مقتطفات من التقرير السياسى للحزب الشيوعى

نظام 30 يونيو وتعميق الأزمة

  • تحول جهاز الامن من جهاز بسيط يتمثل دوره فى جمع المعلومات وتسليمها لجهات الاختصاص للتنفيذ الى قوة ضاربة لحماية النظام
  • أصبح الفساد بنهب أموال الدولة ومؤسساتها أحد المصادر الأساسية لتراكم رأس المال الطفيلي
  • راوغ النظام في تطبيق الاتفاقات الموقعة لحل قضايا التحول الديمقراطي واستمرت انتهاكات حقوق الانسان في كل البلاد.

يمثل انقلاب 30 يونيو 1989 استيلاءا بالقوة على السلطة في السودان من قبل فئة الرأسمالية الطفيلية الإسلامية ونقصد بالرأسمالية الطفيلية فئة طبقية من فئات الرأسمالية تعمل مثل فئات الرأسمالية الأخرى على الاستحواز على الفائض الإقتصادي، لكن في مجال التوزيع والتجارة الداخلية والخارجية والعمل المصرفي والمضاربات المالية بما في ذلك تجارة العملة وتجارة الأراضي والمضاربة فيها وهي تبني اقتصاد تابع من خلال تبنيها لاقتصاد السوق الحر وتأتي صفة الإسلامية لإتخاذها من الإسلام عطاءاً.

 هدفت الرأسماية الطفيلية الاسلامية من خلال إنقلابها وفرض قيادتها على الرأسمالية السودانية والمجتمع السوداني واستخدام العنف والآيديولوجية الدينية في سيطرتها على موارد البلاد الاقتصادية.  وبذلك أوقف انقلاب 30 يونيو التطور السلمي الديمقراطي في السودان ونقل الصراع الطبقي والصراع بين شعوب السودان واقاليمه الأقل نموا  لصراع عنيف، ورفعت فيها شعارات الجهاد الديني، وقد شمل العنف كافة الأوجه كسلاح طبقي للرأسمالية الطفيليةلاسلامية: الانقلاب نفسه،وحل المؤسسات الدستورية ومصادرة الحريات والديمقراطية، والاعتقال والتعذيب الوحشي اللا انساني والقتل خارج نطاق القانون، وتصعيد الحرب الأهلية والزج بآلاف الشباب والمواطنين في أوار الحرب، وتصفية الحركة النقابية واستبدالها بحركة نقابية تابعة للنظام وحل وتحطيم المؤسسات الاقتصادية التي بها حركة عمالية منظمة وذات خبرات في العمل النقابي والسياسي، ,تصفية الخدمة المدنية ومحاربة الرأسمالية السودانية الوطنية المستثمرة في مجالات الانتاج الزراعي والصناعي، واحتكار السوق والتمويل والتجارة الخارجية.

 أقدمت سلطة 30 يونيو الانقلابية على تنفيذ ثمانية قضايا حاسمة تمثل الأسبقيات في برنامجها للتمكين:

أولاً: أعلان تعطيل الدستور وحل البرلمان والأحزاب السياسية والنقابات والجمعيات التعاونية حالة الطوارئ وحظر التجوال لساعات طويلة، ثم سنت قوانين وضعت المنظمات تحت سيطرة النظام.

ثانياً: تشريد العاملين في القطاع العام ووضعت مكانهم الموالين لها دون اعتبار للقدرات المهنية، بل الشرط الأساسي هو الولاء التام والأعمى للنظام، في المهن المختلفة بما فيها القوات المسلحة والقضاء وتم التركيز على المناصب التي تمثل مفاتيح السلطة والسيطرة عليها.

ثالثاً: السيطرة على الجهاز المصرفي بصفة خاصة، فقد تم انتهاك واسع لاعراف وسرية النظام المصرفي، وأصبحت الحسابات المودعة في كل المصارف مكشوفة عبر الموالين أمام السلطة، ووضعت تحت تصرفها. وسنت قانون نظام مصرفي جديد في العام 1991 لتركيز السلطة في يد محافظ بنك السودان الموالي للنظام بديلاً لسلطة مجلس إدارة بنك السودان.  وأصدرت قوانين تجبر المودعين،عندما تم تبديل العملة، على دفع تكلفتها بخصم 2% من أي رصيد وحجز 20% من أي رصيد يزيد عن 100الف جنيه. أطلقت هذه القوانين حرية نشاط المصارف الموالية للجبهة الإسلامية القومية، وقيدت نشاط المصارف التجارية ومصارف القطاع العام. ثم    أنشأت سوقا للأوراق المالية وجهت المصارف التجارية والشركات العامة وشركات التأمين لطرح أسهمها في السوق  لتمكين تجار الجبهة ومؤسساتها من السيطرة على قمم الاقتصاد الوطني وامتصاص الفائض واستقطاب الثروة في يد جماعات الجبهة الإسلامية المتنفذة والذين بدأوا ينضمون إلى الرأسمالية الطفيلية لاسلامية. وأقصت الرأسمالية السودانية المستثمرة في مجالات الإنتاج المختلفة، واحتكرت السوق والعمل في التجارة الخارجية.

رابعاً: شوهت النظام الضريبي وحولته من آلية لتجميع وحشد الموارد وتوزيعها بعدالة واستخدامها للتنمية والتطور الاقتصادي والاجتماعي، إلى أداة للنهب المباشر بكل فظاظة وقسوة؛ وغابت العدالة فى فرض النظام الضريبى الذى اصبح سيفا تسلطه اجهزة الامن على كل من يرفض الانتماء لمظلة الحزب الحاكم. وشملت الضرائب كل شيء وأي مواطن عدا المتنفذين في دولة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية، وهو أبشع نموذج للتراكم الرأسمالي البدائي؛ بل أبشع من الذي حدث في أوروبا قبل خمسمائة عام. لأن ما حدث في أوروبا رغم ضراوته – أثمر الثورة الصناعية، أما في السودان فقد دخل في جيوب حفنة من الإسلاميين  عبر اعفائهم من دون أي مشاركة في الإنتاج او الاستثمار الذي يثرى المجتمع وخزينة الدولة.

خامساً: أصدر مجلس قيادة االانقلاب عملاً بأحكام المرسوم الدستوري الثالث لعام 1989  مرسوما خاصا بقانون التصرف في مرافق القطاع العام لسنة 1990 في 6/8/1990 و الهدف منه تصفية القطاع العام. و لقد هدف  لخصخصة كافة مرافق القطاع العام بلا استثناء للرابح أو الخاسر منها، وفي أقصر فترة زمنية ممكنة. وبهذا تمت تصفية أهم مؤسسات القطاع  العام الزراعية والصناعية والخدمية وتحولت عائداتها كما جاء في تقرير المراجع للأعوام 1990وحتى 30 مايو 1994، إلى جيوب حفنة من أثرياء الجبهة القومية الإسلامية. فالعديد من هذه المؤسسات التي تمت خصخصتها بيعت لأفراد من الجبهة الإسلامية بثمن بخس. فعلى سبيل المثال تم بيع المؤسسة العامة السلكية واللاسلكية بسعر أقل كثيراً، ليس من قيمة أصولها وحسب ، بل بيعت بما يساوي ربح شهر واحد وليس دخل شهر.

 سادساً: أصبح الفساد بنهب أموال الدولة ومؤسساتها أحد المصادر الأساسية لتراكم رأس المال الطفيلي. وقد شمل هذا الفساد كل مفاصل المؤسسات، بما فيها وزارة الأوقاف وأموال الحج والعمرة والزكاة. بل أصبح الفساد مقنناً ومحمياً من الدولة. وشمل الفساد بيع المؤسسات العامة وضعف الرقابة المالية وزيادة تجنيب الاموال ورفضت العديد من المؤسسات مثل الأمن والدفاع وقطاع السيادة وحتى القضاء مراجعة حساباتها بواسطة المراجع العام للدولة نفسها. وكما هو حال الرأسمالية الطفيلية الاسلامية، فإنها بعد أن باعت القطاع العام للقطاع الخاص من الموالين لها، أسست 600 شركة تجارية تبعتها لوزارات اتحادية و ولائية ولأجهزة الأمن والقوات المسلحة والشرطة وتواصل هذا النهج حتى بلغ مجموع هذه الشركات في الخمس سنوات الأولى من عمر النظام 2847 شركة. وان تقارير المراجع العام السنوية وملفات الفساد لبيع الخطوط الجوية السودانية وشركة الاقطان لاتمثل سوى راس جبل الجليد. واظهرت التقارير الاخيرة أمثلة جديدة للفساد في الأقطان والطاقة والبترول ومكتب والي الخرطوم والأراضي وتوزيعها للخاصة واسر رجال السلطة، كما اوضحت قضية مكتب والي الخرطوم أن قانون الثراء الحرام يقنن الفساد بدلا أن يحاربه.

سابعا : أعاقت الطفيلية الاسلامية نمو وتطور الزراعة والصناعة والخدمات والثروة الحيوانية ووضعت الاقتصاد السوداني على حافة الانهيار. لقد دمرت كل المؤسسات الزراعية والصناعية والتحويلية التي كانت تمثل قمم الاقتصاد ومصدر للعملة الصعبة. كما استولت تماما على صناعة البترول وعربدت فى مناشط التعدين وما ارتبط بها من مناشط .

ثامنا :  تحول جهاز الامن من جهاز بسيط يتمثل دوره فى جمع المعلومات وتسليمها لجهات الاختصاص للتنفيذ الى قوة ضاربة لحماية النظام، وتحولت الدولة لدولة امنية يحكمها جهاز الامن وصاحب القرار فيها  وذلك ان الجهاز أصبح قوة عسكرية كبيرة وتلحق بها ميليشات  قبلية تم تجنيدها أثناء الحروب في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، كما أن الجهاز يملك مصادر دخل غير الميزانية بملكيته لشركات ومؤسسات اقتصادية وخدمية.

لقد تم بهذه الأساليب وغيرها من دعم خارجي اكتمال تحول حركة الأخوان المسلمين من تنظيم للبرجوازية الصغيرة اليمينية التي أنشئت خصيصاً لمعاداة الحزب الشيوعي وقف حركة التقدم واعاقة تنفيذ البرنامج الوطني الديمقراطي إلى تنظيم للرأسمالية الطفيلية الإسلامية.

الرأسمالية الطفيلية الإسلامية تفشل في القيادة

      لقد أعاق انقلاب 30 يونيو تطور الحركة الجماهيرية ووقف عقبة أمام التبادل السلمي الديمقراطي للسلطة وقفل الطريق أمام حرية الرأي والتعبير وبالتالي عمق الأزمة في البلاد.

إن الأساس في فشل نظام 30 يونيو هو أنه نظام غير شرعي استولى على السلطة بإنقلاب عسكري، ولم يستطع إكتساب المشروعية التي تتأتى بقبول الجماهير لأنه يمثل فئة طبقية للرأسمالية الطفيلية الإسلامية التجارية والمالية التى فشلت حتى في توحيد الرأسمالية السودانية بفئاتها المختلفة تحت قيادتها بل عملت على تصفية كل الراسماليين الوطنيين الذين لايخضعون لحزبها . والتي أحدثت شروخا عميقة في البنية الوطنية السودانية ويتمثل ذلك فى:-

أ‌-   الخطاب الآيديولوجي المستبطن التعالي العرقي والثقافي الذي لا يحترم التعدد الثقافي والعرقي في البلاد.

ب‌-  تمثيلها لمصالحها المعادية لكل مصالح الشعب السوداني في السلام والوحدة والديمقراطية والتنمية المتوازنة.

ت‌-  برفعها شعار من يريد حقوقه ومطالبه فليحمل السلاح لانتزاعها، مما أجبر الحركات المسلحة في الأقاليم، وخاصة في دارفور، على حمل السلاح لأنه أصبح لا طريق غيره لتحقيق مطالب أهلهم في الأقاليم التي عانت التهميش في قسمة السلطة والثروة منذ الاستقلال. وبهذا انتقل الصراع بين مركز السلطة وأقاليم البلاد المهمشة إلى صراع مسلح عنيف ومنهك، وتحول إلى مأساة دولية، فاقمت من عزلة النظام وعمقت من أزمته. 

ث‌-  تورطها فى النزاعات فى ليبيا وتشاد وارتيريا والصومال

الراسمالية الطفيلية الإسلامية رغم فرض قيادتها بالقوة والعنف إلا أنها فشلت في ممارسة القيادة وأدخلت البلاد في أزمات عميقة في كل جوانب الحياة:

(1)  انفصال الجنوب نتاج سياسة 30 يونيو من تصعيد للحرب منذ مجيئها وحتى نيفاشا، ورهن حل القضية الوطنية لقوى أجنبية، الفشل في جعل الوحدة جاذبة بالسياسات تجاه الجنوب والحركة الشعبية والقوى السياسية، بل الفشل في الاستعداد للانفصال وحل القضايا العالقة بين البلدين وإقامة علاقات أخاء وصداقة وتعاون.

(2)  اتسع نطاق الحرب لتشمل الشرق ودارفور وجبال النوبة والنيل الأزرق، نسبة لتعنت الرأسمالية الطفيلية الاسلامية. وقد فشل النظام أيضا في الالتزام بتطبيق الحلول السلمية الجزئية في اتفاقات نيفاشا لمنطقتي جبال النوبة والنيل الأزرق، وفشل في حل أزمة دارفور رغم اتفاقيات أبوجا والدوحة، وظل حل مسألة شرق يراوح مكانه بالرغم من إتفاقية أسمرا.

(3)  راوغ النظام في تطبيق الاتفاقات الموقعة لحل قضايا التحول الديمقراطي (نيفاشا القاهرة أبوجا وأسمرا) واستمرت انتهاكات حقوق الانسان في كل البلاد، وخاصة في مناطق الحرب وارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية وضعت قادة النظام في قائمة المطلوبين للعدالة الدولية.

(4)  تعميق الأزمة الاقتصادية: الأساس هو موقف الراسمالية الطفيلية الاسلامية من الانتاج،وما تم من اهدار للموارد بما في ذلك عائدات البترول والمعادن وانتشار الفساد في كل مؤسسات الدولة وأوجه الحياة، ترهل جهاز الدولة والحكم الولائي، تراكم الديون الخارجية والمحلية، تصفية مؤسسات القطاع العام، وافقار مؤسسات وشركات القطاع الخاص، التدهور المستمر  فى مستوى المعيشة وزيادة معدلات التضخم وتدهور قيمة العملة الوطنية .

(5)  تدهور الخدمات الاجتماعية كالتعليم والصحة وخدمات المياه والكهرباءوالنقل البري والنهري والبحري.

(6)  عزلة السودان الدولية، رغم رهن القضايا والصراعات الوطنية للدول الأجنبية، فالسودان يخضع للعصا ولا يناله من الجذرة حظ .

(7)  تزوير الانتخابات الأولى في 2009 والثانية في 2015.

أكدت دورة اللجنة المركزية في يونيو 2012 طبيعة النظام بقولها:

"هي سلطة الرأسمالية الطفيلية الاسلامية بكل مكوناتها المدنية والعسكرية والمرتبطة بمؤسسات الرأسمالية العالمية ولاستمرار بقائها فهي تستند على:-

  1. مصادرة الديمقراطية واستمرار قمع الحركة الجماهيرية.
  2. الاستمرار في نهب الفائض الاقتصادي. الإصرار على الحرب وتمزيق الوطن .
  3. التفريط في السيادة الوطنية والخضوع للدوائر العالمية خاصة المرتبطة بأمريكا.
  4. العمل على خلق الفرقة بين أطراف القوى الوطنية المعارضة." (ص 13)

إن سلطة الرأسمالية الطفيلية الإسلامية، لم تغير من طبيعة التشكيلة الإقتصادية الإجتماعية كتشكيلة رأسمالية، لكنها بوضع تلك التشكيلة تحت قيادتها، زادت من تشوهاتها ومن تبعيتها للسوق الرأسمالي العالمي وخضوعها لمؤسساته الدولية كصندوق النقد الدولي، مما أضعف الإنتاج الوطني وزاد من معدلات الفقر وأدى لإهدار الموارد البشرية والمالية والطبيعية للبلاد. 

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )