تعليقات في السياسة الداخلية

لم تفلح المزيد من الاجراءات في انقاذ الاقتصاد من الانهيار

أوردت صحيفة الميدان الصادرة في 24 سبتمبر 2013م البيان الذي انتقدت فيه قوى المعارضة الاجراءات الاقتصادية الخاصة بزيادة أسعار المحروقات. واعتبرت خطاب البشير الذي أعلن فيه تلك الزيادات، جاء معبراً عن عمق الأزمة التي يعيشها النظام. واتفقت القوى السياسية المعارضة على أن هناك بدائل عدة لعلاج الأزمة مثل وقف سياسة الحرب ولجم الفساد المستشري المسيطر على كافة أجهزة الدولة، وتقليص الصرف على الأجهزة الأمنية وتقليل الصرف البذخي، وتسخير كل الفوائض إلى الإنتاج الزراعي والحيواني والصناعي. وأن ما قاله رئيس الجمهورية بأن الأزمة قاصرة على رفع الدعم لتغطية عجز الموازنة غير صحيح، فالواقع يقول إن الحكومة أصدرت قراراً قبل أربعة أيام من خطاب البشير يقضي برفع قيمة الدولار الجمركي من 4,4 إلى 5,7 جنيهاً الشيء الذي أدى إلى ارتفاع جنوني في أسعار كافة السلع الضرورية.

وتأكد بالاحصائيات الدامغة أن الحكومة لا تدعم المحروقات بل تربح في كل جالون بنزين 12 جنيهاً وفي كل جالون جازولين 7 جنيهات، وأوضحت الحسابات الحكومية أن عائدات المواد البترولية للخزينة العامة 5,9 مليار جنيهاً، غير أن الصحيح أنها تتراوح بين 6 و 8 مليار جنيه.

وأكد البيان الصادر من الحزب الشيوعي في ذلك الوقت بأن تلك الاجراءات لن تحل أزمة الاقتصاد التي توشك أن تؤدي لانهياره وأنها لن تقف عند حدود عجز الميزانية بل تتعداها إلى انهيار القطاعات الإنتاجية، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، مع عجز في ميزان المدفوعات والميزان التجاري بالاضافة إلى الصرف المتعاظم على أجهزة الأمن والدفاع.

بعد أقل من يومين من إعلان تلك الإجراءات ارتفعت الأسعار بصورة كارثية، إذ ارتفع جالون البنزين ليصل إلى 21 جنيهاً وجالون الجازولين من 8 جنيهات إلى 14 جنيه واسطوانة غاز الطهي من 17 إلى 23 جنيهاً وشملت الزيادة بعد فترة وجيزة جميع  أسعار السلع وفواتير الكهرباء والماء ناهيك عن أسعار جميع السلع الغذائية الضرورية.

الآن تتكرر ذات الاجراءات التي رفضها الشعب في سبتمبر 2013م ودفع ثمن رفضه مئات الشهداء، والجرحى، والمعاقين، والمعتقلين، والمشردين من العمل دون أدنى اعتبار لمظاهراته الاحتجاجية، بل حتى دون الاستفادة من تجارب سياساته الفاشلة التي ادت إلى هذا المنحدر السحيق.

لم يعبأ النظام الطفيلي بهبة الجماهير ضد رفع قيمة الدولار الجمركي من 6,9 إلى 18 جنيهاً وما قادت إليه من تظاهرات شملت جميع ولايات ومدن البلاد ولم يكترث لما جرته من ويلات وخراب بيوت.

فقبل أن يجف مداد الاجراءات المدمرة تلت ترفع في اليومين الماضيين سعر الدولار الرسمي من 18 إلى 31 جنيهاً، مما أدى إلى رفع كافة أسعار السلع إلى أرقام فلكية لم تحدث في كل تاريخ السودان حتى في ظل الاستعمار وكل العهود الديكتاتورية المظلمة. ارتفع سعر جوال القمح من 450 جنيهاً إلى 550 جنيهاً مؤدياً إلى وقف معظم المخابز في البلاد، وطالب أصحاب المخابز بزيادة سعر الرغيفة إلى 1,5جنيهاً، إلا أن الحكومة وفقاً لما قاله أصحاب المخابز حذرتهم من أي زيادة في الأسعار، لكن يمكنهم تقليل وزن الرغيفة!!

والحقت السلطة ذلك الإجراء الذي اتخذ للمرة الثالثة دون أن يؤدي إلى أي تحسن يذكر في الاقتصاد، يطبع 64 ترليون جنيهاً دون أي أي غطاء من السلع أو غيرها، الشيء الذي جعل الكتلة النقدية المتداولة تزيد مئات المرات عن كمية السلع المعروضة، فالتهبت الأسعار مثل النار في الهشيم. في هذا الاجراء أيضاً لم تتعظ الحكومة من تجاربها السابقة  ففي العام 2016م نتيجة لطباعة النقود بلغت الزيادة في الكتلة النقدية 30% وفي العام 2017 ارتفعت إلى 54% الآن فإنها تفوق الـ70% بل فاقت كل الحدود المتعارف عليها ليصل التضخم إلى 137% وهو ما يسمى بالتضخم المنفلت الذي تصعب السيطرة عليه.

واعترفت وزارة المالية بذلك عندما صرحت بأنها طبعت مليارات الجنيهات ولم تستطع أن تحل الأزمة. وأكد عبدالرحمن ضرار وزير الدولة بوزارة المالية أن الحكومة عجزت عن السيطرة على سعر الدولار.

مع ذلك وبالرغم منه فإن الحكومة لن تستطيع مواصلة طباعة النقود إلى مالا نهاية، فطباعة الجنيه الواحد يكلف ثلاثة جنيهات ناهيك عن الآثار الأخرى الفادحة الثمن التي تخلفها طباعة النقود دون غطاء، وبهذا ينسد آخر الخيارات الخاطئة عن قصد لمعالجة الأزمة.

ضاعف من هذا الوضع استمرار وتصاعد الفساد الذي بلغ في العام 2016م 255 مليار جنيهاً متهما المراجع العام 15 شركة رهنية حكومية بعدم تحصيل عائدات استثماراتها، والصرف البذخي الحكومي، والفوارق المهولة في الأجور والمرتبات، واتساع الهوة الشاسعة بين مرتبات الوظائف السيادية المختلفة ومرتبات بقية العاملين الذي يبلغ الحد الأدنى لها 425جنيهاً لم تزد رغم الزيادات المهولة في أسعار ضروريات الحياة، الشيء الذي أدى إلى الغبن الاجتماعي والغضب الطبقي المشروع ضد شريحة طبقة الرأسمالية المتأسلمة.

فشلت كل محاولات الخداع والتضليل وفبركة الأرقام ولم تؤد إلى حل للأزمة الساحقة، فشلت الاجراءات الأمنية الملاحقة لتجار العملة ولم تجد العقوبات التي طبقت على لجم سعر الصرف، كذلك فشلت السيطرة على تهريب السلع المختلفة مما أدى لندرتها وارتفاع سعرها، ولم تسهم القروض والاعانات والمنح في حل الأزمة الطاحنة للاقتصاد الموشك على الانهيار التام.

الأزمة العاصفة تكمن في نظام شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية وسياساتها الاقتصادية المنحازة لقلة من أثرياء الرأسمالية الطفيلية الذين استقطبوا الثروة وسخروها لمصالحهم الخاصة، وصرفها في متعتهم وملذاتهم متوسلين في ذلك لسياسة التحرير الاقتصادي وحرية السوق والخضوع للرأسمالية العالمية ومؤسساتها القابضة مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مقابل ضمان وهمي باستمرار الشريحة الطفيلية في الحكم.

الآن يتأكد لشعب السودان عبر أكثر من ثمانية وعشرين عاماً في السلطة حقيقة أهداف ومرامي الإسلام السياسي واستيلائه القسري على السلطة، وحجم الفشل الذي واجهه برنامجه المخادع والمستتر بالإسلام، تعرى الإسلام السياسي وأفلس حقيقة من أي وسيلة تجعله يستمر في الحكم. لقد انسد أمام سياساته أي أفق للنفاق والخداع وآن له أن يذهب غير مأسوف على نظام دمر الاقتصاد وأفقر الشعب وعرض استقلال البلاد وكرامتها إلى الاذلال والمهانة بجعلها قاعدة استخباراتية وعسكرية ينطلق منها الغدر والخيانة للشعوب الأخرى.

فليتواصل نضال الجماهير باستمرار تظاهراتها وكافة أشكال مقاومتها لاستمرار النظام في الحكم. الآن أتى دور الطبقة العاملة التاريخي في الدفاع عن كرامة الوطن ورفع المعاناة عن شعبه وتتقدم الصفوف متمردة على قياداتها الانتهازية المأجورة كما فعلت في ثورة أكتوبر وانتفاضة مارس أبريل. والمبادرة بتكوين لجان الانتفاضة الشعبية والاضراب السياسي في كل مجالات العمل وفي الأحياء المختلفة، فهي الأداة الفاعلة في تنظيم الجماهير ووحدتها وقيادة نضالها المصمم على مواصلة المظاهرات وكل أشكال الاحتجاج وتصعيدها حتى الإطاحة بالنظام الطفيلي.       

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+