الانقاذ واقتصاد

الجمل ماشي والاقتصاديون الوطنيون ينبحون (١)

حرصت على حضور سمنار تقييم الموازنة الذي نظمه معهد الدراسات الآسيوية والافريقية بقاعة الشارقة في منتصف يناير الماضي، وشارك فيه كل من الخبير الاقتصادي سعيد أبو كمبال والبروف حسن محمد نور ود/ بابكر محمد توم. دافعي للحضور لم يكن سماع المداخلات بقدر ما كان الاستماع لمشاركة الحضور وتعليقات المنصة عليها, وما سيدور من نقاشات لا تقليلا من قيمة المداخلات ومقديميها، ولكن لأن أبو كمبال كان قد بادر أصلا قبل السمنار بنشر مداخلته في المواقع والصحف، وأن البروف قد عودنا علي نشر مشاركاته في أي منبر أو برنامج تلفزيوني وقد فعل بنشر مداخلته في السمنار لاحقا,

وأن مداخلات د/ بابكر لا تخرج من كونها اداء لدور معروف، هذا وبالرغم من انطباعي الايجابي عنه كاقتصادي عندما اتيحت لي فرصة العمل معه في لجنة كان قد كونها المجلس الوطني لمراجعة قانون الاستثمار ابان رئاسته للجنة الاقتصادية في منتصف التسعينات, ولكن يبدو أن الطاعة لتربيته العسكرية والولاء لارتباطه بالحركة الإسلامية والمنافع الشخصية قد كبلت معارفه الاقتصادية وأرائه بخيوط عنكبوتية لا فكاك منها، فدائما ما تكون مداخلاته في تناول القرارات وفي تبريرها للسياسة الاقتصادية الرسمية مشوبة ببعض الحذر والحيطة وتؤثر السلامة والمشي جنب الحيط كما يقولون في مصر .

كلام اقتصادي الانقاذ وخبرائها عموما عن الموازنات والسياسات  الاقتصادية الذي يتردد في المنابر الاقتصادية، وعند عرض الموازنة كل عام أو أي  برنامج اقتصادي آخر  وتنشره الصحف, فغير أنه كلام مكرر فهو فارغ وذلك لأنه يتجاهل أهم وأخطر حقيقة وهي  أن السودان كان دولة مستعمرة لأكثر من نصف قرن لبريطانيا تحت اسم خديوي مصر, وأن اقتصادياته قد تمت صياغتها وفقا للمنهج الرأسمالي والبلاد لم تكن مهيأة له بعد لا كقوى انتاج ولا كعلاقات انتاجية، وذلك بإقامة مشاريع زراعة القطن بهدف التصدير وإقامة كل البنيات الأساسية من خزان ونظام ري وسكك حديدية، واتصالات، وورش وتدريب، وتعليم وتأهيل  ونظم ادارية، وغير ذلك مما هو مطلوب لانتاجه ولقيطه وحلجه وتعبئته  وترحيله الي بورتسودان لنقله بالبواخر إلى بريطانيا، مما شكل القاطرة التي قادت اقتصاديات البلاد واخضع ما عداها من نماذج وأساليب انتاجية ريفية كانت أم معيشية لاسلوب الانتاج والتصدير للسوق الخارجي وربطها بالسوق العالمي تصديرا واستيرادا وتمويلا. ومن ثم فان زرع بذرة نماذج وأساليب الانتاج الراسمالي في رحم نظام ما قبل الراسمالية الذي كان سائدا في البلاد والتي كانت التركية السابقة وحقبة الخليفة عبدالله التعايشي اوضح تمظهر له, قد نتج عنه نظاما اجتماعيا واقتصاديا مشوها، وهل ينتج من تلاقح الحصين والحمير غير البغال ؟؟ مالكم كيف تحكمون ؟. ومن ثم فان خطيئة مناهج وسياسات منظري وطاقم الانقاذ الاقتصادي انها تتعامل مع اقتصاد السودان وكأنه ند للاقتصادات المتقدمة في امريكا واوروبا واليابان وأن الفرق بينه وبين اقتصادات الدول الرأسمالية هو فرق مقدار ودرجة في التقدم لا فرق نوع ودرجة في الكينونة ؟، والفرق كبير وشاسع بين التأخر في المسيرة  والدرب والتخلف ككائن وكظاهرة اجتماعية موضوعية  قائمة بذاتها ولها صفاتها ومواصفاتها. وفي كثير من الأحيان لا يعرف المرء أن يبكي أو يضحك عندما يشاع أن علل السودان لا تتمثل في تدني وتشوه قوى الانتاج وعلاقاته وبنياته الفوقية وفي الفقر بكل مظاهره، ولكن تكمن في التشوهات الاقتصادية والاختلالات الهيكلية، وحيث أن مشاكل اقتصاده تتمظهر في عجوزات كل من الموازنة العامة وموازين التجارة والمدفوعات الشيء الذي ينتج عنه التضخم بسبب الاستدانة من البنك المركزي ولشراء الذهب حاليا بواسطة الحكومة، مما اثر ويؤثر على قيمة النقد الوطني فتتدنى قيمته عبر سعر الصرف مقابل النقد الأجنبي وخاصة العملات القوية، مما أعاق ويعيق تدفق الاستثمارات الأجنبية المطلوبة والتي بدونها لن تتحقق التنمية ناهيك عن استدامتها. والحل هو دائما حاضرا وجاهزا في أدبيات صندوق النقد الدولي ووصفته للتكييف الهيكلي والمطلوب تطبيقها بأسرع ما تيسر  ، خاصة وأن  هدفها الرئيسي  هو تحديد القيمة  الحقيقية للعملة الوطنية وضمان استقرار سعر تبادلها.

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+