للسيد محافظ بنك السودان ،،، لا يوجد حل غير الرحيل

الهادي هباني

لم تكن الأخطاء الإملائية التي صاحبت طباعة فئة ال 200 جنيه الجديدة من العملة المحلية في جانبيها العربي والإنجليزي هي الوحيدة التي تفضح ارتباك الحكومة واضطرابها تحت تأثير الضربات الموجعة التي تتلقاها يوميا من اتساع حركة الجماهير بشكل متزايد ومتسارع منذ انطلاق ثورة 19 ديسمبر الظافرة. وهي عاجزة تماما (وبكل ما تعني هذه الكلمة من معاني) عن السيطرة علي الأمور وتقديم حلول لقضايا الجماهير السياسية والإقتصادية والاجتماعية. فقد جاء تصريح السيد محافظ بنك السودان المركزي في لقائه الأخير مع قناة 24 ليعزِّز ذلك الاضطراب ويبين ذلك الشلل والعجز التام، ويكشف من بين السطور مدي خطورة الأزمة الاقتصادية التي تواجهها البلاد.

ففي سياق رده علي سؤآل الطاهر حسن التوم عن طباعة بنك السودان للنقود في الفترة الأخيرة، وعن ما تناولته الميديا، وما جاء أيضا علي لسان مسئول كبير بتعبير (الحكومة شغالة رب رب رب) وهل بالفعل هذه الطباعة ستعالج أزمة السيولة أم أنها مجرد ورق ومن شأنها أن تزيد التضخم، أجاب السيد المحافظ فيما معناه بأن الطباعة التي تمت لم تكن من فراغ فهي طباعة تقابلها حسابات في البنوك وهي مجرد وسيلة للتبادل شأنها في ذلك شأن الشيك أو البطاقة المصرفية وأن ذلك ليس له علاقة بالتضخم ولن يؤدي إليه بصورة مباشرة.

لا نود هنا التقليل من كفاءة السيد المحافظ ومن علمه ومقدراته ولكن ما صرَّح به ليس له أدني علاقة بأبسط مبادئ الاقتصاد وأبسط الأسس المتعارف عليها في إدارة السياسة النقدية ومعالجة الاختلالات والأزمات التي تمر بها.

فبنفس المستوي الذي يعرَّف فيه التضخم أو (الغلاء) بأنه الارتفاع المتواصل في الأسعار فهو أيضا يعرَّف بأنه كمية كبيرة من النقود تتسابق علي عدد محدود جدا من السلع والخدمات أي أن الطلب علي السلع والخدمات أكبر من حجم المعروض من تلك السلع والخدمات. فالوضع الطبيعي الذي يتحقق فيه الاستقرار هو أن كمية النقود الموجودة في أي بلد يجب أن تتساوي مع كمية السلع والخدمات الموجودة في هذا البلد نفسه. فإذا زادت كمية النقود عن كمية السلع والخدمات يحدث التضخم، أما إذا حدث العكس وقلت كمية النقود عن كمية السلع والخدمات يحدث الكساد وهو الحالة المعاكسة للتضخم.

ولتبسيط فكرة التضخم وفقا لهذا التعريف نفترض أن كمية النقود الموجودة في البلد هي 1 جنيه وأن هذا البلد ينتج وحدة واحدة من سلعة واحدة فقط  وبالتالي فإن سعر هذه الوحدة من السلعة يكون 1 جنيه. لكن إذا افترضنا أن الحكومة قامت بطباعة 1 جنيه إضافي لتصبح كمية النقود الموجودة في البلد 2 جنيه وفي نفس الوقت ظلت البلاد تنتج وحدة واحدة فقط من السلعة المذكورة فإن سعر الوحدة الواحدة من هذه السلعة سيرتفع تلقائيا إلي 2 جنيه بدلا عن 1 جنيه لأن كمية النقود الموجودة في البلد 2 جنيه تقابله وحدة واحدة فقط من السلعة الوحيدة التي تنتجها البلد. ولكن إذا قامت الحكومة بمقابلة هذه الطباعة بانتاج وحدة أخري من هذه السلعة فإن سعرها لن يزيد وسيظل 1 جنيه لأن كمية النقود الموجودة في البلد أصبحت 2 جنيه وفي المقابل أصبحت الكمية المنتجة من السلعة المذكورة هي 2 وحدة بقيمة 1 جنيه لكل وحدة.

هذا هو ببساطة شديدة جدا التضخم الذي نعرفه والذي عادة ما يتم تدريسه لطلاب السنة الأولي في كلية الإقتصاد ضمن مادة مبادئ علم الاقتصاد. ولكن التضخم الذي يتحدث عنه السيد المحافظ ضمنيا في سياق تصريحه المشار إليه ليس له مكانا أو وجودا في مبادئ وهوامش وبطون علم الاقتصاد وعلم النقود والبنوك. ولذلك إما أن السيد المحافظ لا يعلم وهذه مصيبة خاصة وأنه علي رأس أكبر سلطة نقدية في البلاد، أو أنه يعلم ولكنه يمارس التضليل والتجهيل والكذب والاستخفاف بعقول المودعين والمواطنين كمحاولة يائسة منه لإخفاء حجم الأزمة الاقتصادية الكارثية التي تعيشها البلاد، وهذا هو الأرجح. وأعتقد بأن السيد المحافظ كان مضطرا لهذا التضليل والتزييف لأن واقع البنوك وواقع انعدام السيولة واقع كارثي يشكل لبنك السودان وللحكومة خطرا حقيقيا لا يستطيعون السيطرة عليه. يتضح ذلك من بيانات البنك المركزي وتقاريره المنشورة نفسها في موقعه الرسمي علي شبكة الانترنت والتي نلخص أهمها فيما يلي:

أولا: بلغت العملة لدي الجمهور حتي قُبَيل إندلاع ثورة ديسمبر 2018م وتحديدا حتي نهاية سبتمبر 2018م حوالي 92.2 مليار جنيه تمثل حوالي 98.6% من إجمالي العملة المتداولة في البلاد والبالغة 93.5 مليار جنيه. في حين بلغت العملة لدي البنوك التجارية فقط 1.3 مليار جنيه تمثل فقط 1.4% من إجمالي العملة المتداولة في البلاد (بنك السودان المركزي، العرض الاقتصادي والمالي، الربع الثالث، سبتمبر 2018م، جدول رقم (13)، صفحة 34). وبالتالي فإن محاولات التضليل والتجهيل التي مارسها السيد محافظ بنك السودان في اللقاء المشار إليه أصبحت مكشوفة. وأن طباعة النقود دون أن يقابلها من السلع والخدمات ليس حلا لأزمة السيولة وإنما هو مفاقمة وتصعيد لها. فأي مبالغ تخرج من البنوك لن تعود إليه لأن العملاء (ونقصد كافة العملاء أفراد وشركات وتجار وأصحاب عمل وأجانب ومغتربين ...إلخ) فقدوا الثقة في البنوك وفي الحكومة، وسيتزايد بالتالي، يوما بعد يوم، حجم الكتلة النقدية خارج الجهاز المصرفي كلما قامت الحكومة بطباعة مزيد من النقود وستتزايد وفقا لذلك معدلات التضخم لمستويات غير مسبوقة، وستتضاعف بالتالي معاناة المواطنين.

ثانيا: بلغت مستحقات البنوك لدي بنك السودان المركزي حوالي 112 مليار جنيه تمثل حوالي 34% من إجمالي أصول البنوك التجارية البالغة 329 مليار جنيه وهذه كارثة لوحدها. فهي تعني بكل بساطة أن 34% من أصول البنوك النقدية محجوزة لدي بنك السودان المركزي كاحتياطيات نقدية وأصول سائلة وكتمويل وفي المقابل هو لا يستطيع توفير سيولة للبنوك التجارية من تلك الاحتياطيات النقدية المملوكة لها وذلك لأن البنك المركزي بكل بساطة مفلس وأن الحكومة نفسها مفلسة (المصدر السابق ذكره، جدول رقم (13 A)، صفحة 22).

ثالثا: تبلغ مستحقات البنوك علي الحكومة المركزية وحكومات الولايات والمؤسسات العامة حوالي 57.4 مليار جنيه تمثل حوالي 17.4% من إجمالي أصول البنوك التجارية البالغة 329 مليار جنيه. في حين أن إجمالي ودائع الحكومة المركزية وحكومات الولايات والمؤسسات العامة مجتمعة لدي البنوك التجارية تبلغ فقط 10.2 مليون جنيه تمثل فقط مانسبته 4.6% من إجمالي قيمة الودائع لدي البنوك التجارية. هذا في حين أن ودائع الجمهور تبلغ 153.4 مليار جنيه تمثل حوالي 68% من إجمالي الودائع لدي البنوك التجارية (المصدر السابق ذكره، جداول أرقام (14 A)، صفحة 24)، و(13 B)، صفحة 23). هذا يعني أن الحكومة بكل بساطة (وعلي عكس حكومات الدول المحترمة التي تغذي البنوك وتدعمها بودائع محترمة لتقوي مركزها المالي وتحمي قطاعاتها المصرفية) تودع في البنوك مبالغ تكاد لا تذكر (ملالين) لا تتجاوز ال 10.2 مليون جنيه وفي نفس الوقت هي (أي الحكومة) أكبر مقترض من البنوك حيث استدانت 57.4 مليار جنيه من البنوك حتي سبتمبر 2018م تمثل حوالي 37.4% من إجمالي ودائع المواطنين وتمثل 561 ضعف إجمالي قيمة ودائع الحكومة لدي البنوك. بمعني أن الحكومة بكل بساطة، لا تمارس الجبايات علي المواطنين فقط من خلال الضرائب والرسوم والأتوات، بل أيضا من خلال نهب ودائعهم في البنوك. وكان من الممكن أن يكون هذا الوضع مقبولا إذا استغلت الحكومة هذه الأموال التي تقترضها من ودائع العملاء في التنمية وفي الصحة والتعليم وفي رفع المستوي المعيشي للمواطنين. ولكنها علي العكس تستغل ودائع العملاء في الصرف علي مريديها ومؤسساتها المترهلة وفي تمويل شراء البمبان والهراوات والسياط ومختلف أجهزة القمع التي تستخدم اليوم في قمع تظاهرات الثوار السلمية بشكل مفرط أمام العالم أجمع.

رابعا: تفتقر خزينة البنك المركزي والحكومة للعملات الأجنبية التي تساعدها علي توفير القمح والدقيق والمواد البترولية فقد حقق صافي الأصول الخارجية حتي نهاية سبتمبر 2018م عجزا يعادل ما قيمته 109.5 مليار جنيه (المصدر السابق ذكره، جدول رقم (22)، صفحة 39). وفي نفس الوقت فهي لا تستطيع أن تعتمد علي دعم الدول الصديقة أو الحليفة باستمرار في توفير دقيق الخبز والبنزين والجازولين فتلك الدول لها همومها ومشاكلها وقضاياها الخاصة ولن تستطيع دعم الحكومة بتلك السلع إلي الأبد. وبالتالي فإن عودة صفوف العيش والبنزين والجازولين تلوح في الأفق القريب.

خامسا: مع هذا الوضع الكارثي المفلس للحكومة والبنك المركزي والذي انعكس سلبا علي البنوك التجارية وأصبح يهددها هي نفسها بالإفلاس أو الإنهيار. فقد فشلت كل الوسائل التي اتخذتها الحكومة لجذب النقد المتداول خارج القطاع المصرفي مما أضطرها في الفترة الأخيرة اللجوء لملاحقة التجار في محلاتهم التجارية وفي بيوتهم لإجبارهم علي ايداع نقودهم في البنوك خاصة في مناطق انتاج وتجارة المحاصيل كالأبيض والرهد والقضارف وغيرها، وأصبح احتفاظ التاجر أو المواطن العادي بمبالغ نقدية في خزينة محله التجاري أو بيته ليس حقا له يكفله القانون وتكفله المواثيق الدولية، بل جريمة يطارد عليها من قبل ضباط وأفراد الأمن الاقتصادي ويُجبر قسرا علي إيداعها في البنوك لتتبخر كما تتبخر ودائع غيره من التجار والمواطنين. وقد أضر ذلك بمصالح التجار والأفراد وانعكس بالتالي سلبا علي الاقتصاد ككل. فقد ظهر المرابين الذين يتاجرون بالنقد خارج القطاع المصرفي في مناطق الإنتاج وأمام مداخل البنوك والصرافات الآلية. وعادت ظاهرة الكَسِر مرة أخري بثقلها ولكنها هذه المرة ضربت مناطق الانتاج حيث يضطر منتجي وتجار المحاصيل لشراء بضائع ذات سيولة عالية كالسكر مثلا بأجل وبأسعار عالية جدا وبيعها نقدا بأسعار منخفضة بهدف الحصول علي النقد لتسيير أعمالهم اليومية. الأمر الذي أدي إلي ارتفاع تكاليف الانتاج مما أدي إلي ارتفاع أسعار السلع الرئيسية لمستويات غير مسبوقة الأمر الذي أدي بدوره إلي تزايد معدل التضخم ليتجاوز اليوم حاجز ال 73%.

وحتي المعالجات المجربة في إدارة السياسة النقدية أصبحت في هذه الظروف لا تجدي بل أنها غير قابلة للتطبيق فعلي سبيل المثال لا الحصر:

أولا: عادة في ظروف شح السيولة في الجهاز المصرفي تلجأ البنوك المركزية (كعلاج لأزمة السيولة) برفع سعر الفائدة علي الودائع وذلك لتشجيع عملاء البنوك لزيادة حجم ودائعهم وأيضا لتشجيع أصحاب المدخرات الذين لا يتعاملون مع البنوك وليس لديهم حسابات لفتح حسابات توفير بالبنوك وإيداع مدخراتهم للاستفادة من رفع سعر الفائدة. وبما أن رفع سعر الفائدة علي الودائع يتبعه تلقائيا ارتفاع سعر الفائدة علي التمويل والقروض. وأن ذلك سيؤثر تلقائيا علي المنتجين حيث تزيد تكاليف انتاجهم بمقدار زيادة سعر الفائدة علي التمويلات التي يحصلون عليها من البنوك، فإن الحكومة عادة تقوم باتخاذ سياسات مالية أخري (مالية وليس نقدية) مصاحبة لقرار البنك المركزي برفع سعر الفائدة تتمثل في خفض الضرائب علي المنتجين أو خفض الرسوم الجمركية أو غيرها من الرسوم لتعويض المنتجين عن ارتفاع سعر الفائدة. ولكن للأسف فهذا غير قابل للتطبيق في السودان اليوم لأن معدلات الفائدة علي الودائع أصلا مرتفعة ورغم ذلك تهرب السيولة من البنوك ولا تعود لأن الأزمة أصبحت أزمة إنعدام ثقة الجمهور في القطاع المصرفي لأن القطاع المصرفي اليوم أصبح أداء تستخدمها مافيا الانقاذ لنهب مدخرات الناس. وفي نفس الوقت لا تستطيع الحكومة تخفيض الضرائب والجبايات والرسوم وغيرها لأنها بكل بساطة تعيش عليها وهي تشكل أكبر بنود إيرادات موازنتها المالية.

ثانيا: من السياسات المجربة أيضا في معالجة أزمة السيولة هي سياسة السوق المفتوحة بين البنك المركزي والبنوك وأيضا بين البنك المركزي والجمهور. وهي سياسة تلجأ لها البنوك المركزية لمعالجة أزمات السيولة العابرة وذلك باعلان البنك المركزي استعداده لشراء الصكوك والسندات التي تمتلكها البنوك نقدا ليوفر لها سيولة عبر تسييل تلك الأوراق المالية التي تحتفظ بها كأصول شبه سائلة في خزينتها. أو أن يعلن استعداده لشراء الأوراق المماثلة التي يملكها جمهور المواطنين ويحتفظون بها كاستثمارات خاصة وذلك عبر البنوك أي أن يذهب الجمهور لبيع أوراقهم المالية الممثلة في السندات والصكوك وغيرها للبنوك واستلام قيمتها نقدا وبالتالي تتوافر لديهم السيولة. ولكن حتي هذه الوسيلة أصبحت غير قابلة للتطبيق في واقع السودان اليوم لأن بنك السودان بنك مفلس ولا يملك أي سيولة لشراء الأوراق المالية سواء من البنوك أو الجمهور، بل علي العكس، فقد ظل طوال الفترة منذ انتهاجه لسياسة السوق المفتوحة عبر اصدار شهادات شهامة وأخواتها ظل هو الذي يقوم باصدار هذه الأوراق المالية للحصول علي سيولة لتمويل موزانة الدولة والصرف علي أجهزتها المترهلة وآلتها القمعية وبرامجها الفاشلة. واستمر هذا الأمر حتي أصبح عبئا يضغط بثقله علي البنوك التجارية التي يفرض عليها البنك المركزي الإحتفاظ ب 30% من أصولها في شكل شهادات (شهامة، صرح، شهاب ...إلخ) وعندما يحل موعد استحقاقها لصالح البنوك يجبرها البنك المركزي علي التمديد لفترات استحقاق أخري. والدليل علي ذلك أن احتياطيات البنوك المحتجزة لدي البنك المركزي شاملة تلك الشهادات والصكوك الاسلامية قد بلغت قيمتها حتي سبتمبر 2018م حوالي 112 مليار جنيه في حين أن السيولة المتوفرة لديها في نفس الفترة 1.3 مليار جنيه (المصدر السابق ذكره، جدول رقم (13 A)، صفحة 22).

آخر ما نقوله في هذا المقال للسيد المحافظ أن هذه السلطة بكامل مؤسساتها التي تحكم البلاد منذ ثلاثة عقود أصبحت هي العقبة الأساسية التي تقف أمام تطور المجتمع السوداني من الناحية السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية ولا يوجد حل للأزمات التي تواجهها هذه السلطة غير رحيلها غير مأسوف عليها إلي مزبلة التاريخ ،،، تسقط تسقط تسقط بس.

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )