من الذي يحرك الشارع السوداني "الخبز، أم المعارضة"

بقلم/ فرانسيس مايكل قوانق

للسودان تاريخ كبير في افريقيا، فيما يتعلق بالانتفاضة الشعبية، احتجاجا على حكومات عسكرية بسبب ارتفاع الاسعار اوغيره، حيث اطاح الشعب السوداني بإثنين من الأنظمة العسكرية، نظام الرئيس عبود عام 1964، ونظام الرئيس جعفر النميري 1985.

 إقتباس "كل إنقلاب يبدأ مشرقا وينتهي مظلما، ويبدو مخلصا وينكشف أنانيًّا، ويلفظ باسم الشعب ثم ما يلبث أن يلفظ الشعب نفسه". مصطفى السباعي، كتاب "علمتني الحياة"

سقط أول نظام عسكري بعد إسبوعين من انتفاضة الشعب حيث اعلن الفريق عبود تنحيه عن السلطة وتشكيل حكومة انتقالية برئاسة سر الختم الخليفة، سميت بحكومة جبهة الهيئات، تلتها سقوط نظام جعفر النميري في أبريل 1985 إثر انتفاضة شعبية عرفت بإنتفاضة أبريل، وقف الجيش بجانب الشعب، بقيادة الراحل الفريق عبدالرحمن ثوار الذهب. وتعد الثورة الشعبية في السودان الذي اطاحت بنظام عبود هي الاولى في افريقيا، تطيح بحكم عسكري، بعد اول انقلاب قام به عبودى سنة 1958، وقام بحل الاحزاب السياسية وعلق الدستور، هذا التاريخ الطويل من الانقلابات العسكرية والانتفاضات الشعبية حققت بعضها اهدافها  وفشلت بعضها في تحقيق اهدافها تقود التى تحريك الشارع السوداني مجدداً ضد نظام الانقاذ الحاكم لثلاثين عاماً.

في محاولة لسؤال من الذي يحرك الشارع السوداني، ومن هو البديل بعد سقوط الإنقاذ، نجد أن منذ ان إندلعت الاحتجاجات الشعبية في السودان نهاية العام الماضي،  والذي بداءت من احتجاجات الخبز والوقود ، ثم الى ثورة شعبية تطالب برحيل نظام الحاكم منذ العام 1989، في وقت يعد هذه التظاهرات هي الأعنف من نوعها بسبب الازمة الاقتصادية منذ تولي الانقاذ الحكم بمساعدة الإسلامين.

فكل من يراقب الشارع السوداني من الحراك السياسي والمدني والعمل المسلح في مناطق الحرب، بعد أن وصلت أزمة الخبز الى مطلب سقوط النظام، يضع العديد من الفرضيات حول إمكانية هذه الإحتجاجات من اقتلاع نظام عمره ثلاثين عاما في الحكم، ويتسأل البعض ضمن هذه الفرضيات، ما الذي اصاب الشعب السوداني من الواعي الكبير في هذه الوقت، هل هي ازمة اقتصادية أم تغيير النظام غاية لتحرر من قبضة الإنقاذ؟، وأين كانوا خلال ثلاثين عاماً في وجود أحزاب معارض في الداخل؟، ولماذا كل هذا الصمت، عن أعمال حكومة الانقاذ في الجنوب بتاجيج حرب اهلية وتشريد الالف منهم دون ان تطالب بسقوط النظام. أسئلة لاتجد مساحة للإجابة عليه ولكن المهم هو أن ثورات الشعبية دوماً تاتي نتيجة لفقدان الثقة التى لاتعود ابداً مما كان الظروف، وكل الثورات الشعبية في السودان التي حققت أهدافها لم تطول أكثر من ثورة الخبز، وهذه دليل على قوة الإنقاذ في الحكم.

إذا كانت التغييرات السياسية بانفصال الجنوب عن الشمال، وتجدد القتال في جبال النوبة والنيل الأزرق،  وعدم التوصل الى اتفاق سلام في دارفور في فترة اتفاق نيفاشا، فاقمت الازمة الاقتصادية في السودان بسبب استخدام موارد الدولة من اموالها في الحرب بدلا من التنمية، بجانب الضغوطات الدولية والتحركات الاقليمية والدولية لازالة نظام الانقاذ من الحكم، كل هذه المعطيات وغيرها أدت إلى خروج الشعب السوداني وانقسمت ما بين من هم مؤيدين لثورة الشعبية والاحزاب هي  بدورها منقسم وحتى الموتمر الوطني الحاكم نفسه، خرجت ملايين الناس في شوارع مدن السودان لاعادة ذاكرة التاريخ لانتفاضات الشعبية من ثورة أكتوبر ومايو، فهل هذه ثورة الشعب لتغيير ام ثورة الخبز، يمكن ان يتم توفيره وتصمت الشعب مرة اخرى لتنتظر ثلاثين سنة مرة اخرى. لتنشد الشعب أغنية "أصبح الصبح" لفنان الراحل محمد وردي عقب نجاح ثورة اكتوبر.

نجاح الثورات الشعبية في أي بلد مرهونة بوحدة الشعب ولا يمكن لاي ثورة ان تحقق نجاحها بشعب منقسم، وهذا مايعني ان على ثوار السودان ان يدركوا ان نظام الانقاذ الحاكم، درست اخلاقيات الشعب السوداني الشمالي،  فقد يكون دول الجوار مؤيد لثورتهم او معارض لها حسب مصالحها، وهذا يحتاج لوضح العديد من الحساب في تحقيق الغايات قبل وبعد السقوط وان إستمر النظام فالحوار مفتاح لاجراء الاصلاحات السياسية في جميع البلدان في العالم.

قد يتفق الجميع او يختلفوا أن الاحزاب المعارضة في السودان فشلت في طرح نفسها في الساحة السياسية كبديل لنظام الإنقاذ منذ وقت طويل، وان هناك حلقة مفقودة وهي الثقة بينها مع الشعب في طريقة ادارة السودان فقد كنت في حالة الاستغراب من طرح قدمها تلك الاحزاب بعودة الصادق المهدي للحكم لادارة البلاد حال تنحي الرئيس عمر البشير، بإعتباره أخر رئيس وزراء عقب إنقلاب الانقاذ على حكومة شرعية في السودان وهذا الطرح قوبلت بنوع من السخرية في الشارع السوداني (شباب الثورة) في محاولة لسرقة ثورة الشعب.

الحشد الشعبي الذي يقوم به تجمع المهنيين السودانيين، لاخراج الشعب السوداني لتظاهرة ضد  النظام يفتقر لآليات الضغط الاساسية لاسقاط النظام او إجباره على تكوين حكومة انتقالية لاجراء الاصلاحات المطلوبة، وهذه الحلقة هي غياب دور الاحزاب بصورة فعالة خلال التظاهرات وترك الشعب في شكل مفتوح لتعبير عن رأيها دون إجراء التاثير على أجهزة الضغط الرئيسية لسقوط النظام الجيش والشرطة، وبرغم أن حزب مؤتمر الوطني منقسم ما بين الاسلاميين المؤيدين لثورة الشعبية بطريقة ما، ومؤيدي البشير ، الا أن التحركات والاحتجاجات الشعبية تتعرض لعمليات القمع من الشرطة والأمن وقوات الأخرى بسبب قوى النظام مقارنتا بالانتفاضات الشعبية في تاريخ السودان، دفاعاً عن النظام.

المعارضة السودانية احزاب كانت او حركات مسلحة ضد نظام الإنقاذ، كانت تنظر للحركة الشعبية لتحرير السودان، قبل انفصال الجنوب، كبديل الاقوى لاقتلاع الانقاذ من الحكم، وهي الامل الوحيد بطرحه لمشروع السودان الجديد، والذي فشل مع انفصال الجنوب عن الشمال وتركت تلك الاحزاب في مفترقة الطرق والسودان في وضع الحرب في دارفور والنيل الازرق وجال النوبة واعادة تاريخ الحرب الاهلية.

ونجد ان منذ اندلاع التظاهرات في الخرطوم ذهب العديد من التحليلات الى إمكانية حدوث انقلاب حزبي داخلي بعزل الرئيس عمر البشير، نتيجة لخلافاته مع الإسلاميين، ورشحت تيارات داخل الحزب، في خطوة لتكرار سيناريو روبت موقابي الذي تم عزله لاتاح الفرصة لقيادات جديدة، كل هذا ذهبت في مهب الرياح وطالت مدة الثورة الشعبية دون ان تتحقق أهدافها، وتشير بعض المعلومات الى وجود خلافات حقيقية داخلية في الحزب الحاكم، الا ان تملص بعض قيادات الحزب المؤيدة لثورة من الثوار وترك الميدان لشعب والمعارضة غير موازين الثورة.

نتفق أن أزمة الإقتصادية (الخبز) حرك الشارع السوداني لكن القضية اعمق بالكثير نتيجة لتراكم مشاكل السودان لسنوات من الحرب والسلام، ويعاني الشعب السوداني منها في الصمت، ويعترف به قيادات الحكومة بوجود ازمة حقيقية، عليه فإن التغيير المنشود في السودان وان كانت سلمية او عسكرية قد لايصل الى اقتلاع نظام الانقاذ من جذوره فثلاثين عاما من الحكم كان كفيل لكل الاحزاب السودانية المعارض للنظام من اجل العمل وطرح نفسها خيارا بديلا، ولكنها فشلت في ذلك وكسبت الانقاذ معركة الشعب السوداني في شماله وشرقه وغربه باسم الدين لإستمراره في السلطة وبإسم الجهاد والدفاع عن الوطن ضد الصهيونية في إشارة الى جنوبين ووصفه اعداء للوطن، (شعارات الحركة الإسلامية"، ذهب الجنوب حالياً وتقاسم السودان شماله وجنوب مشاكل السودان بتساوي لاتغير في شمال ولا جنوب وانتهت اتفاق نيفاشا ستة صفر.

تصريحات البشير بإمكانية تسليم السلطة لجيش، لن ياتي من الفراق، لكنها نتائج لحجم الخلافات داخل المؤتمر  الوطني بينه والإسلاميين، فخلافات البشير مع الاسلامين داخل سفينة الإنقاذ وصل الى مرحلة مفاصلة غير معلن بصورة رسمية، دفع بالبشير الى الاعتماد على الجيش والأمن لبقائه في السلطة بتالي يريد تسليم الحكم للجيش بدلا من تصعيد قيادة جديدة من الحزب لإدارة البلاد.

فرضية الأخيرة بسقوط نظام البشير بانتفاضة شعبية وتسليم الحكم لقوى مدنية لإدارة البلاد، ابعد في اعتقادي من إمكانية حدوث انقلاب عسكري داخلي بعزل البشير بعودة الاسلاميين مجدداً، او تسليم السلطة للجيش، فان اجراء التغيير يحتاج لوحدة الشعب حزبيا ومهنياً وفكريا وان كان الهدف هو إنقاذ السودان من الوضح الحالي وليس البشير، وهذا يقودنا الى عنوان المقال عن من الذي يحرك الشارع السودان الخبز ام المعارضة، فإن كان الخبز فله نهايته وان كان النظام فله نهايته أيضاً، فقد تنتهي بسقوط البشير او إستمراريته.

فما الذي يريده المعارضة السودانية السلمية والمسلحة، هل هي تنحي البشير عن السلطة وتسليم الحكم لدماء جديدة لفتح مساحة للحوار مع كل القوى في كيفية إدارة السودان، ام إقتلاع حكومة الإنقاذ من جذوره، قد يكون تنحي البشير من السلطة اقرب وبتالي تهدئة الشارع السوداني، لكن إقتلاع النظام من جذور أصعب بالكثير. فعلى السودان ان يساعد نفسها بشعبه سياسياً، والحقيقة هو ان كل الانظمة العسكرية والثورية في افريقيا تفتقد الى الديمقراطية لتداول السلمي لسلطة.