الحزب الشيوعي السوداني.

عن تجربة الصراع الفكري في الحزب الشيوعي السوداني

مقدمة:

   عرف حزبنا الصراعات الداخلية والانقسامات منذ تأسيسه عام 1946م، تطور حزبنا وتعرف علي الواقع السوداني وبني استراتيجيته وتكتيكاته وغرس جذوره بين الطبقة العاملة والجماهير الكادحة عبر الصراع الداخلي ضد مختلف الاتجاهات الانتهازية والتخلف والجمود.

 المصدر الأساسي للصراع الداخلي كان الاحاطة البورجوازية الصغيرة في بلد متخلف اجتماعيا واقتصاديا وثقافيا، وفي المراحل الأولي من حياة حزبنا كان الصراع يدور حول الطبيعة الطبقية للحزب وحول استقلاله التنظيمي والفكري والسياسي، وبالتالي حول هويته المستقلة كحزب طبقي يناضل في سبيل الاشتراكية علي أرض السودان. ( انقر للتنزيل نسخة PDF  نسخة DOC )

 وفي المراحل التالية وخاصة في الستينيات من القرن الماضي، تركز الصراع حول التكتيكات: أساليب وأشكال النضال ، التحالفات (وخاصة مع البورجوازية الوطنية)، الدور القيادي للطبقة العاملة ، دور البورجوازية الصغيرة( مدنية وعسكرية) لقيادة الحركة الجماهيرية،..الخ.

*غني عن القول أن هذه الصراعات داخل الحزب كانت انعكاسا ونتاجا للصراع الطبقي والاجتماعي في المجتمع المحيط به، وكانت بشكل أو بآخر وبهذا القدر أو ذاك تعبيرا عن الصراع بين الطبقة العاملة والقوي الطبقية الأخرى، وخاصة البورجوازية الصغيرة الديمقراطية، لاحتلال مواقع الزعامة في الحركة السياسية والجماهيرية.

 كما عبرت هذه الصراعات من جهة أخري عن نزعات البورجوازية الصغيرة داخل الحزب في مواجهة تعرجات الصراع السياسي والاجتماعي وانتقال الطبقات الحاكمة من اسلوب الي آخر في الحكم وما الي ذلك.

 وخلال فترة الستينيات تجلي بوضوح أن قوي خارج الحزب – أجهزة الأمن ودوائر سياسية واجتماعية، بل وحتي دوائر اجنبية – كانت تشارك في توسيع رقعة الصراع الداخلي وتعويق معالجته اضافة الي مناصرة جانب علي آخر بالإشاعات ونقل النميمة وتدمير الكادر وربما بتقديم مساعدات مادية.

 *استفاد حزبنا كثيرا من تجربة الحركة الشيوعية المصرية في معالجة الصراعات الداخلية، وفي عام 1949م كتب عدد من الرفاق العائدين من مصر تقريرا هاما عن تلك التجربة توصلوا فيه الي أن الصراع الداخلي حقيقة طبيعية وموضوعية، وأنه انعكاس ونتاج لما يحيط بالحزب ، وأن من الضروري معالجته بما ينفع تطور الحزب وتقدمه( ربما لم يكن بكل هذا الوضوح ولكن كان هذا اتجاهه الأساسي).

 وخلص التقرير الي ضرورة تجنب ما حدث في مصر : الاستغراق في المناقشة وترك العمل من ناحية، ورفض المناقشة علي أساس أنها تعوق العمل . وأصبح موقف الحزب من الصراعات الداخلية هو: نعمل ونناقش ، ونناقش ونعمل.

* اكدت التجربة أن التكتلات والانقسامات تنشط في حالات الركود والخلل والفوضى في الاوضاع التنظيمية والقيادية في التنظيم، وتفشي حالات خرق الانضباط الحزبي وعدم الالتزام بدستور الحزب، وكثرة "العضوية الهامشية" والتي عادة ما تكون هدفا سهلا للانقساميين والمخربين، اضافة الي لحظات المنعطفات الحرجة في مسار الحزب.

* ولخص حزبنا مبادئ وقواعد الصراع الفكري في المادة  (6): بعنوان "الصراع الفكري" من دستور الحزب المجاز في المؤتمر الخامس علي النحو التالي:

 (الصراع داخل الحزب هو انعكاس لما يجري على النطاق الوطني والعالمي .فالحزب خلال جهده لاستيعاب الواقع ومتغيراته يتعامل مع القوي السياسية والاجتماعية الأخرى ، من طبقات وفئات متصارعة نتيجة لتباين مصالحها ، ويعبر هذا الصراع عن نفسه في مستويات مختلفة بين أعضاء الحزب وهم يقتربون من استيعاب الواقع ومتغيراته ويناضلون لتغييره. ومن هنا قد يأتي تغليب مصالح ورؤى هذه الفئة او تلك الطبقة من الطبقات او الفئات التي يستند عليها الحزب كقاعدة اجتماعية ويدخل في ذلك تعدد القوميات والثقافات والتطور غير المتوازن للبلاد وحدة الصراع السياسي في المنعطفات والأزمات وتواتر النصر والهزيمة والتخلف الاقتصادي والاجتماعي والتركيب الهجين للطبقات والفئات الاجتماعية وثقل وزن تشكيلات ما قبل الرأسمالية . ولهذا فإن إدارة صراع الأفكار داخل الحزب تستهدف أرقى درجة ممكنة من وحدة وحصيلة الممارسة من أجل تطويرها لتصبح أصدق تعبير عن مهام التطور الوطني الديمقراطي واستشراف الأفق الاشتراكي . وتأسيساً على ذلك لابد من وضع معايير لإدارة هذا الصراع .

1-        الصراع الفكري داخل الحزب ضرورة حيوية لا يجوز التغاضي عنه أو تمويهه او قمعه.

2-        يحصر الصراع الفكري في المسائل المبدئية .

3-        كل هيئة يحدث بها خلاف حول قضية معينة ، تحدد نقاط الخلاف وتمنح فرصة كافية لجميع أعضائها لتوضيح مواقفهم ودعم آرائهم بالحجج والبراهين ، كما تحدد فترة زمنية اذا احتاج الأمر يجري بعدها التصويت وتكون نتيجته ملزمة.

4-        عندما تنشأ ضرورة موضوعية لمعالجة وحسم مستجدات أو نزاع حول قضايا بعينها أو إجراء إصلاحات شاملة في عمل الحزب ، تبادر اللجنة المركزية بتنظيم مناقشة عامة وتحدد إطارها العام وضوابط إدارتها وآليات حسمها والفترة الزمنية المناسبة .

5-        حرية إبداء الرأي حول القضايا المطروحة للمناقشة العامة وأي قضايا أخري مكفولة دائماً وفي أي وقت لجميع الأعضاء دون أي قيد .

6-        الرأي أو الموقف الذي لا يحصل على ثقة الأغلبية ليس بالضرورة خطأ أو إنحرافاً ، و الممارسة العملية وحدها هي الكفيلة بإثبات صحة أو عدم صواب ما تم التوصل إليه .

7-        الصراع المسموح به هو فقط المعلوم والمنشور لكل الأعضاء عبر قنوات الحزب وداخل هيئاته و تحظر الأساليب التآمرية و التكتلية) .

  • وليس بالضرورة أن يؤدي كل صراع فكري داخلي الي انقسام طالما التزمت الأقلية برأي الأغلبية ودافعت عن رأيها داخل منابر الحزب الداخلية ،ومع ذلك فقد قاد عدد من الصراعات الداخلية الي انقسامات: أهمها ماجري في:

1 - فبراير 1952م

2 - أغسطس 1964م

3 - سبتمبر 1970م

4 - ومايو 1994م

 

أولا: انقسام  1952م

   ونقصد هنا الصراع الذي قاده عوض عبد الرازق السكرتير السابق للحزب الشيوعي والذي حسمه المؤتمر الثاني للحزب لمصلحة وجود الحزب الشيوعي المستقل.

وترجع جذور الصراع الي عام 1947م، بعد تأسيس الحركة السودانية للتحرر الوطني في اغسطس عام 1946،

أشار عبد الخالق محجوب في كتابه " لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني" الي أن النقد بدأ يبرز منذ تكوين الحلقات الأولي للحركة السودانية للتحرر الوطني عام 1946 لأسلوب عمل أول لجنة مركزية لها ، تلك القيادة التي لم تبرز وجه الحزب المستقل ، واختزلت التعليم الماركسي في بعض النصوص الجامدة ، ولم تدرس أوضاع البلاد من زاوية ماركسية ، ولم تتجه لبناء الحزب وسط الطبقة العاملة ، كما لم يتم وضع لائحة تحدد العلاقة بين اعضاء الحزب وهيئاته ، بل كانت تسود العلاقات الشخصية اكثر من الروابط التنظيمية.

وبدأ النقد يبرز ضد هذا الاتجاه  ، وتواصل الصراع والنقد عام 1947م ليحل المسائل الآتية: - بناء فروع وسط الطبقة العاملة وترقية كادر عمالي وسط القيادة.

- وضع لائحة للحزب.

- اصدار مجلة الكادر(الشيوعي فيما بعد).

- تم تأسيس تنظيمات الطلاب والشباب والنساء.

- اصدار منشورات مستقلة باسم الحزب.

- تصعيد النشاط الجماهيري المستقل ضد الاستعمار والجمعية التشريعية.

- حل مشكلة التحالف مع الرأسمالية الوطنية علي أساس التحالف والصراع.

- الدخول في جبهة الكفاح ضد الجمعية التشريعية وتصعيد النضال ضدها.

وبعد معارك الجمعية التشريعية كان من الممكن أن تحدث قفزة في وضع الحزب، ولكن اسلوب ومنهج عمل اللجنة المركزية بقيادة عوض عبد الرازق لم يكن مساعدا، كما أشار عبد الخالق محجوب، وعاد الاتجاه الذي تمت هزيمته عام 1947م، مرة اخري ، وهو في مضمونه لا يخرج عن الوقوع تحت تأثير الرأسمالية الوطنية وتقييد نشاط الحزب المستقل بحدودها.

 أما التيجاني الطيب فقد أشار في مقال صدر في مجلة "الشيوعي "، العدد (150) ، الي ضيق العمل القيادي وغياب الديمقراطية في الحزب ككل ، وكانت العلاقة بين اللجنة المركزية والمستويات التنظيمية الأولي تنحصر في اصدار القرارات وتنفيذها ولم يكن في الحسبان مناقشة قرارات ل.م ناهيك عن انتقادها وتم اخفاء دور الحزب المستقل، وضعف صلات الحزب بالطبقة العاملة والجماهير الثورية ، سيادة الجمود في دراسة النظرية الماركسية ، شاعت العلاقات العائلية في التنظيم وضرب باللائحة عرض الحائط ، تدهور حياة الحزب الداخلية وانخفاض مستوي التعليم الماركسي فيه ، سياسة خاطئة أدت الي خروج عشرات المثقفين من الحزب ومن بقي اصابه اليأس ، لا خطة للعمل لمواجهة الظروف الجديدة التي نشأت بعد قيام الجمعية التشريعية( التيجاني الطيب، الشيوعي 150).

يواصل التيجاني ويقول: وتحت ضغط الأزمة انبثقت فكرة المؤتمر التداولي الذي انعقد عام 1949م، وجاء كشكل ارقي لتوسيع الديمقراطية ومشاركة الحزب ممثلا في كوادره لمناقشة كل شئون الحزب ومحاسبة اللجنة المركزية عن أدائها.

انجز المؤتمر التداولي عام 1949م، الآتي:

- وضع اسسا ثابتة لتنظيم الحزب في أماكن العمل والسكن، ولبناء رابطتي الطلبة والنساء الشيوعيات ، وتم التخلص من (الاشكال الهرمية) التي استجلبت من الحركة الشيوعية المصرية ، شكل السكرتاريات الحزبية المنفصلة للعمال والطلاب والمثقفين، وانشأت قيادة واحدة لمنطقة العاصمة وصارت الفروع تضم اعضاء الحزب وفقا للتنظيم الجغرافي.

- تم ترسيخ المفهوم الثوري للجبهة الوطنية.

- ادان الاجتماع سياسة عوض عبد الرازق.

- بني الحزب صحافة مستقلة( اللواء الأحمر- الميدان فيما بعد).

- جرت تعديلات في لائحة الحزب تتلاءم مع تطور الحزب وطبقت مبادئها وجري كفاح ضد الانحلال التنظيمي والعلاقات الفردية ليحل محلها الضبط التنظيمي والعلاقات المبدئية.

- عملت اللجنة المركزية لدعم الديمقراطية داخل الحزب فاجرت انتخابات للقادة ( بعد المؤتمر التداولي) وعقد أول مؤتمر للحزب عام 1950م، كما تم نشر قرارات المؤتمر التداولي لأعضاء الحزب في مجلة الكادر لأبداء الرأي حولها( التيجاني، الشيوعي 150).

وبعد ذلك انعقد المؤتمر الأول للحزب في اكتوبر 1950م، وطرحت اللجنة المركزية في ذلك المؤتمر قضايا سياسية وفكرية وتنظيمية أمام المؤتمر لاتخاذ قرارات بشأنها، وكانت تلك أول مرة يحدث فيها ذلك في تاريخ الحزب. كما اجاز المؤتمر لائحة ساهمت في الاستقرار التنظيمي وفي اعلاء مبادئ التنظيم اللينيني ، كما انتخب المؤتمر اللجنة المركزية والتي كانت قبل ذلك كانت عضويتها تكتسب بالتصعيد( أي بقرار منها بضم اعضاء اليها). كما أشار المؤتمر الي ضرورة ربط العمل الفكري بالعمل الجماهيري واستقلال الحزب في نشاطه بين الجماهير واعلان موقفه المستقل في كل المسائل من منابره المختلفة، أى رفض اتجاه عوض عبد الرازق الذي كان يقول بدراسة النظرية اولا، ثم العمل الجماهيري ، علي ان يتواصل نشاط الحزب الشيوعي م داخل الأحزاب الاتحادية. 

وبعد المؤتمر الأول وقع الصراع الفكري الداخلي ،في ظروف هجمة شرسة من السلطة الاستعمارية علي الحريات وعلي الشيوعيين، وكان الرد بفتح المناقشة العامة علي صفحات مجلة الكادر( الشيوعي فيما بعد)، طارحا علي الأعضاء القضايا مدار الصراع وموقف الطرفين منها، وكانت تلك أول مناقشة عامة تفتح في تاريخ الحزب.

     فما هي القضايا التي دار حولها الصراع؟

  أشار التقرير الذي قدمه عوض عبد الرازق الي المؤتمر الثاني للحزب للنقاط التالية:

- الخلاف في الحركة السودانية للتحرر الوطني في جوهره خلاف فكري يدور حول قضايا معينة هي قضية التحالفات مع الأحزاب الأخرى والخلاف حول العلاقة مع مصر، ثم القضية الكبرى وهي الخلاف حول مستقبل الحركة وأوضاع الطبقة العاملة والتنظيم الداخلي للحركة. – حزب الأشقاء هو الحليف الطبيعي للحركة السودانية للتحرر الوطني ، كما يؤكد تقرير عوض عبد الرازق اهمية وجود جبهة واسعة معادية للاستعمار حتي تؤدي تلك المهمة في طريق الكفاح المشترك بين شعبي وادي النيل.

- في النظرية هناك ضرورة لدراسة الماركسية أولا في مصادرها الأصلية ثم ترجمتها، بعد استقطاب افضل العناصر ذات النفوذ والتأثير في المجتمع وصاحبة القدرات الذهنية، بدلا من تصعيد قادة العمال( أمثال الشفيع احمد الشيخ، قاسم امين، ابراهيم زكريا، ..الخ) الي قيادة الحركة وهم في مستوي ماركسي منخفض، وأن مكان القادة العماليين هو بين العمال في عطبرة وليس في القيادة التي تتطلب قادة بارزين في المجتمع ونالوا المزيد من الدراسة النظرية المكثفة.

   - الطبقة العاملة في البلاد مازالت طبقة وليدة تنحصر في الخدمات( سكة حديد، بريد، موانئ، نقل نهري)، وهؤلاء جميعا دورهم مساعد وثانوي فالعمال طبقة ما زالت في طور التكوين ولم يكتمل تطورها ولن يكتمل الا في ظل الثورة الوطنية الديمقراطية التي من مسئولياتها الرئيسية تحقيق بناء صناعي واسع يجعل من العمال طبقة قائدة قادرة علي بناء حزبها الطليعي القوي الذي يسير بها والمجتمع نحو الاشتراكية . أما المزارعون فانهم يطابقون في وعيهم مستوي الانتاج الزراعي، فالزراعة في كل السودان ما زالت زراعة اكتفاءيه موسمية وحتي ارقي اشكالها ( مشروع الجزيرة ومشاريع الاعاشة) لم يتشكل فيها المزارعون كطبقة اجتماعية ذات هموم ومطالب ووعي يؤهلها لتحقيق تحالف العمال والمزارعين .

   - عدم تحويل الحركة السودانية الي حزب شيوعي والتمهل وعدم العجلة والتركيز علي نشر الفكر وترجمته للواقع والتبشير به في المجتمع.

 وخلاصة ما جاء في تقرير عوض عبد الرازق أنه: لم يخرج عن دراسة النظرية اولا ثم التوجه لبناء الحزب وسط العمال والمزارعين، وان يعكف الحزب علي التبشير بالماركسية وترجمتها بدلا من الاستعجال في قيام حزب شيوعي لم تتهيأ ظروف البلاد الموضوعية لقيامه، اضافة الي فقدان الحزب لاستقلاله ويصبح ذيلا للحزب الوطني الاتحادي، لا التحالف معه من مواقع الاستقلال الفكري والسياسي والتنظيمي.

وبعد ذلك انعقد المؤتمر الثاني في 1951م، والذي حسم الصراع الفكري الداخلي في اتجاه دراسة النظرية في ارتباط بالواقع، واستقلال الحزب، وترسيخ المفهوم السليم للتحالف مع الرأسمالية الوطنية، وبعد المؤتمر وقع الانقسام، وقررت اللجنة المركزية فصل المنشقين من الحزب.

  ونلاحظ أن عوض عبد الرازق لم يصبر علي الديمقراطية، ولم يواصل في الحزب ويدافع عن رأيه من داخلة، وهذا في حد ذاته مسلك غير ديمقراطي، اذا لم تقبل الاغلبية رأيك تنقسم وتخرج من الحزب. واسس المنقسمون بعد خروجهم ( الجبهة الوطنية) واصدروا جريدة اسبوعية وساروا علي خط أساسه الهجوم علي الحزب الشيوعي ( التيجاني الطيب : قضايا سودانية العدد الرابع ابريل 1994). ولكن الانقسام فشل في حل المشاكل التي دعا الي حلها، وحدثت انقسامات اميبية داخل الانقسام نفسه، بدأت بمجموعة بدر الدين سليمان، وكما عبر بدر الدين سليمان نفسه في احدي اللقاءات الصحفية أن الانقسامات لاتحل مشكلة ، الاجدي، حل المشاكل من داخل الحزب.

وفشل الانقساميون في ترجمة الكتب الماركسية والتعليم الحزبي ،وفشلوا في تنظيم العمال والمزارعين، والواقع حتي في ترجمة الكتب الماركسية كانت مساهمة عبد الخالق والجنيد علي عمر والوسيلة كانت اكبر من مساهمة مجموعة عوض عبد الرازق، وانزوى الانقسام في ركن من النسيان دون انجاز فكري وسياسي يذكر. وبعد هزيمة انقسام عوض عبد الرازق ترسخ في الحزب الشيوعي مفهوم أن الطريق الوحيد لاستيعاب الماركسية هو بالارتباط بالواقع، فالنظرية ترشد الممارسة والممارسة تغني وتطور النظرية، وكما قال الشاعر الالماني جوته: النظرية رمادية وشجرة الحياة مخضرة دوما.

 

ثانيا:انقسام أغسطس 1964م

    لايمكن معالجة الصراع الفكري في الحزب الشيوعي، الذي انتهي بانقسام اغسطس 1964م، فيما يعرف في ادبيات الحزب الشيوعي السوداني، بانقسام "القيادة الثورية"، بقيادة "احمد شامي" و "يوسف عبد المجيد "، بمعزل عن الصراع الذي دار في الحركة الشيوعية العالمية والانقسام الذي قاده الحزب الشيوعي الصيني داخلها ، وبمعزل عن الفترة التي كان يناضل فيها الحزب الشيوعي السوداني، وهي فترة ديكتاتورية عبود(1958- 1964م). وهي فترة كما هو معروف كان يعمل فيها الحزب في ظروف سرية، وكانت تكتيكات الحزب في تلك الفترة تقوم علي تجميع القوى وتحسين أساليب العمل لكي ما يبقي الحزب الشيوعي قويا، ويقاوم اتجاهات تصفيته، سواء جاءت من مواقع يمينية أو يسارية، لقد طرح الحزب في تلك الفترة قضايا العمل بين الجماهير، ومقاومة اتجاهات العزلة، وتبقي وثيقة (اصلاح الخطأ في العمل بين الجماهير، سبتمبر 1963م) من أهم الوثائق التي اصدرتها اللجنة المركزية في تلك الفترة بهدف تحسين وتطوير أساليب عمل الحزب بين الجماهير ومقاومة اتجاهات العزلة.

    كان خط الحزب في تلك الفترة يقوم علي العمل الصبور بين الجماهير الثورية وعلي اكتشاف الاشكال المناسبة لتنظيمها، بدون النقل الأعمى لتجربة النضال المسلح في الصين ، وعلي اعتبار أن العمل الجماهيري هو الأساس والعمل المسلح مكمل، وثابر الحزب الشيوعي السوداني علي هذا الخط حتى طرح شعار الاضراب السياسي العام في اغسطس 1964، والذي شرحت تفاصيله مجلة الشيوعي العدد 109،(راجع ثورة شعب، اصدار الحزب الشيوعي السوداني 1965م) .

   أشارت دورة اللجنة المركزية ، نوفمبر 1964م الي (عجز الحزب عن مواصلة تنمية الخط السياسي فيما بعد، ولاسيما عندما كان عددا من الكادر القيادي الأساسي في السجن، أدى الي فتح الباب أمام الاتجاهات اليسارية ، وساعدت علي تنمية تلك الاتجاهات الظروف الارهابية القاسية التي مر بها حزبنا عام 1960).(ص،10).

   وقد عبر الاتجاه اليساري عن نفسه كما أشارت وثائق الحزب في تلك الفترة في: عدم التجاوب في خوض انتخابات الحكومة المحلية(كما عبرت رابطة الطلبة الشيوعيين، ومنطقة الشمالية ومنطقة الابيض). اضافة لعدم العمل في النقابات بعد تشريع قانون 1960م للنقابات، والعمل علي أساس قانون 1948م، كبديل لقانون 1960م( كما عبرت قيادة منطقة عطبرة).

 وفي مديرية النيل الأزرق تم اهمال الحزب والطبقة العاملة، وجرى الانسياق وراء المعارك والاضرابات الكثيرة للمزارعين، دون بناء الحزب الذي يضمن قوة واستمرار تلك المعارك.

     كما جرت مناقشة للقضايا المعاصرة التي كانت موجهة في الأساس ضد الأفكار اليسارية في حزبنا وفي الحركة الشيوعية العالمية(ص، 12).

 تواصل الدورة وتقول ( لقد كان طابع هذه الحملة الصبر والتدرج وانها تهدف الي اعادة تعليم كادر الحزب الذي تأثر بالنظريات اليسارية ومنهجها في العمل).ولقد لعبت هذه الحملة دورها . تواصل الدورة وتقول ( وعندما ضيق الخناق على الاتجاه اليساري في الحزب اتجه حاملوه الي حيز العمل الكتلي والتخريبي لوحدة الحزب ، واتخذ زعماؤه الثلاثة ( احمد شامي ويوسف عبد المجيد وعلي عمر) مديرية الخرطوم مسرحا لنشاطهم الانقسامي السري ثم السافر فيما بعد عندما انكشف امرهم ، كما استغلوا علاقتهم الحزبية القديمة بالكادر في بعض المديريات والطوافات التي كلفتهم بها الهيئات القيادية لبث سمومهم ونشر البلبلة بين الأعضاء)(ص، 13).

 تواصل الدورة وتقول ( غير أن الظروف الثورية لم تكن في صالح الانقساميين ، وكانت افكارهم تنهار الواحدة تلو الأخرى في محك النشاط العملي بين الجماهير وبينما كانوا منكبين على وجوههم ناشرين اليأس القاتل عن (عدم امكانية انتصار قضية الشعب بدون الثورة المسلحة)، وأن الاضراب السياسي العام لن ينجح بدون حمل السلاح )، كان الشعب قد حسم أمره وحقق الاضراب السياسي الذي اطاح بالديكتاتورية المسلحة وسجل بذلك انتصاره التاريخي علي اعدائه).

 كما اتخذت اللجنة المركزية في هذا الاجتماع قرارا بإدانة الانقسام بوصفه امتدادا لمحاولات تخريب الحزب و"فركشة" صفوفه وشل تطوره، كما وافقت اللجنة المركزية علي الاجراءات التنظيمية التي اتخذتها السكرتارية المركزية ضد المنقسمين وهى:

-           فصل الزميل المنقسم فضل من عضوية الحزب.

-           فصل الزميل المنقسم رشاد من عضوية الحزب.

-           فصل الزميل يعقوب من عضوية الحزب.

-           اتخاذ موقف من الزميل المنقسم محمود بعد اجراء التحقيق معه.

-           كما وافقت اللجنة المركزية علي الاجراء الذي اتخذته السكرتارية المركزية بالتوجه بنداء لبقية الرفاق الذين انساقوا وراء المنقسمين، ودعوتهم الي تصحيح موقفهم والعودة الي صفوف الحزب.

كما عالجت اللجنة المركزية القضايا المعاصرة التي كانت تواجه الحركة الشيوعية العالمية، في وثيقة منفصلة في القسم الثاني من الدورة. تناولت تلك الوثيقة الخلافات في الحركة الشيوعية العالمية، وانتقدت طرح قيادة الحزب الشيوعي الصيني وخطها الانقسامي في الحركة الشيوعية العالمية، وأن الخلافات ظاهرة طبيعية، وان الحركة الشيوعية العالمية يمكن أن تحافظ علي وحدتها في اطار استقلال كل حزب وتنوعها، ولا يستوجب ذلك الانقسام الذي يضعف القوي المناهضة للاستعمار والاستغلال الرأسمالي في العالم، كما انتقدت طرح القيادة الصينية القائل بأن محتوى العصر هو التناقض بين الشعوب المضطهدة والاستعمار.كما أشارت الي مراعاة الظروف الموضوعية لكل بلد، دون النقل الأعمى لتجارب الآخرين.

  كما أشارت الوثيقة الي أنه: اصبح واضحا – رغم- التستر – ان العناصر اليسارية ترمى الى تكوين حزب مرتبط ادبيا وماديا بالأفكار اليسارية في الحركة الشيوعية العالمية. وتشير الوثيقة الي أن الشيوعيين السودانيين يرفضون هذا الطريق ، فالاستقلال في تكوين الاحزاب الشيوعية وفي معالجتها لقضايا بلدانها شرط هام لتطورها ، أشارت الوثيقة الي أنه برهنت الاحداث في بلادنا وتاريخ الحزب الشيوعي السوداني منذ أن سار في الطريق الثوري عام 1947م، حتى يومنا هذا على أن هذا الاستقلال شرط هام لتطور العمل الثوري . فبين الجماهير يحتل اليوم الحزب الشيوعي مركزا محترما ولا يجرؤ اشد خصومه على اتهامه بتسلم الاوامر.كما اشارت الوثيقة الي أنه على الرغم من الاخطاء التي وقعت فيها الصحافة الرسمية للحزبين السوفيتي والصيني باعتبار نظام عبود يمثل(البورجوازية الوطنية)، وبالرغم من الحفاوة البالغة التي وجدها العسكريون الرجعيون في زيارتهم لبكين واعتبارهم ممثلين للاتجاهات الوطنية في السودان- وقف حزبنا ينتقد تلك الأخطاء واصر علي التطبيق الثوري للماركسية اللينينية على ظروف بلادنا – علي تشديد النضال ضد الحكم الذي لا يمثل مصلحة وطنية ، بل يمثل مصالح رأس المال الاجنبي. وهكذا عشرات الامثلة التي تؤكد أن الاستقلال هو أساس لتطور حزبنا.

*ومن العوامل التي اسهمت في ظهور الانقسام: الخلل في العمل القيادي ، حيث أنه منذ ابريل 1959م وحتي مطلع 1961م، لم تجتمع اللجنة المركزية وسادت الفوضى في العمل القيادي وأساليب الاثارة والمغامرات الانقلابية ، وحلت أساليب العمل الفردي محل الهيئات في المديريات وفي المركز. ومنذ مطلع أغسطس 1961م وبعد خروج الكادر القيادي من السجون، ومع تقديره للدور الذي لعبه الكادر خارج السجن في استمرار كيان الحزب وفي مواجهة التيارات اليسارية ، وتم طرح أمام الحزب الشيوعي مهمة القيادة الجماعية للحزب ومبدأ المركزية الديمقراطية ، فدعت اللجنة المركزية للاجتماع بعد ما يقرب من السنتين من تعطيلها ، واعيد النظر في بناء الهيئات القيادية التي تتبعها بهدف اشراك اكبر عدد ممكن من كادر الحزب في رسم سياسته والتخلص بهذا من المركزية الفرطة والقيادة الفردية، وهكذا تشكلت في الحزب هيئات قيادية متخصصة كالمكتب التنظيمي ومكاتب المالية والدعاية.. الخ.

   كما جرى نضال لدعم مبادئ المركزية الديمقراطية فنشرت اللائحة مرة أخرى وواصل الحزب نضاله ضد الاتجاهات الفردية فجرت الاجتماعات الموسعة لأعضاء الحزب لمناقشة السياسة العامة له، وتمت معالجة اخطاء هضم حقوق الاعضاء في ابداء الرأي والمناقشة وتصفية الحزب بقرارات فردية.كما تم اصلاح الوضع في مديرية الخرطوم ، وتم هزيمة الاتجاهات اليسارية بإحلال العمل الجماعي محل الفردي.كما تمت معالجة الاتجاهات الذاتية التي دفعت الحزب في طريق الاثارة.

الخلاصة:

لقد اكدت تجربة انقسام أغسطس 1964م، أن التناول المستقل للماركسية حسب ظروف وخصائص السودان هو الاجدى بدلا من النقل الأعمى لتجارب الآخرين، وأن العمل وسط الجماهير هو المفتاح للتغيير بدلا عن العزلة وشعاراتها الجوفاء.كما أكدت التجربة أن الانقسام ليس هو الحل ، بل يعقد المشاكل ويعيق تطور الحزب.

 

ثالثا :انقسام سبتمبر 1970م

  *يمكن فهم الصراع الفكري الذي أدي الي انقسام 1970م ونتائجه بالنظر الي خلفيته والظروف التي دار فيها ، والتي تعود الي التحولات التي اعقبت ثورة 21 اكتوبر 1964.

1-  خرج الحزب من الثورة وقد توفرت له امكانات الاشتراك في السلطة وتحوله الي حزب جماهيري يطرق أبواب العمل في مجالات جديدة ومتعددة.

* وكانت الظروف التي اعقبت ثورة اكتوبر نموذجا كلاسيكيا للأسباب التي تقود الي ظهور خلافات حول التكتيك داخل الحزب (والتي عددها لينين دائما): انعطاف أقسام واسعة من الجماهير  الي الحزب ودخولها في صفوفه، ضم كوادر شابة الي القطاع القيادي بما في ذلك ل.م. اشتراك الحزب في الحكومة ودخول نواب منه في البرلمان ومواجهة مسؤولية طرح برامج وحلول عملية للقضايا الوطنية، تغيير الطبقات الحاكمة لتكتيكاتها من الليبرالية الي العنف ثم الي خليط من هذا وذاك.

* طرأت تغييرات علي الأوضاع الاجتماعية لأقسام من كادر الحزب وانتقلوا في حيز الثروة الي فئات الميسورين من السكان (كبار محامين وكبار موظفين ومهنيين ومزارعين في مشروع الجزيرة..الخ).

2-  نتيجة لهذه الظروف يمكن تفسير الارتباك الذي شمل الحزب عندما أشهر اليمين سلاح العنف البدني والقانوني ضد الحزب واستصدر قانونا في الجمعية التأسيسية بحظره في نوفمبر 1965م. وفي جو الارتباك قرر اجتماع موسع ضم اللجنة المركزية وعددا من الكادر القيادي العمل علي بناء حزب واسع تكون نواته الصلبة من الشيوعيين . وكان القرار يعني عمليا حل الحزب الشيوعي القائم. وقد تم تصحيح هذا القرار في اجتماع اللجنة المركزية الذي تم في منتصف عام 1966م ( اتخذت اللجنة المركزية في ذلك الاجتماع قرارا بأغلبية مطلقة بالإبقاء علي الحزب الشيوعي، عدا زميلين هما: فاروق محمد ابراهيم، وشيخ الأمين محمد الأمين). غير أن هذه الفترة علي قصرها الحقت ضررا كبيرا بالحزب في لحظة حاسمة من تطوره.

3- بعد التصحيح بدأ التحضير للمؤتمر الرابع الذي تأخر انعقاده أكثر من عشر سنوات، اذ انعقد في اكتوبر 1967. حقق المؤتمر نجاحا كبيرا في دراسة الواقع الاجتماعي والسياسي السوداني وصياغة تكتيك صحيح وثوري وصياغة خط تنظيمي للحزب. ولكنه فشل في معالجة قضية القيادة. وكان هذا الفشل أحد الأسباب الرئيسية في :

أ- عجز اللجنة المركزية عن مواجهة وقيادة الصراع الداخلي الذي احتدم بعد المؤتمر.

ب- عجز اللجنة المركزية عن تلبية تطلعات الحركة الثورية الي قيادة مقتدرة في ظروف كانت ملائمة لتغييرات كبري.

4-  تبلور الصراع الداخلي أساسا حول قضيتين:

أ-  الموقف من البورجوازية الوطنية كأحدي قوي الجبهة الوطنية الديمقراطية(موقعها الفعلي في التنظيمات السياسية القائمة علما بأنه ليس لها تنظيم مستقل – برنامجنا ازاء مصالحها – ودورها في الحركة السياسية..الخ).

ب-  الموقف من التكتيكات والعقلية الانقلابية.

5- الخلافات داخل الحزب لم تكن محل اهتمام الشيوعيين وحدهم ، بل وأيضا محل اهتمام ومصلحة دوائر خارج الحزب ، ونتجت عن ذلك ضغوط هائلة استهدفت منع الحزب من التحول الي حزب يتصدى لقيادة الجماهير والحركة الثورية كما استهدفت تمزيقه وتصفيته.

6-  مع كل ذلك ينبغي القول أن القوي الماركسية داخل الحزب صارعت وحققت انتصارات كبيرة ووضعت أقدام الحزب علي طريق الخروج من أزمة امتدت منذ نهاية عام 1965م، ولكن قبل أن يرسّخ الحزب أقدامه تماما خارج الأزمة وقع انقلاب 25 مايو 69 الذي قادته شريحة من البورجوازية الصغيرة العسكرية تنتمي الي الفكر الناصري.

 * لعب الانقلاب دورا رئيسيا وخطيرا في تطور الصراع داخل الحزب الشيوعي. أولا: لأن تغييرا في السلطة السياسية وتركيبها الاجتماعي قد حدث بانقلاب وبسهولة وتحت شعارات تقدمية وبرنامج معلن يلتقي في اكثر من نقطة مع البرنامج الوطني الديمقراطي الذي طرحه الحزب. وثانيا: لأن السلطة التي اقامها الانقلاب كانت من البورجوازية الصغيرة في المدن.

 وهكذا دفعة واحدة، وجد ممثلو البورجوازية الصغيرة داخل الحزب وقودا لنظرياتهم.

*          بشكل عام دار الصراع بعد الانقلاب علي المحورين التاليين:

أ‌-          التيار الثوري بقيادة عبد الخالق محجوب ، لخص موقفه في النقاط الأساسية الأتية:

-           ان ما حدث يمثل نقلا للسلطة من ايدي تحالف قوي شبه الاقطاع الطائفي والعشائري الي ايدي البورجوازية الصغيرة والتي هي بمصالحها احدي قوي الجبهة الوطنية الديمقراطية.

-           اذا استطاعت السلطة الجديدة أن تحافظ علي بقائها ، فان ظروفا جديدة تتهيأ لإنجاز مهام التطور الوطني الديمقراطي. لكن ليس لها طريق غير تحقيق المطالب الثورية للجماهير، فاذا ما اختطت طريقا معاديا لتلك المطالب فستلقي الفشل.

-           التطور الوطني الديمقراطي لن يتم الا بالمبادرة الثورية للجماهير وبقيادة الطبقة العاملة – أي أنه يعتمد علي درجة تنظيم الجماهير ومستوي وعيها ومقدرتها الفعلّية علي النضال والوحدة والالتفاف حول مطالبها الأساسية التي تستهدف التغيير الاجتماعي الديمقراطي.

-           مسلك الحزب هو أن يلعب دورا بارزا في دعم السلطة الجديدة وحمايتها من خطر الثورة المضادة، وأن يحتفظ بقدراته علي نقد وكشف مناهج البورجوازية الصغيرة وتطلعاتها غير المؤسسة لتسلم زمام الحركة الثورية، وأن يهتم اهتماما بالغا بنشر الايديولوجية الماركسية بين صفوف الحزب والجماهير الثورية وخاصة الطبقة العاملة وأي تراخ في هذه المهمة يؤدي الي انتشار أفكار الديمقراطيين الثوريين من البورجوازية الصغيرة مما يعد انتكاسة بين الجماهير الثورية.

ب‌-       التيار "اليميني التصفوي" لخص مواقفه في النقاط التالية:

-           ان ماحدث يوم 25 مايو لم يكن انقلابا، وانما كان ثورة. وأنه كانت قد نضجت بالبلاد أزمة ثورية كانت القوي الوحيدة المستعدة لحلها هي مجموعة الضباط والجنود التي قامت بالانقلاب.

-           ان الانقلاب الذي حدث يمكن أن يفجر طاقة الجماهير في عملية ثورية.

-           ان قيادة الانقلاب من الديمقراطيين الثوريين الذين يمكن أن يروضوا الاشتراكية ولا يتوقفوا عند المهام الوطنية الديمقراطية، وأنهم بالفعل يمكن أن يصبحوا بالفعل قيادة للحركة الثورية.

-           ان علي الحزب الشيوعي أن يتحالف مع قادة انقلاب 25 مايو لانجاز المهام الوطنية الديمقراطية والاشتراكية وأن وصفهم بأنهم بورجوازية صغيرة يعوق عملية التحالف هذا ويدمرها.

*   كما أشرنا سابقا، أن جذور الصراع داخل الحزب ترجع الي ما قبل 25/مايو/1969م، بل ترجع جذوره الي فترة تأسيس الحزب الأولي: هل يظل الحزب الشيوعي مستقلا ام يكون جناحا يساريا داخل الأحزاب الاتحادية، وبعد اكتوبر 1964م، ونتيجة لصعوبات الثورة المضادة وخاصة بعد حل الحزب الشيوعي، برز اتجاه لتصفية الحزب بأن يتخذ موقف ذيليا في التحالف مع الحزب الوطني الاتحادي باعتباره حزب الرأسمالية الوطنية، في حين كان تحليل المؤتمر الرابع ان الرأسمالية الوطنية مشتتة داخل حزب الامة والحزب الاتحادي وبقية الاحزاب ومن المهم، الصبر والفرز علي الدراسة في هذا الجانب، ثم كان هناك الانحراف اليميني الذي تم تصحيحه بتكوين الحزب الاشتراكي نتيجة لدمج الحزب الشيوعي مع التيارات الاشتراكية السودانية، أي حل الحزب الشيوعي ودمجه مع قوى اشتراكية اخري، بعد قرار مؤتمر الجريف التداولي عام 1966م.

 وبعد انقلاب 25/مايو/1969م، اتخذ الصراع شكلا جديدا، هل يكون الحزب الشيوعي مستقلا أم يذوب داخل حزب ومؤسسات سلطة البرجوازية الصغيرة، ويتم تكرار تجربة الشيوعيين المصريين، وكل الصراع حول المواقف العملية مثل : الحقوق والحريات الديمقراطية، التأميمات والمصادرة، السلم التعليمي، أحداث الجزيرة أبا، الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ميثاق طرابلس، التنظيم السياسي( حزب واحد أم جبهة). وقررت اللجنة المركزية في اغسطس 1969 فتح مناقشة عامة ، تعرض فيها وجهات النظر المختلفة علي الفروع والأعضاء، ويتم حسم الصراع في مؤتمر تداولي، وبالفعل صدرت وثيقتان: وثيقة عبد الخالق محجوب ووثيقة معاوية ابراهيم وتمت المناقشة في الفروع واعداد مجلة الشيوعي 134، 135، 136،..الخ، وانعقد المؤتمر التداولي في اغسطس 1970م، أى بعد عام من فتح المناقشة العامة. وبعد المداولات كانت النتيجة أن الأغلبية الساحقة لأعضاء المؤتمر التداولي وقفت مع الوجود المستقل للحزب، ورفض ذوبانه داخل حزب السلطة ومؤسساتها، حسب ما جاء في الوثيقة التي صدرت عن المؤتمر التداولي التي اشرنا لها سابقا.

 ولكن الجناح الآخر لم يقبل بقرارات المؤتمر ولم يقبل بالديمقراطية الحزبية، أي الالتزام برأي الاغلبية والتمسك بوحدة الحزب والصراع من داخله للدفاع عن رأيه، فالتجربة العملية هي الكفيلة في النهاية بتأكيد صواب أو خطا هذا الرأي أو ذاك.

 سلك هذا الجناح مسلكا غير ديمقراطي ولجأ الي التآمر، اذ بعد نهاية المؤتمر مباشرة عقد 12 عضوا من اعضاء اللجنة المركزية(مجموع اعضائها 33) اجتماعا سريا عبروا فيه عن رفضهم لقرارات المؤتمر والتكتيكات التي خرج بها، ثم حضروا اجتماع اللجنة المركزية في 26/8/1970م، دون أن يكشفوا عن خططهم، وبعدها نشروا رسالة وقعوا عليها جميعا، وكان ذلك اعلانا رسميا بالانقسام. وتبع ذلك بيان آخر وقع عليه ما يزيد عن الخمسين من بعض كوادر الحزب، وتم عقد اجتماعات في بورتسودان وعطبرة والجزيرة للوقوف ضد قرارات المؤتمر وتبعتها اجتماعات في العاصمة(  قدال: المرجع السابق، ص،55).

 وبذلت اللجنة المركزية جهدا كبيرا لتفادي الانقسام، وفي دورة في اكتوبر 1970، أعلنت اللجنة المركزية عن فشل كل المساعي التي بذلت لتفادي الانقسام، وتوصلت الي أن الجماعة التي وقع افرادها الخطاب خلقوا انقساما كامل الحدود والمعالم، وعليه قررت:

-           فصل قادة الانقسام الموقعين علي خطاب الاثني عشر من عضوية الحزب.

-           فصل العناصر التي اشتركت معهم في الانقسام بتوقيع الخطاب الآخر.

-           أن تطبق كل منظمات الحزب ولجانه اللائحة علي المشتركين في اعمال التكتل.

-           حل لجنة الحزب في الجزيرة والمناقل

(دورة ل.م اكتوبر 1970م).

 من الواضح أن الانقسام كان كبيرا شمل حوالي ثلث اعضاء اللجنة المركزية وبعض الكوادر القيادية واغلب قيادة منطقة الجزيرة والتي تقرر حلها واعادة تسجيلها من جديد.

* أشرنا سابقا الي أن السلطة كانت طرفا في هذا الصراع من خلال تسخير كل امكاناتها لدعم الانقساميين في مخططهم لتصفية الحزب الشيوعي الذي يقف عقبة كأداء أمام السلطة، من خلال كشف اخطائها للجماهير، وبالتالي فشلت مساعي السلطة لهدم القلعة من الداخل. وبعد ذلك ازدادت السلطة شراسة ولجأت لوسائلها التقليدية التي خبرها الحزب الشيوعي وصرعها منذ ديكتاتورية عبود والاحزاب التقليدية، ونظمت السلطة انقلاب 16/نوفمبر/1970م، الذي اسفر عن الوجه اليميني الكالح للسلطة وعن ديكتاتوريتها التي طالما غلفتها بشعارات يسارية، وكانت النكتة الشائعة في الشارع يومها( أن السلطة تؤشر يسارا وتتجه يمينا)، وكان من نتائج انقلاب 16/نوفمبر/1970م، ابعاد ثلاثة من اعضاء مجلس الثورة( بابكر النور، فاروق حمد الله، هاشم العطا)، واعتقل عبد الخالق وعزالدين علي عامر، واختفي الكادر القيادي للحزب تحت الأرض، وهكذا انتقل الصراع من محيط الافكار الي ميدان المواجهة.

 * وشهدت الفترة بين نوفمبر 1970 ومايو 1971م، هجوما مكثفا علي الحزب الشيوعي شنه النميري في عدة مناسبات، من بينها الخطابات التي القاها في استاد الخرطوم في 23/نوفمبر/1970، ثم الخطاب الملتهب في 12/فبراير 1971/والذي حرض فيه علنا علي ضرب الشيوعيين وتمزيق الحزب الشيوعي، وفي ابريل 1971م، اقيم مهرجان في ميدان سباق الخيل بالخرطوم والتي شاركت فيه قوى سياسية رأت أن الوقت قد حان لتصعيد الحملة ضد الحزب الشيوعي الي ذروتها، وفي ذلك المهرجان استنفر الناس لضرب الشيوعيين معيدا للأذهان احداث  1965- 1966م، وبلغ ذلك الهجوم ذروته باعتقال اعداد من كوادر الحزب الشيوعي في مايو  1971، وتقديم اعداد منهم للمحاكمات في العاصمة والاقاليم، وكان ذلك بهدف تعطيل نشاط الحزب في المنظمات الجماهيرية، وقد اتهمت وثائق الحزب الانقساميين بتحريض السلطة علي تلك الاعتقالات) قدال: ص (56)).

   واستمر الهجوم علي الحزب الشيوعي، ورد الحزب علي تلك الحملة ببيانات جماهيرية مثل بيان الحزب الشيوعي في نهاية مايو 1971م والذي عدد فيه جرائم النظام ومآسيه، هكذا تواصلت الحملة، وفي هذه الظروف وقع انقلاب يوليو1971م، وبعد فشل الانقلاب استكمل النميري حملته الصليبية ضد الشيوعيين، بإعدام قادة الحزب الشيوعي من مدنيين وعسكريين وتم اعتقال وتشريد الالاف من الشيوعيين والديمقراطيين ، اضافة للمحاكمات غير العادلة، ولكن الحزب الشيوعي صمد أمام تلك العاصفة وبدأت فترة جديدة في مقاومة النظام مع قوى المعارضة الأخرى، حتي تمت الاطاحة به في انتفاضة مارس ابريل 1985م.

 هكذا أوضحت التجربة أن الصراع الداخلي في الحزب لم يكن معزولا عن الصراع الطبقي الدائر في المجتمع حول أي الطريق يسلك: طريق يميني يفضي للتنمية الرأسمالية ام طريق انجاز الثورة الوطنية الديمقراطية بأفقها الاشتراكي.

 ومهما اختلفت اشكال الصراع، فان المحتوي واحد: الغاء الوجود المستقل للحزب، والهجوم علي مرتكزاته الفكرية(الماركسية)، والهجوم علي منطلقاته الطبقية(التعبير عن مصالح الطبقة العاملة والكادحين)، والهجوم علي كادره القيادي (نلاحظ أن جل وثائق انقسامي 1970، كانت هجوما شخصيا علي الشهيد عبد الخالق محجوب..الخ).

 كما اكدت التجربة أن كل الانقسامات السابقة لم تنجح في ادعائها ببناء حزب جديد ديمقراطي ومتطور، بل اصابها داء الانقسامات الاميبية، كما حدث في انقسام 1952، وانقسام 1970م، ومجموعة حق  1994م، فلا حافظ الانقساميون علي حزبهم ولا بنوا شيئا جديدا يفيد ويوسع من دائرة التقدم والاستنارة.

 كما أن من اهم دروس الصراع الفكري الداخلي هو الا ينكفئ الحزب علي نفسه وينشغل بصراعاته الداخلية، بل يجب الا ينعزل ذلك الصراع عن نشاط الحزب الجماهيري، والذي من خلاله تمتحن صحة الآراء المتصارعة داخل الحزب.

 

 

رابعا: انقسام 1994م

( الخاتم ومجموعته)

  واجه الحزب الشيوعي السوداني بعد انقلاب:30/يونيو/2008م، ظروف معقدة وعصيبة لم يواجهها من قبل:  فمن جهة صعدت ديكتاتورية الجبهة الاسلامية الفاشية للسلطة عن طريق هذا الانقلاب الذي صادر الحقوق والحريات الديمقراطية واشعل حربا دينية، ارتبطت بتطهير عرقي وابادة جماعية في دارفور وبقية المناطق المهمشة في البلاد، واعتقل وشرد وقتل الالاف من المعارضين السياسيين والنقابيين، وتم استهداف الشيوعيين تشريدا واعتقالا وتعذيبا، بهدف تصفية حزبهم واقتلاعهم من الحياة السياسية باعتبارهم العدو اللدود للجبهة الاسلامية.

 ومن جهة ثانية حدث الزلزال الذي غير صورة العالم بعد انهيار التجارب الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق اوروبا.

 كانت ظروفا معقدة وعصيبة مرّ بها الحزب الشيوعي ، والتي كانت منعطفا خطيرا في مسيرته، بحيث تركت اثرها في الاهتزاز الفكري والسياسي لبعض الكادر والاعضاء، وما زال هذا الاهتزاز مستمرا، ويستوجب الصراع ضده بإجلاء كل القضايا الفكرية والسياسية والتنظيمية في منابر الحزب، حتي نتخلص منه.

 وفي ظل تلك الظروف فتحت اللجنة المركزية في اغسطس  1991م، مناقشة عامة، وبدأت تنشر المساهمات في مجلة الشيوعي، وقضايا سودانية التي كانت تصدر في الخارج في التسعينيات من القرن الماضي، واستمرت المناقشة العامة جنبا الي جنب مع نضال الحزب الشيوعي ضد الديكتاتورية ومن اجل الديمقراطية.

 ومما زاد الامور صعوبة وتعقيدا، تزامن ذلك مع خلل في منهج العمل القيادي والذي استمر من بداية الانقلاب وحتي فبراير 1995م، حيث عقدت أول دورة للجنة المركزية بعد الانقلاب، واسهمت تلك الدورة في معالجة ذلك الخلل وتصحيح مسار العمل القيادي، فماهي ابرز معالم ذلك الخلل؟:

1-        أشارت دورة فبراير 1995م، الي ابرز مظاهر ذلك الخلل وهو تهميش اللجنة المركزية التي لم يتم عقد دورة لها لمدة ست سنوات، في حين كان من المفترض عقد دورة مباشرة بعد الانقلاب للنظر في ترتيب العمل القيادي لمواجهة ظروف القمع والارهاب التي فرضها انقلاب يونيو 1989م، وفي غياب اللجنة المركزية تم تكوين سكرتارية مؤقتة بعد الاعتقالات التي تمت لأعضاء السكرتارية، تم تكوين تلك السكرتارية المؤقتة دون التشاور مع اعضاء المركزية، حيث تم تصعيد زملاء لها بطريقة فردية ودون التشاور ايضا مع الهيئات التي يعمل فيها هؤلاء الزملاء، حسب مناهج العمل السليمة، حدث خطأ في تصعيد زملاء من اعضاء اللجنة المركزية لهذه السكرتارية المؤقتة في غياب اللجنة المركزية، وخطأ مركب آخر في تصعيد زملاء ليسوا اعضاء في اللجنة المركزية الي تلك السكرتارية( الخاتم عدلان والحاج وراق). وكان السليم هو عقد دورة للجنة المركزية لانتخاب سكرتارية لمواصلة العمل بشكل منهجي وسليم. وتم انتقاد ذلك المنهج الخاطئ ولصيغة السكرتارية المؤقتة.

2-        الخلل الثاني الذي اشارت له دورة فبراير 1995م، أنه تم فتح المناقشة العامة بعد اخطار اعضاء اللجنة المركزية، ودون أن يتم اجتماع صحيح لها، ودون تحديد اطار عام لها، واصدار موجهات ووثائق من اللجنة المركزية تحدد ضوابطها ومحاورها وفترتها الزمنية، وتم تصحيح ذلك الخلل، عندما كون مركز الحزب لجنة لوضع الاطار العام للمناقشة في نوفمبر 1994م، وقد انجزت تلك اللجنة ذلك التكليف ورفعت الاطار العام للجنة المركزية والتي ناقشته واجازته في دورة ديسمبر 1997م، وتم نشره علي الاعضاء، حدد الاطار العام محاور المناقشة العامة التي تلخصت في:  دروس انهيار التجربة الاشتراكية، الماركسية ومستقبل الفكر الاشتراكي، الحزب (تجديد برنامج الحزب واسمه، ولائحته، التقويم الناقد لمسيرته). وكونت اللجنة المركزية لجان لأعداد مشروع البرنامج ومشروع الدستور ولجنة لتسيير المناقشة العامة، من مهامها اعداد تلخيص ختامي للمناقشة العامة،..الخ

، وكان ذلك خطوة هامة في تصحيح مسار العمل القيادي ومسار المناقشة العامة، وخطوة عملية في التحضير للمؤتمر الخامس.

3-        حدث خلل وهرج ومرج في قضية تكتيكات الحزب لمواجهة النظام، ودار صراع حول ذلك في " السكرتارية المؤقتة "، كان هناك اتجاه "الخاتم عدلان" الرامي لتحويل الحزب الي قوة مسلحة لمواجهة النظام، علما، أن الاساس في نشاطنا العمل الجماهيري والعمل المسلح مكمل، كما تم نشر وثيقة الخاتم في مجلة "الشيوعي(158)"، وناقش كادر الحزب في المركز والمديرية هذه الوثيقة، ولكن كان الخلل عدم نشر هذه المناقشات علي اعضاء الحزب، أي ظل الصراع الفكري محجوبا عن قواعد الحزب، وكان الخلل الاساسي، كما اشرنا سابقا، غياب اللجنة المركزية وعدم رسمها لوجهة عامة لتصعيد النشاط السياسي الجماهيري ضد ديكتاتورية الجبهة الاسلامية، ورسم هذه السياسة بالتشاور مع كادر واعضاء الحزب، وقد ترك ذلك الخلل اثره السلبي علي نشاط الحزب الجماهيري، ونشاطه المستقل. فغابت الخطابات الداخلية ومجلة المنظم، وغير ذلك من الوثائق التي تسهم في رفع القدرات السياسية والفكرية والتنظيمية للأعضاء.

4-        تم تجاوز مناهج العمل السري السليمة، وحدثت ضربات لا مبرر لها سوي الاهمال وعدم التمسك بمناهج العمل السليمة في العمل السري، مثل ضربة "بيت اللاماب "، والتي تم فيها اعتقال كادر من مركز الحزب وقيادة المديرية رغم قرار مركز الحزب بتصفية المنزل، بعد وصول بلاغ بكشف الامن للمنزل.

5-        اختفي عدد كبير من الكادر الجماهيري بعد الانقلاب، رغم الدور الكبير الذي لعبه في مقاومة الانقلاب ، الا انه لم يتم وضع سياسة عامة لتقليل حالات الاختفاء الي اقصي حد، بمعالجة اوضاع هذا الكادر، كما أشارت دورة ل.م فبراير 1995م.

6-        توقف التعليم الحزبي وبناء الحزب بجذب الاعضاء الجدد له، تحت تأثير فهم خاطئ تصفوي للحزب بوقف عملية التجنيد حتي تضع المناقشة العامة اوزارها، وتم عقد سمنار حول "كورس المرشحين "، والذي نشر في مجلة "الشيوعي (160)"، ولكن لم يصدر كورس جديد للمرشحين يأخذ المتغيرات الجديدة في الاعتبار.  وقد تم تصحيح ذلك عام 1996م، حيث تم اعادة تكوين مكتب التعليم الحزبي، وتم وضع محاضرات للمرشحين حول:  متغيرات العصر، والبرنامج واللائحة، وتم عمل مدارس للمناطق والطلبة ومديرية الخرطوم، وعلي ضوء حصيلة التجربة والملاحظات، تم اعداد كورس آخر عام 2003م، يتكون من : البرنامج، اللائحة، متغيرات العصر، المنهج الديالكتيكي، المفهوم المادي للتاريخ، الاقتصاد السياسي ، وانتظم العمل في هذه الجبهة.

  معلوم انه في ظل الفوضى والخلل القيادي، كما اكدت تجربة الحزب، تبرز الاتجاهات الفوضوية والانقسامية، وخاصة في تلك الصعوبات والتعقيدات. ومارس " الخاتم عدلان "أساليب فوضوية في العمل الحزبي لم تواجهها القيادة بحزم، كما أشارت دورة ل.م فبراير 1995م، وتبلور هذا الاتجاه في تيار" يميني تصفوي"، كما برز من وثيقة الخاتم والتي نشرت في مجلة "الشيوعي(157)"، والتي خلص فيها الي: حل الحزب الشيوعي بعد تبني وثيقته، وتكوين حزب جديد، بعد التخلي عن الماركسية ومنطلقات الحزب الشيوعي الطبقية. وبالفعل شرع الخاتم في نشاطه الانقسامي حتي خرج مع وراق وغيرهما وكونوا حركة القوي الجديدة (حق).

 لم تخرج وثيقة الخاتم عدلان عن وثيقتي:عوض عبد الرازق ووثيقة معاوية ابراهيم التي قدمها في الصراع الداخلي في عامي 1951م  و1970م علي التوالي.  وان اختلفت الظروف وظهرت متغيرات جديدة استوجبت تجديد الحزب لا تصفيته، وتطويره ليواكب المتغيرات المحلية والعالمية استنادا الي رصيده ونضاله السابق من اجل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والنضال من اجل انجاز مهام الثورة الوطنية الديمقراطية المتشابكة مع المرحلة الاشتراكية.

 استهدفت وثيقة الخاتم(الشيوعي 157): )) المنطلقات الفكرية للحزب الشيوعي السوداني، الماركسية، وأشار الي أن الماركسية أفل نجمها بانهيار التجربة الاشتراكية في الاتحاد السوفيتي وبلدان شرق أوربا. كما استهدف الخاتم ايضا المنطلقات الطبقية للحزب الشيوعي السوداني تحت ادعاء:  أن نجم الطبقة العاملة قد افل بتأثير الثورة العلمية التقنية، وطرح البديل: (  قوى المثقفين، وكل المنتجين والعلماء بمختلف فئاتهم، وقوى العمال والزراع المرتبطة بالإنتاج، بالإضافة الي الملايين من سكان القطاع التقليدي، بتنظيماتهم الاجتماعية، وانتماءاتهم الاقليمية والقومية، أي انها قوى الشعب كله ) الشيوعي 157)))، وهي صيغة قريبة من صيغة تحالف قوى الشعب العامل التي اعتمدها الاتحاد الاشتراكي السوداني، أيام الدكتاتور نميري.

 كما دعي المرحوم الخاتم الي حزب جديد، حيث أشار( وكما هو واضح، فان هذا الحزب لن يكون حزبا شيوعيا، لأنه لا يتبني موقفا ايديولوجيا متكاملا ازاء الكون، ولا يبشر بمرحلة معينة يتوقف عندها المجتمع البشري، ولا يرمي الي اعادة صياغة المجتمع وفق مخطط نظري شمولي. وهو ليس حزبا اشتراكيا، اذا كانت الاشتراكية هي الملكية العامة لوسائل الانتاج، مفهومة بأنها ملكية الدولة. هو حزب للعدالة) الشيوعي 157، ص(106)).

 والواقع، انه حزب رأسمالي مغلف بالعدالة الاجتماعية، هذا فضلا، عن الفهم الخاطئ أو تشوية المرحلة الشيوعية بأنها:  يتوقف عندها المجتمع البشري، في حين أن ماركس وانجلز كانا يركزان علي أن المرحلة الشيوعية هي بداية التاريخ الحقيقي للبشرية الخالي من كل اشكال الاضطهاد الطبقي والقومي والجنس والاثني..الخ، أي ان المرحلة الشيوعية ليست نهاية التاريخ البشري، اضافة للفصل الخاطئ بين المرحلتين الاشتراكية والشيوعية.

 كما أشار الخاتم الي ضرورة الاسراع بقيام حزب جديد، باسم جديد يتم الاتفاق عليه، وخلص الي ضرورة عقد المؤتمر الخامس بعد عام من اصدار وثيقته، وفي حالة تبني المؤتمر الخامس لتصوره:  يحل الحزب الشيوعي السوداني، وتتكون لجنة تمهيدية، تضم بالإضافة الي الشيوعيين السابقين عناصر ديمقراطية مؤثرة، وشخصيات وطنية مثقفة، ومناضلة، ويراعي تمثيل الأقليات القومية والعرقية لصياغة برنامج الحزب الجديد ولوائحه، اسمه، ونشر وثائقه التأسيسية ( الشيوعي 157 ).

 ولم ينتظر الخاتم المؤتمر الخامس، وبالفعل، كون الخاتم حزبه الجديد والذي تعرض ايضا للانقسامات الاميبية وذهب ادراج الرياح، كغيره من الانقسامات التي تعرض لها الحزب والتي اشرنا لها في مساهمات سابقة (انقسام مجموعة عوض عبد الرازق 1952، وانقسام القيادة الثورية 1964، وانقسام مجموعة معاوية ابراهيم  1970).

 كما طرح د.  فاروق محمد ابراهيم فكرة حل الحزب الشيوعي السوداني، وتكوين حزب اشتراكي جديد، وهي امتداد لما طرحه في مؤتمر الجريف  1966م، ودعا لإعادة الاعتبار لمؤتمر الجريف التداولي، علما، بان اغلبية اللجنة المركزية في اجتماع لها بعد مؤتمر الجريف رفضت حل الحزب(راجع مساهمة فاروق محمد ابراهيم، قضايا سودانية، ابريل 1994م).

 أي أن ما طرح في المناقشة العامة، هي افكار "تصفوية يمينية"  قديمة في قناني جديدة، جوهرها: التخلي عن الماركسية، والتخلي عن المنطلقات الطبقية للحزب( الدفاع عن مصالح الطبقة العاملة والكادحين)، وتكوين حزب رأسمالي التوجه، علما بان تلك الاحزاب موجودة في الساحة السياسية، وأن ما يجرى في الحزب الشيوعي من صراع داخلي هو انعكاس للصراع الطبقي الدائر في المجتمع، ونتيجة للهجمات الناعمة والعنيفة التي تشنها القوي الرأسمالية المعادية للحزب لتغيير هويته الطبقية ومنطلقاته الفكرية.   

7-            علي أن من ايجابيات هذه الفترة صمود اعضاء الحزب وكادره امام اكبر حملة لتصفيته واقتلاعه من الحياة السياسية وفق مخطط الجبهة الاسلامية، وواجه اعضاء الحزب والديمقراطيون وقوي المعارضة الأخرى حملات الاعتقال والتعذيب بصلابة، وتم شن حملة داخلية وعالمية، كان لها الأثر في اغلاق بيوت الاشباح، وفي لجم عصابة الجبهة عن تنفيذ مخططاتها، كما تم تكوين التجمع الوطني الديمقراطي، وتم التوقيع علي ميثاقه في : 21/10/1989م، وكان ذلك ايذانا بتكوين اوسع تحالف من اجل استعادة الديمقراطية والحقوق والحريات الاساسية وتصفية الشمولية، وتم تتويج ذلك بتوقيع ميثاق اسمرا في يونيو 1995م، اضافة للمقاومة الجماهيرية مثل: اضرابات الاطباء وعمال السكة الحديد بعطبرة، وانتفاضات ومظاهرات الطلاب     

 ومقاومتهم لقرار السلطة بتصفية الاعاشة والسكن والقرارات العشوائية حول التعليم العالي، اضافة للمقاومة المسلحة في الجنوب ودارفور والشرق ..الخ.

 وكان تراكم المقاومة الداخلية والضغط الدولي هو الذي ادي لتوقيع اتفاقية نيفاشا في يناير 2005م، التي اوقفت الحرب، وفتحت الطريق لمواصلة النضال من اجل انتزاع التحول الديمقراطي الكامل وتحسين احوال الناس المعيشية والحل الشامل لقضية دارفور وبقية أقاليم السودان، واعادة توحيد البلاد علي اسس طوعية وديمقراطية، ومحاسبة المسئولين عن انتهاكات حقوق الانسان.

 ولاشك أن مواصلة تراكم النضال الجماهيري والضغوط المحلية والعالمية، سوف يؤدي في النهاية الي الانتفاضة والنهوض الجماهيري من اجل التحول الديمقراطي واقتلاع الشمولية من الحياة السياسية.

8-        كما تمت دورة للجنة المركزية في اغسطس 2001م، والتي جاءت كأول دورة بعد انقلاب الجبهة، لتعالج المتغيرات التي حدثت في البلاد، بعد اكتشاف تصدير البترول، واهتمام المجتمع الدولي عن طريق منبر الايقاد لإنهاء الحرب في جنوب السودان، رحبت الدورة بمساعي المجتمع الدولي لإنهاء الحرب والحل السلمي الذي يفضي لتصفية الشمولية واستعادة الديمقراطية والحقوق والحريات الاساسية، كما عالجت ظاهرة المنظمات الطوعية والمتغيرات في تركيب الطبقة العاملة وفي حركة المزارعين وفي التعليم العام والعالي، والمتغيرات في اوضاع المرأة السودانية..الخ.

9-        وفي مضمار التحضير للمؤتمر الخامس:  تمت متابعة وثائقه حتي تم نزولها للأعضاء، ومناقشتها وانتخاب المناديب وانعقاد المؤتمر والذي صدرت وثائقه للأعداء والجماهير، وخرج منه الحزب موحدا في قراراته واسمه ومنهجه الماركسي وطبيعته الطبقية.

  تجربة انقسام مجموعة الخاتم تركت ظلالها السلبية علي العمل القيادي، وبالتالي جاء قرار المؤتمر الخامس بضرورة تقييم هذه التجربة والاستفادة من دروسها والتي تساعد في  الوضوح الفكري والموقف المستقل للحزب، اضافة لتقييم تجربة التجمع الوطني الديمقراطي وتجربة المشاركة في البرلمان كما جاء في قرار المؤتمر الخامس، والتوجه بحزم في اتجاه تصعيد العمل الجماهيري المكثف في اتجاه اسقاط النظام، وقيام حكومة انتقالية تنجز: الحل الشامل لقضية دارفور وبقية أقاليم السودان، وتحقيق التحول الديمقراطي والغاء كل القوانين المقيدة للحريات، وحل قضايا ما بعد الانفصال ،والحل السلمي الديمقراطي لمناطق جنوب كردفان وابيي والنيل الأزرق، والتنمية وتحسين اوضاع الناس المعيشية، واعادة الوحدة الطوعية للوطن، واصدار قرار سياسي بإرجاع المفصولين من المدنيين والعسكريين، وقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية، تصفي الشمولية من الحياة السياسية السودانية.

***********************

خاتمة:

الصراع الفكري ضرورة حيوية لتطور الحزب، وتكون نتائجه مثمرة اذا ما تم وفقا للضوابط التي حددها دستور الحزب التي اشرنا لها في مقدمة هذه المحاضرة. ويمكن تلخيص تجربة الصراع الفكري في النقاط التالية:

-           كل صراع في داخل الحزب ما هو الا انعكاس للصراع الطبقي والاجتماعي الدائر في المجتمع.

-           عادة ما يخرق المنقسمون قرارات المؤتمر ولا يلتزمون برأي الأغلبية، ولا يواصلون الصراع من داخل الحزب حسب دستوره ، ويتباكون علي الديمقراطية الضائعة في الحزب كمدخل لنشر الفوضى التنظيمية وتقويض مبادئ الديمقراطية في الحزب التي كرسها الدستور ، ويقررون تكوين حزب جديد يزعمون أنه سيكون أكثر ديمقراطية وانفتاحا من الحزب الشيوعي، ولكن كما أكدت التجربة لا تستمر هذه الأحزاب وتتعرض لانقسامات "اميبية" ، وفي النهاية تذوب في زوايا النسيان، فلا هم حافظوا علي وحدة حزبهم وعملوا علي اصلاحه بصبر من الداخل ولا بنوا شيئا جديدا يفيد جماهير شعبنا.

-           نلاحظ أن الانقسامات كانت تتم في لحظات الانعطاف الحرجة في مسار الحزب والتحولات في الاوضاع الداخلية والعالمية مثل: التحول نحو الاستقلال عام 1952م، " انقسام 1952". والصراع السوفيتي – الصيني في الحركة الشيوعية العالمية، " انقسام  1964م" وانقلاب 25 مايو 1969م " انقسام 1970  "انهيار التجربة الاشتراكية في بداية تسعينيات القرن الماضي، " انقسام  1994م".

-           تحديد قضايا الصراع من قبل اللجنة المركزية أو الهيئة الحزبية المعينة وكشفها لعضوية الحزب حسب الدستور وفتح مناقشة عامة حولها بموضوعية وبصبر ودون الاستجابة للاستفزازات، واتاحة الفرصة لكل وجهات النظر للتعبير عن رأيها بحرية كاملة، وفي نهاية فترة المناقشة يتم عقد المؤتمر أو الآلية المقترحة لحسم الصراع ، ويكون رأي الأغلبية هو السائد مع التزام الأقلية برأي الأغلبية، والاحتفاظ برأيها والتعبير عنه في قنوات الحزب الداخلية.

-           قيادة الصراع الداخلي بحكمة، وعدم اللجوء الي الاجراءات التنظيمية الا بعد الكشف والشرح والتوضيح ، والا تحل الاجراءات التنظيمية محل الصراع الداخلي، وبعد حسم الصراع لا تتردد القيادة في اتخاذ الاجراءات التنظيمية مع المنقسمين والمخربين.

-           مهم جدا الاهتمام باستقرار فرع الحزب وانتظام عضويته بحضور الاجتماعات وتسديد الاشتراكات ومتابعة تنفيذ التكليفات ودراسة وثائق الحزب، والاسراع في توصيل الخارجين من الفرع والقادمين اليه، واستيعاب المرشحين بعد فترة الترشيح، وحسم العضوية "الهامشية"، التي "تحوم" حول الفرع ولا تحضر الاجتماعات وتسدد الاشتراكات، لأن هذه العضوية دائما ما تكون هدفا سهلا للعناصر المخربة والمنقسمة.

-           أثناء المناقشة العامة لا يتوقف نشاط الحزب الجماهيري، لأنه في بوتقة النشاط الجماهيري يتم فضح الأفكار الخاطئة لا وسط الحزب وحسب ، بل وسط الجماهير ايضا.

*****************

المصادر والمراجع:

أولا: وثائق الحزب الشيوعي:

1-        التقرير السياسي المجاز في المؤتمر الخامس، يناير 2009م.

2-        دستور الحزب المجاز في المؤتمر الخامس، يناير 2009م.

3-      التقرير السياسي المجاز في المؤتمر السادس يوليو 2016م

4-      دستور الحزب المجاز في المؤتمر السادس يوليو 2016م.

5-        الماركسية وقضايا الثورة السودانية، طبعة دار الوسيلة 1987م.

6-        ثورة شعب ، اصدار الحزب الشيوعي 1965م.

7-        اليسار السوداني في عشرة أعوام، اعداد محمد سليمان 1971م.

8-        دورة اللجنة المركزية، 14/11/1964م.

9-        رأي اللجنة المركزية حول الوضع في الصين، يناير 1967م.

10-      دورة اللجنة المركزية، فبراير 1995م.

11-      دورة اللجنة المركزية، ديسمبر 1997م.

12-      دورة اللجنة المركزية ، أغسطس 2001م.

13-      مجلة الشيوعي الأعداد: 150، 152، 153،154 ( وردت فيها مذكرات قادة مؤسسين للحزب: التجاني الطيب، ابراهيم زكريا، الجزولي سعيد، صلاح مازري، فاروق محمد ابراهيم، خالدة زاهر، عباس علي،...الخ).

14-      الشيوعي العدد 119، 10/7/1964م.

15-      الشيوعي العدد 120  ، 31/ 12/ 1964م.

16-      الشيوعي العدد 122، 27/ 4 / 1965م.

16-      الشيوعي العدد 124، سبتمبر 1965م.

17-      مجلة الشيوعي 157 ، مساهمة الخاتم عدلان " لقد حانت لحظة التغيير".

18-      مجلة الشيوعي العدد 160.

19-      تقرير عوض عبد الرازق لمؤتمر الحركة السودانية للتحرر الوطني 1951م.

ثانيا: كتب:

1-        عبد الخالق محجوب: لمحات من تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، دار الوسيلة 1987م.

2-        محمد سعيد القدال: معالم في تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، دار الفارابي بيروت 1999م.

3-        تاج السر عثمان: تقييم نقدي لتجربة الحزب الشيوعي السوداني، دار عزة 2008م.

4-        فؤاد مطر: الحزب الشيوعي نحروه أم انتحر؟، بيروت أغسطس 1971م، " يحتوي علي وثائق انقسام  1970م ".