انتفاضة شعبية.. إلى أن ينتهي الاحتلال!

عصام مخول

النقاش الذي تثيره خطة الضم في الضفة الغربية والترقب بشأن تنفيذ "صفقة القرن"، يهدف الى إشغال الشعب الفلسطيني والرأي العام الاسرائيلي والعالمي بمشروع الضم، لإبعاد الانظار عن القضية الجوهرية - استمرار الاحتلال الاسرائيلي - وما يرافقه من الإيغال في قهر الشعب الفلسطيني وقمعه، وتغوّل مشروع الاستيطان المتواصل للمناطق الفلسطينية والعربية المحتلة منذ 53 عاماَ.

ويجب ان نسجل أمامنا أن صفقة القرن في جوهرها تقوم على إنكار الحقوق القومية المشروعة للشعب الفلسطيني، وعلى التنكر لحقه في العيش حرا ومستقلا في وطنه أسوة بشعوب العالم، بما في ذلك حقه في إقامة دولته المستقلة بجانب اسرائيل في حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية المحتلة.

وتقوم صفقة ترامب نتنياهو على حسم مكانة القدس نهائيا كعاصمة ابدية لدولة الاحتلال، وعلى تبديد قضية اللاجئين الفلسطينيين وعلى محو حق العودة من جدول اعمال المؤسسات الدولية التي أقرته، وعلى إلغاء المؤسسات الدولية المرتبطة بقضية اللاجئين الفلسطينيين، وفي طليعة هذه المؤسسات الوكالة الدولية لغوث اللاجئين الأونروا، التي تتعرض لهجوم ابتزازي شرس للإجهاز عليها نهائيا، خضوعا لحكومة المستوطنين في اسرائيل المدعومة من الادارة الامريكية، وذلك مقدمةً لٍإسقاط قضية اللاجئين نهائيا عن جدول الاعمال، ولمنع نشوء أية فرصة لحل عادل لقضيتهم تستند الى تنفيذ قرارات الامم المتحدة ذات الصلة. وهو موقف يعكس إجماعا قوميا صهيونيا خطيرا.

وبذلك تكون صفقة القرن الاستعمارية قد حسمت الموقف بشأن جميع قضايا الحل النهائي المعلقة منذ ربع قرن، من دون اعتبار لموقف الشعب الفلسطيني ولا لمصالحه وحقوقه القومية التي تضمنها قرارات الشرعية الدولية ومواثيق الامم المتحدة والاتفاقات الموقعة بين اسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية.

وعن طريق دفع خطة الضم الى مقدمة جدول الاعمال، تؤسس المؤسسة الاسرائيلية لنظام الفصل العنصري (الأبرتهايد) بشكل رسمي وعلني، معتبرة أنها باتت قاب قوس وأدنى من حلمها القديم بتصفية القضية الفلسطينية تصفية نهائية، وحصر النقاش بشأنها بين خيار الضم الجزئي المتدرِّج والمتدحرج وخيار الضم الكامل والصاخب للمناطق المصنّفة بمناطق (سي) في الضفة الغربية والقدس العربية المحتلة، بين خيار نتنياهو بإعلان الضم بما يخدم التوقيت السياسي والقضائي الذي يتخبط فيه ، وخيار الاعلان عن الضم وفق التوقيت السياسي الامريكي، المحكوم بهموم الرئيس ترامب وتعثر معركته الانتخابية.

وبالرغم من الوضع الخانق الذي يعيشه الفلسطينيون، فإن هذا الشعب الذي راكم التضحيات الكبيرة على مدى أكثر من قرن من الزمن، يرفض الوقوع في الفخ الذي نصب له، والانشغال في تحسين شروط تنفيذ مشروع الضم، بدلا من مقاومة الاحتلال، كما ترغب وتتوقع منه قوى عديدة في اسرائيل من داخل الائتلاف الحاكم ومن داخل المعارضة سواء بسواء.

نقلة استراتيجية مطلوبة فلسطينياَ

في هذا السياق، تضع خطة الضم الشعب الفلسطيني وقيادته أمام مسؤولية تاريخية تفرض عليه بالضرورة انتهاج خطوتين نوعيتين من شأنهما إحداث تحول استراتيجي يحسّن وضع الشعب الفلسطيني ويخدم قضاياه الوجودية، ويخلق ظروفا أفضل لنضال الفلسطينيين والاسرائيليين في المواجهة مع سياسة الرفض التي تتبعها الدوائر الحاكمة في اسرائيل:

الخطوة الاولى–انهاء الانقسام الفلسطيني وإعادة وحدة الضفة الغربية وغزة سياسياَ وكفاحياَ ونظاما ومشروعا وطنياَ. وليس من باب ان "الصلح سيد الاحكام"، وانما لأن ذلك يشكل منطلقا للمعركة الحاسمة لإنهاء الاحتلال وانتزاع حل سياسي يضع اسرائيل والرأي العام الدولي أمام أحد خيارين لا ثالث لهما : إما دولة فلسطينية مستقلة وغير منقوصة السيادة بجانب اسرائيل في حدود الرابع من حزيران 1967، وإما دولة ديمقراطية واحدة لجميع سكانها تعترف بالمساواة القومية والمدنية، ولا يجوز التلكؤ أكثر في دفع أحد هذين الخيارين، وإلا فإن المشروع الوحيد الذي سيكون مطروحا على الارض هو: إعلان دولة الأبرتهايد وفرضها بقوة الاحتلال ومشروع الهيمنة الامريكية.

وعلينا أن نسجّل أن مواجهة صفقة القرن وإسقاط قرار الضم لن تنجح من دون خلق حالة استراتيجية جديدة، في صلبها عودة قطاع غزة الى الإطار الفلسطيني الوطني وانضواء فصائل المقاومة في إطار الحركة الوطنية الفلسطينية التحررية ومنظمة التحرير الفلسطيني. ويختلف هذا نوعيا واستراتيجيا عن مجرد إطلاق "التهديدات" بتحريك صواريخ فصائل غزة، وتنظيم المسيرات الشعبية في محيط قطاع غزة على أهميتها.

وعلينا هنا أن نقرأ الموقف الاسرائيلي المسنود أمريكيا بدقة، فإسرائيل في طريقها الى إنجاز صفقة القرن لا ترى بقطاع غزة بقيادة حماس في البعد الاستراتيجي، جزءا من المشكلة، وانما ترى به بوابة الحل ومفتاحها السحري، وترى بالانقسام الفلسطيني منذ العام 2006، القاعدة المادية التي بنت عليها مشروعها التاريخي لتبديد قضية الشعب الفلسطيني وطموحاته الوطنية في إطار صفقة القرن. إن مشروع صفقة القرن هو بالكامل مشروع اليمين الاسرائيلي، والذي بدأ تداوله في اسرائيل في العام 2012، وقامت ادارة ترامب بنسخه وإعادة تدويره مع وصول الأخير الى الحكم.

إن حكومة نتنياهو غانتس ليست معنية بالتجاوب مع محاولات استدراجها الى حرب في غزة، الا بمدى ما يكون في ذلك حاجة اسرائيلية لاستدراج حماس الى إغراء لعب الدور الذي تخصصه لها صفقة القرن، فانقسام غزة عن الضفة الغربية في المفهوم الاسرائيلي، تشكل جزءا من الحل الاقليمي، وفي صلبه إقامة دولة فلسطينية وجهتها نحو الجنوب، ومركزها غزة الموسعة تحو سيناء شمال العريش، حيث يتم توطين اللاجئين الفلسطينيين في شمالي سيناء وبناء شبكة إقليمية لسكك الحديد وميناء دولي ومطار دولي كبير على مقاس مشاريع الهيمنة الامبريالية في المنطقة.

تفعيل الثقل الشعبي الفلسطيني

يعدل الخلل في توازن القوة مع الاحتلال!

ليس سراً أن اسرائيل تتفوق على الشعب الفلسطيني عسكريا واقتصاديا وتأثيرا سياسيا، وبالمقابل فإن الزج بثقل الشعب الفلسطيني كاملا في المعركة هو الذي يستطيع ان يعدل توازن القوى وأن يصحح المعادلة لصالح الشعب الفلسطيني.

إن إحداث تغيير استراتيجي في قواعد المواجهة مع الاحتلال يستدعي بالضرورة إطلاق العنان لانتفاضة شعبية فلسطينية واسعة وشاملة في الضفة الغربية والقدس العربية، في الأغوار وفي قطاع غزة، تقود الى مشاركة شعبية عارمة في المواجهة السياسية، يكون هدفها النهائي إنهاء الاحتلال وإسقاط الحصار عن غزة، ودفن مشروع الضم وإعلان الدولة الفلسطينية حتى ولو كانت تحت الاحتلال.

إن مطلب تحديد إنهاء الاحتلال كهدف مُلِح، لا يأتي من باب استباق النضال، ولا ضرب من التمنيات، بل إقرار بالحقيقة التاريخية الثابتة، أن الجماهير الشعبية لم يعد في متناول يدها خيارات أخرى لفتح ثغرة في الأفق المسدود الذي يحاصرها، ومن طبيعة الجماهير أنها لا تخرج الى الميادين بالضغط على الأزرار "النضالية"، ولا تقدم التضحيات من دون اقتناعها بأهداف معركتها وقابلية تحقيقها وإصرارها على نيل حريتها.

إن عظمة الانتفاضة المطلوبة اليوم، كعظمة الانتفاضة الشعبية التاريخية الكبرى في كانون الاول 1987، من شأنها أن تقوم على الجمع بين سعة القاعدة الشعبية الى حدها الأقصى من جهة، وعمق الأهداف الاستراتيجية المحددة لها، والقدرة على تحويل الوضع غير المحمول الذي يئن تحته الشعب الفلسطيني، الى حالة غير محمولة لا تستطيع دولة الاحتلال احتمالها وتحمّل أعبائها.

لقد صهرت الانتفاضة الفلسطينية الكبرى (1987- 1993) وعي كلا الشعبين - شعب دولة الاحتلال، والشعب الواقع تحت الاحتلال -، فحفرت لدى كليهما الوعي بأن الاحتلال الاسرائيلي ككل احتلال، لا يستطيع ان يكون احتلالا متنورا.

وأن الاحتلال المتواصل يقود بالضرورة الى المقاومة المتواصلة مهما غيرت هذه المقاومة من أشكالها وأساليبها.

وأن استمرار الاحتلال ودوامه يؤدي بالضرورة الى تعفن مجتمع المحتلين وفساده وتبهّمه. ورسخّت الانتفاضة الفلسطينية أمام البشرية المتنورة درس الانتفاضة الاول، بأن مقاومة الاحتلال هي حق مشروع للشعب الواقع تحت الاحتلال، وهي واجبه الانساني والوطني الأعلى.

وحددت أن الانتفاضة على الاحتلال تشكل الرد الطبيعي على استراتيجية الرفض، وخلق الوقائع على الارض بالعنف والسلب والحصار وجدار الفصل العنصري وعرقلة الحل السياسي.

وبلورت الانتفاضة الشعبية الفلسطينية الاولى درسها الكوني، بأن الشعب المحتل والشعب الواقع تحت الاحتلال، لا يقاسان أبدا بسلّم القيم نفسه.

إن البعد الأخلاقي الذي تحظى به انتفاضة الشعب الواقع تحت الاحتلال، بما فيها شرعية استعماله جميع وسائل النضال المتاحة لمقاومة الاحتلال والتخلص منه، لا تتوفر ولا يمكن أن تتوفر للقوة المحتلة التي تبحث عن تبرير أخلاقي لممارساتها القمعية تجاه ضحايا احتلالها.

إن أية محاولة لافتراض حالة من التوازي بين دولة الاحتلال والشعب الواقع تحت الاحتلال أيا كان مصدرها، تشكل موضوعيا دعما للمحتل وتستّراً على جرائم الحرب والاحتلال التي يرتكبها.

انتفاضة شعبية فلسطينية

فرصة قوى السلام في اسرائيل أيضا لالتقاط أنفاسها!

في الرد على استراتيجية الرفض الاسرائيلية وعلى فظاظة الغطاء الامريكي الشامل الذي تمنحه الولايات المتحدة لهذه السياسة، تصبح الانتفاضة الشعبية الفلسطينية حاجة موضوعية وذاتية، قادرة أكثر من أي شيء آخر على فتح الأفق المغلق أمام تطلعات الشعب الفلسطيني التحررية وكرامته الوطنية والانسانية.

لقد أثبتت تجربة الشعب الفلسطيني وانتفاضته الشعبية الكبرى التي انفجرت نهاية العام 1987 التي عرفت بالانتفاضة الاولى، أن انغلاق الافق السياسي أمام تحرر الشعب الفلسطيني، لا يمكن ان يكون نهاية الطريق مهما مال توازن القوى لصالح الاحتلال ومهما عَظُم حلفاؤه. فقد زجت الانتفاضة الشعبية بشعب أعزل بكل زخمه وبعمق حضوره على الارض ورسوخه فوقها، كبارا وصغارا، رجالا ونساء، عمالا وتجارا، طلابا وموظفين، فلاحين ومثقفين، شيوخا وأمهات وأطفال، الى الشوارع والميادين وخلف المتاريس وتوفير وسائل الاكتفاء الذاتي، للمجابهة المباشرة مع قوات الاحتلال ومستوطنيه، والاصرار على كنسه وانتزاع حرية الشعب الفلسطيني، وعلى هذه الصخرة بنى الشعب الفلسطيني صموده واكتنز وعيه التحرري الذي لا يفل.

لقد ابرزت الانتفاضة الشعبية الاولى علاقة من التفاعل الطردي بين نهوض نضال الشعب الفلسطيني وتكثيف مقاومته الشعبية بهدف انهاء الاحتلال والتحرر والاستقلال من جهة، وبين انتعاش حركة ديمقراطية حقيقية في اسرائيل تناضل لإنهاء الاحتلال ومن أجل السلام والمساواة المدنية والقومية والتقدم.

أبرزت التجربة التاريخية الكفاحية، أن من شأن انتفاضة شعبية فلسطينية أن تدفع المعركة على تحرر الشعب الفلسطيني من جهة، وأن تخلق في الوقت نفسه ظروفا أفضل للمعركة على تحرر المجتمع الاسرائيلي نفسه من مستنقع الاحتلال، وما يرافق ذلك من عمليات التبهّم والعنصرية، والانزلاق نحو الابرتهايد والفاشية، التي لم تعد في ظل حكم نتنياهو مجرد تهديد أو محض نبوءة سوداء.

إن تطبيع حياة الناس في اسرائيل، كان وسيبقى مرهونا بتوفير حياة طبيعية متحررة يعيشها الشعب الفلسطيني كما تعيشها الشعوب الحرة الكريمة في العالم. إن حرية الشعب في اسرائيل نفسها ورفاهيته واستقلاله الحقيقي ستبقى مرهونة بتحقيق الشعب الفلسطيني لحريته واستقلاله الوطني ورفاهيته. لقد كان كارل ماركس هو الذي رسّخ الوعي الثوري بأن شعبا يستعبد شعبا آخر لن يكون شعبا حرا. وقد دقت ساعة العمل وأزف وقت الانتفاض!

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+