنمية تذكر كما سنشرح. بل أن مثل ذلك النظام العسكرى يكون دائما وفيا لدورة كأداة تدمير للوطن وتمزيق لبنيته الأساسية بالتركيز على مهمته فى تأمين "الأمن الداخلى"، مما يقود إلى قتل مواطنيه دون رحمة بدعوى أنهم خونة للوطن لمجرد إعتراضهم على السياسات الرعناء لأولئك القادة التى دائما ما يجانبها الصواب، أو لمناداتهم بالحرية كمطلب أساسى للمواطنة. ففى أغلب الأحيان ينعدم إلمام العسكر بمنطق التفكير و الحوار للوصول إلى قرارات صائبة. فهم قد تمت برمجتهم على التدمير والقتل كأولى مهامهم وبلا نقاش بل بطاعة عمياء للأوامر مهما كان خطؤها. لذلك فإن أى إعتراض يعتبر تهديدا "للأمن الداخلى". فبمجرد النظر لكل التجارب العسكرية فى الدول النامية تتبدى أمامنا الحقيقة التى لا لبس فيها ولا غموض.

أما أمر إستحالة التنمية فى ظل نظام عسكرى فهى حقيقة ثابتة. لأن التنمية ليست بناء مصانع أو إمتداد حقول، وبذخ فى إستيراد كماليات لا يستفيد منها الأغلب الأعم من الشعب، ناهيك عما فيها من أضرار صحية وبيئية لا يعلمها إلا المتخصصون فى مجالات الإنماء والتطور والبيئة والتغذية. فعملية التنمية تعتمد على الوعى الممنطق للمواطنين العاملين فى مثل تلك المشاريع والفئات المساعدة فى عملية التنمية. وهى من أساسيات العملية التنموية التى تحتاج إلى نقاشات وتقييم للأهداف والسبل والوسائل والمتاح من المصادر والمطلوب إستكماله وكلها عمليات يحكمها منطق الأخذ والرد. فلا يستقيم أن تصدر الأوامر فتتم التنمية.

فالتنمية عملية معقدة تتكامل فيها معارف ومفاهيم وقدرات لا يمكن لأى عسكرى أن يأمر بها فتكون. فهناك عوامل تسمى بالروابط الخلفية القبلية والروابط الأمامية البعدية. والتى بدونها لا يمكن أن تتم أى تنمية. فالروابط الخلفية تتألف من القدرات العقلية للمخططين الذين يطورون خططهم بناءا على المتاح من المصادر والإمكانيات والمهارات المتوفرة واسس وإمكانية تنمية القدرات لمن سيعملون أو يدعمون عملية التنمية أيا كانت ومصادر الدعم الممكنة وقابلية الواقع لمثل تلك التنمية مما يضمن نجاح تلك المشاريع. أما الروابط الأمامية البعدية فيدخل فيها ما يمكن أن تنجم عنه العمليات التمويلية والتنموية والمساعدة والإنتاج والنواتج وعلاقتها بالواقع المحلى فى إرتباطه بالعالمى فى ربط لمسار التنمية فى تناغم مع التطور العالمى فى المجال المعين. وبمجرد النظر إلى مثال ما حقق نظام القذافى من مبان ومنشآت ومساكن مجانية وعلاج وتعليم، لم تمنع الجماهير الهائجة من قتل القذافى نفسه أبشع مقتل وفشل كل ما حاول بناءه فوقيا ضد إرادة الجماهير أو جهلها بقيمة كل تلك إلإنجازات. وتكفي كدليل الرواية المتداولة في ليبيا عن صدمة إحدي اللجان الشعبية الريفية عندما إكتشفوا قيام سكان إحدي العمارات الجديدة بخلع الأبواب والشبابيك لاستخدامها كحطب لأيقاد نيران للتدفئة في شققهم.

من المعوقات التى تمنع تحقيق أى تقدم فى مجال التنمية تحت النظم العسكرية ما يشار إليه بأنه حقد دفين لدى فئة العسكر لكل المهن العلمية التى تحتاجها عملية التنمية. من أمثلة ذلك إصرار العسكر على وصف المهنيين بـ"الملكية" أو "مدنيين متفلتين" و "ليس عندهم ضبط ولا ربط". هذا الحقد ناجم عن سببين أساسيين. أولهما تميز المهندسين والأطباء والمهنيين والفنيين والإداريين على العسكريين بعد إكمال المرحلة الثانوية وإستيعابهم فى الجامعات والمعاهد العليا التى يحرم منها العسكر لتدني محصولهم الاكاديمي. وعلى الرغم من أن كل فئة لها مجال أدائها الذى يحتاج إلى معرفة أو دراية، يستمر تبخيس العسكر لأولئك العلماء والمهنيين. وفى كثير من الأحيان تشفيا مقصودا، كما تنم عن ذلك اللغة المستخدمة والكلمات الجارحة من أمثلة ما تقدم ذكرها أو تعبير "ملكية دلاقين". وهذه سنة مقصودة إستنها المستعمرون لغرس الإحساس بالتميز لمجرد حمل العسكريين للسلاح، تأكيدا لسلطة القهر. وفى المقابل يصفهم المهنيون بـ"لجهلاء" و"الإغبياء" و"المفترين".
والسبب الثانى لكراهية العسكر للمهنيين هو رفض المتخصصين للأوامر الصادرة لهم من عسكريين عندما لا يقابلها منطق مايؤدونه من وظائف متخصصة تحتاج للمعرفة والتقييم الفني المحض وليس الإنصياع للأوامر الخاطئة التي لاسند لها إلا في التراتيبية العسكرية وموجبات الضبط والربط. فالعسكر بطبيعة تكوينهم يمارسون القيادة بالأهداف فى حين أن المهنيين والعلماء يفكرون إستراتيجيا فى ماهى تبعات تحقيق تلك الأهداف وما التداعيات الناجمة عنها. ففى حين يرى العسكريون المهنيين كمعوقين، ينظر المهنيون إلى العسكر بأنهم جهلاء وأغبياء ومتهورون. فيزداد بذلك الشعور المتبادل بالغبن. وبما أن العسكر لديهم قوة القهر فإنهم يفسرون كل إعتراض، حتى لو كان منطقيا، على أنه تعويق أو تحد لسلطاتهم. وفي ظروف الطوارئ يمكن ان يعتبروا عدم الانصياع للأوامر وعدم التنفيذ كخيانة تستوجب القتل والسجن والفصل التعسفى من الخدمة. فتتجذر بذلك القناعات بأن لا مجال لتقديم أى عمل مهنى أو تخصصى فى مثل تلك الأجواء. خاصة حينما يعمد العسكر للإعتقالات الجزافية والتعذيب الممنهج، حتى الموت أحيانا. فيلجأ اهم مكونات الكوادر القادرة على الإبحار فى تعقيدات العمليات التنموية والمشاريع إلى مغادرة البلاد إلى بلاد الغرب التى تقدر إمكانياتهم وتجزئ عملهم مكافآت مادية وعينية وعيش رغيد، مع كامل الحرية فى ممارسة مهنهم بلا ترصد أو تخوين أو سجن أو تعذيب.

هذه الاوضاع كرست واقعا جديدا من منظور أنماط الهجرة من بلدان العالم "الثالث" الي دول الغرب. فنجد ان عدد الأطباء والعلماء والمهندسيين وأساتذة الجامعات من المهاجرين يفوقون في أعدادهم المتخصصين من مواطنى تلك الدول المُضيفة، ويشمل ذلك التخصصات النادرة مثل علوم الفضاء والنانو تكنولوجى والجراحات الدقيقة وتقانة الحاسوب والبرمجيات. فمثلا، نجد أن أكبر عدد من العلماء والأطباء والمهندسيين وأخصائيى التقانة واساتذة الجامعات فى الولايات المتحدة وبريطانيا من النيجيريين الذين ضاقت بهم الحياة تحت النظم العسكرية المتتالية. وقس على ذلك الكوادر من بقية الأفارقة والمصرييين والعراقيين والسودانيين والسوريين والجزائريين واليمنيين والتايلانديين والكمبوديين والفلبينيين والباكستانيين والفيتناميين والتشيليين والبرازيليين والأرجنتينيين والنيكراجويين واليوغنديين وكل جنسية حكمها العسكر. ومجرد مثال يظهر مدى إستهتار العسكر بقادة التنمية، قصة الصديق الدكتورإيفان ماميسا، الذى كان أستاذا فى جامعة شيلى وكان له الفضل فى إبتكار وتطوير نظام التعرف الصوتى لأجهزة "الأبل" والذى شاركت مع فريقه فيه، بعد أن كان مقررا إعدامه عشية إنقلاب بيونوشى على الرئيس الشرعى أيندى وأغتياله. فتصور كم من أمثاله قتلوا فى الدول النامية على يد العسكر، وكيف يمكن للعسكر أن يزهقوا بطلقة لا تكلف فلسا روح عالم غير طريقة التعامل مع تكنولوجيا الحاسوب إلى الأبد، وكان سببا فى جنى شركة أبل لمليارات من الدولارات. فهل بعد هذا من عجب أن يثار السؤال: لماذا يتقدم الغرب وتتخلف الدول النامية؟ وما هى مستتبعات الديمقراطية؟ وماهى كوارث النظم العسكرية؟

ونتيجة لتفاجئ النظم العسكرية بكل تلك التعقيدات الضرورية للتنمية التى ذكرناها، وفقدان الثقة فى الخبرات المحلية المتاحة مهما كانت كفاءتها أو عدم الوثوق فيها أمنيا لمجرد إبداء الرأى أو أحجام تلك الكفاءآت الإرتباط بالنظم العسكرية من حيث المبدأ. إضافة إلى فقدان تلك النظم العسكرية الشرعية الوطنية، مما يدفع تلك النظم لأن تجد نفسها مضطرة للحصول على الشرعية الإقليمية أو الدولية، فتعمل على ربط سياستها بالدعم السياسى الخارجى الذى يمكن أن تحصل عليه. إضافة إلى بذل مصادر وثروات الوطن للشركات المتعددة الجنسية أو بيوت الخبرة الأجنبية بحجة التنمية بعد طرد وتهجير وقتل كوادرها الوطنية. فتقع بالتالى فى شراك الدول المستنجد بها والتى تعلم ورطة تلك النظم فتبدأ فى إبتزازها وإحكام حبائلها حولها وتمكن قبضتها منها والسيطرة عليها حتى ينتهى الأمر بتلك النظم أن تكون طائعة عمياء لكل ما تمليه الدول المستجار بها. فيتحول السعى نحو الشرعية إلى تبعية ممعنة بل تصل إلى حد العمالة والخيانة الوطنية، حتى لدول أقل منها شأنا وتاريخا ومهنية وعلما. فيستعين الجاهل بالأجهل. وينتهى الأمر برهن الوطن ومقدراته ومصادر ثرواته لتلك القوى السياسية والإقتصادية الأجنبية.

وفى هذا الإطار نجد كثيرا من الجيوش الوطنية تنشئ علاقات خارجية بدعوى ضرورة التحكم فى عملية الأختيار لأنواع التسلح والتدريب والصيانة. وفى ذلك يتحكم عدد محدد من الرتب العليا فى الجيش فى عقد الصفقات والتى تشير التقارير أنها دائما ما تستصحب رشاوى أو عمولات تدفع لهؤلاء القادة خارج الوطن. وتفيد التقارير أن تلك العلاقة تتطور إلى شراكة ممنهجة لضمان إستمرارية العلاقة والأمدادات حتى تصير كالحصرية. فتتكون شركات خارجية مع حسابات بنكية تورد فيها العمولات والرشاوى والأنصبة من العائد. وهنا تظهر أخطار مثل هذه العلاقات إذ يتم التلاعب بالمواصفات؛ ورفع قيمة الفواتير بإضافة نسب إلى أسعار التكلفة الأصلية ليودع الزائد فى تلك الحسابات. وفى كثير من الحالات يبدأ أولئك القادة فى تصدير أو تهريب المنتجات الوطنية الثمينة. وحينما يتم التصدير بدعوى تمويل تلك الصفقات تكون أسعار هذه المواد الأولية والمكونات الخام الأساسية للتصنيع متدنية للغاية من أسعارها الحقيقية ليتم إيداع فروقات السعر بعد دفعها فى الخارج فى تلك الحسابات المفتوحة خارجيا. وهنا تتجلى الخيانة فى أبشع صورها.

فمن أجل حرمان الوطن والمواطنين من عائدات الصادر من الوطن وبأسعار متدنية، يضيف أولئك القادة ملحا على الجرح بالشراكة مع أجانب ومنحهم نسبا عالية لضمان رعايتهم لحسابات أولئك الجنرالات. أى بمعنى أدق حرمان الوطن والمواطنين من الإستفادة من تلك العائدات وتفضيل الأجانب وبذل تلك الأموال لهم مقابل لا شئ سوى الحفاظ على سرية خيانة أولئك القادة. فيجدها أولئك الأجانب كما يقول التعبير السودانى "يلقوها باردة". والأخطر من ذلك أن أغلب أولئك الجنرالات حينما ينشئون تلك الشركات يتمددون فى الإستثمار فى صناعات ومرافق خدمية لا يستفيد منها الوطن، بل تصدر إلى دول أخرى. أو تباع فى مناطق الأنتاج التحويرى. ففى كثير من الحالات تكون هناك صناعات تحويلية للمواد الخام بدلا من أنشائها داخل الوطن فيستفيد منها المواطنون تشغيلا وترتفع قيمة الصادر عائدا. ولكنها الأنانية والإرتزاق والخيانة والسلطة التى توفرها البندقية.

وتعج ملفات المنظمات العاملة في مجالات الشفافية وحقوق الانسان بقصص عديدة عن مسئولين عسكريين يهربون المعادن النادرة كالسيزيم والكوبالت والسيليكا والليثيم والبوكسايت وعناصرالتربة النادرة، إضافة إلى المعادن النفيسة المعروفة من ماس وفضة وذهب وبلاتين. وغالبا ما تحمل هذه الشحنات فى الطائرات الحربية أو صناديق يشار إليها بأنها قطع غيار مرسلة للصيانة. ولتبيض تلك الأموال يعمد هؤلاء الجنرالات إلى إستيراد كل ما هو غالى الثمن يسير الحمل كالعقاقيرالطبية والمخدرات والمجوهرات الثمينة. وكلها يتم شحنها على النقل الحربى وإنزالها فى المطارات الحربية التى لا تلحقها المتابعة أو التفتيش أو التقييم الجمركى، حيث حمايتها العسكرية كاملة. وقد إتضح أيضا أن هناك من الجنرالات من يتاجر فى الأسلحة والذخائر ويبيعها فى بعض الأحيان للحركات الإنفصالية فى البلد الذى يحاربه فيها نفس الجيش، وما ينجم عن ذلك من إزهاق لأرواح رفقاء السلاح. وتطول القائمة لمثل تلك الخروقات.

وبعد هذا سننتقل إلى الجزء الثانى وهو مضاهاة النظم العسكرية بالإستعمار.

 

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+