تقدير موقف

اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني

من انتخابات المجلس النيابي التاسع عشر

أواسط كانون أول 2020

 

الأجواء العامة عشية الانتخابات

من حيث المبدأ، لم يكن هناك ما يمنع أن تشكل الانتخابات النيابية، وهي الأخيرة في المئوية الأولى للدولة الأردنية، علامة فارقة في الحياة السياسية والبرلمانية، وأن تحتكم نتائجها لإرادة الناخبين الحرة،

وأن تتاح لجميع المرشحين فرصٌ متكافئة للتنافس على شغل المقعد النيابي، تترافق مع بعث وإشاعة أجواء من الحرية والثقة والأمل تدفع الناخبين وتشجعهم على التوجه بكثافة لصناديق الاقتراع، ولتفتح أمامهم آفاقاً أكثر رحابة من السابق للمشاركة الشعبية في تشكيل احدى السلطات الثلاث التي تشكل قوام النظام السياسي وتتقدم وفق منطوق الدستور على السلطتين الأخيرتين – التنفيذية والقضائية.

غير أن الانتخابات بمقدماتها وأجوائها ونتائجها افتقرت لكل هذه الشروط الضرورية والحاسمة، وجاءت لتُعمق الإحساس المعزز بأدلة ملموسة متواترة بأن التحالف الطبقي الحاكم لا زال يجنح باتجاه اقصاء القوى الشعبية وممثليها عن البرلمان وبأنه عاقد العزم على احتكار السلطة والاستفراد بها، رغم أن المواجهة الجادة والناجحة للتحديات الداخلية والخارجية، السياسية والاقتصادية والاجتماعية تفترض أوسع مشاركة شعبية ومساهمة لكل القوى السياسية والحزبية في البلاد.

لم تكن لدينا، حين قررنا المشاركة في الانتخابات، أوهامٌ حيال حدوث تبدل في هذا الجنوح. فالمؤشرات المتاحة كانت تعزز هذه القناعة ولا تنفيها. وقد تجلى ذلك في إصرار الأجهزة المعنية بالانتخابات على اجرائها وفق قانون صمّمت على عدم تعديله بما يفي بمتطلبات تشكيل مجلس نيابي يعكس التمثيل الصحيح لشعبنا الأردني بفئاته وشرائحه ومكوناته كافة دون إجحاف بالحقوق المدنية والسياسية لأي منها، وبما يسهم في تشكيل مجلس نيابي مختلف عن المجالس السابقة التي قصّرت في الاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية، وكان لآدائها الضعيف الأثر الأكبر في تردي هيبة المجلس النيابي وتراجع الثقة في قدرته على انجاز المهام الملقاة على عاتقه.

كما تجلى ذلك أيضاً في الثقة المبالغ فيها التي انطوت عليها التصريحات المتكررة لمسؤولي الهيئة المستقلة للانتخابات التي أفادت بأن الإجراءات الوقائية المتخذة من قبلها كافية لأن تبدد أي قلق لدى الناخبين من زيادة فرص الإصابة عند توجههم الى مراكز الاقتراع. ومع ذلك فقد تبين أن هذه التصريحات المتفائلة لم تفلح في ثني أعداد غفيرة من الناخبين عن عدم التوجه الى مراكز الاقتراع، كما أنها لم تستطع - ولم يكن بمقدورها أصلاً  - أن تضمن الالتزام بهذه الإجراءات خارج حرم مراكز الاقتراع قُبيل وبعد إدلاء الناخبين بأصواتهم.

كما لم تبدِ الهيئة المستقلة للانتخابات أي تجاوب مع المطالب التي تقدم بها حزبنا وجهات عديدة أخرى، بتأجيل الانتخابات الى موعد لاحق، قد تتهيأ لها ظروف صحية أفضل، وتكفل للمرشحين فرصاً للتواصل المباشر مع ناخبيهم، ولممارسة الدعاية الانتخابية بالوسائل المتعارف عليها والتي لا تغني عنها وسائل التواصل الاجتماعي.

كما تقلصت الآمال بحدوث تبدل ملموس في المناخ العام الذي جرت الانتخابات في ظله، والذي حفل بالعديد من المظاهر والظواهر السلبية والمعيقة، ومنها تقلص الهامش المتاح أمام ممارسة الدعاية الانتخابية حتى عبر مواقع التواصل الاجتماعي في ظل استمرار مفاعيل قانون الجرائم الالكترونية الذي تم الاتكاء عليه للتنكيل بأصحاب آراء تبدي انتقادات او اعتراضات على السياسة العامة المتبعة أو على بعض التدابير والإجراءات المتخذة من قبل الحكومة، ممّا شكل عوائق جدية امام التعبير عن الرأي بكل حرية، ودون خشية من أي عواقب غير محمودة.

كما تواصلت واستشرت شتى اشكال التدخل في العملية الانتخابية وفي ممارسة الضغوط المتنوعة على مرشحين محددين، ومنهم نواب سابقون، لم ينسجموا في مواقفهم تحت القبة مع مواقف السلطة وبالتالي لم تكن محط ارتياح من قبلها. وقد استهدفت هذه الضغوط ثنيهم عن مواصلة الترشح.

ولعبت هذه الضغوط دوراً كبيراً في عرقلة تشكيل القوائم الانتخابية في العديد من الدوائر، ولوحظ، تركيب وتفكيك وإعادة تشكيل بعض القوائم بين ليلة وضحاها.

ومما يؤسف له أن هذه الضغوط قد أصابت في ذلك قدراً من النجاح ساهم في تعميق النفور من هذه الانتخابات والعزوف عن المشاركة فيها.

ومع أن تدخل الأجهزة الأمنية كان حاضراً على الدوام في الانتخابات على مختلف المستويات، الا أن الانتخابات النيابية الأخيرة شهدت أشكالاً من التدخل كانت واضحة وبادية للعيان أكثر من أي وقت مضى، وهو ما وّفر مزيداً من الأدلة للطروحات التي اعتبرت الانتخابات "معلبّة" ونتائجها في غالبية الدوائر محسومة سلفاً. وأدى الى حدوث اعتراض واسع على نتائج الانتخابات تمثل في تقديم عدد من الطعون في النتائج هو الأكبر في تاريخ الانتخابات النيابية الأردنية.

ولا يجوز التغافل في هذا السياق عن الأثر الكبير الذي يتركه على الموقف العام من الانتخابات وعلى الاهتمام بقضية الديمقراطية والانشداد الى ممارسة الحقوق الديمقراطية والعامة، بما فيها المشاركة الشعبية في الحياة السياسية، استمرار الضغوط الاقتصادية والمعيشية، التي تفاقمت واستفحلت، على الغالبية الساحقة من الناخبين في ظل تفشي جائحة كورونا وارتفاع معدلات البطالة واتساع مساحات الفقر وعجز أعداد غفيرة من الأسر عن تأمين احتياجاتها الأساسية، الأمر الذي وفر تربة خصبة لاستخدام "المال الأسود" بصورة غير مسبوقة.

في ضوء كل ذلك لا يمكن إلاً للسذج تصور فعالية سياسية نشطة للجماهير في ظل تراجع قدراتها على تأمين متطلبات الحياة الأساسية من مأكل ومسكن ودواء وتوفر عمل يؤمن دخلاً يكفي لتلبية هذه الاحتياجات الضرورية.

 دوافع المشاركة

ورغم إدراكنا المسبق لكل هذه المعوقات وتقديرنا لأثرها السلبي على المشاركة الشعبية فقد قررنا خوض الانتخابات مدفوعين بالرهانات التالية:

  • لا يجوز للحزب السياسي الذي يتطلع لتغيير الواقع نحو الأفضل الاستسلام للصعوبات والعوائق القائمة والامتناع عن المشاركة في الانتخابات للبرلمان أياً كانت طبيعة تركيبته، ما لم يكن هذا التغيير المنشود قابلاً للتحقق بوسائل أخرى غير المشاركة في الانتخابات البرلمانية أو أن المشاركة في الانتخابات تقطع الطريق على الحركة الجماهيرية المتوثبة لإنجاز مقدمات عملية التغيير.
  • الانتخابات هي معارك ميدانية يكتشف الحزب من خلالها نقاط ضعفه ومواقع قوّته، يمتحن فيها كوادره وأعضاءه ويتعرف على قدراتهم الحقيقية. وخلال هذه المعارك الانتخابية يكتسب أعضاء الحزب خبرة ومراساً لن يتوفرا لهم بدونها، وتفتح لهم آفاقاً أرحب للتعلم من الجماهير وزيادة الصلة بها ورفع درجة وعيها ببرنامج الحزب وأهدافه.
  • يتعرف الحزب على موقف قطاعات واسعة من الجماهير من برنامجه ومواقفه وسياساته، وتفتح له الحوارات والنقاشات التي تتم في سياق الدعاية الانتخابية آفاقاً للتعديل والتصويب والتوضيح واغناء برنامجه بمقترحات ملموسة. وقد نجح الحزب رغم اضطراره للالتزام بالضوابط الصحية ومنها، التباعد الجسدي وحصر المشاركة في اللقاءات بعشرين شخصاً في التواصل عبر مواقع التواصل الاجتماعي مع أكثر من مليون مواطن أردني أعربوا عن مواقفهم من الشعارات الأساسية لبرنامجه الانتخابي.
  • في ظل الانتخابات يكتشف الحزب مدى مواءمة ونضج التحالفات السياسية للظروف الملموسة القائمة، ومدى قناعة المواطنين بها وبجديتها. وقد كانت الانتخابات النيابية الأخيرة فرصة لامتحان الائتلاف اليساري – القومي القائم منذ عدة سنوات، ولجوانب القوة والضعف في بنيته، مما يفتح الآفاق لتعديل وتصويب وتغيير ما لم تزكه الحياة، وتلافي ما ثبت بالملموس من أوجه قصور في نشاطه وفي العلاقات بين مكوناته.
  • تشكل الدعاية الانتخابية والحراك الانتخابي فرصة للفت الانتباه الى المشكلات القائمة ويفسح في المجال لتقديم رؤى وأفكار وطروحات لسبل معالجتها وخلق أوسع التفاف شعبي حولها.
  • اختبار وجود أو غياب فرص إحداث اختراق في جدار المعوقات القائمة للوصول الى قبة البرلمان، وللاستفادة من منبره في طرح البرنامج السياسي والانتخابي للحزب او للائتلاف الحزبي على بساط بحث المجلس النيابي والعمل لتحقيق أقصى ما يمكن من مضمونه، بالتكامل مع الضغط من خارج المجلس عبر وسائل العمل الشعبي والسياسي.
  • لم تقترن دعوات المقاطعة بتشكيل آليات عمل بديلة يركن اليها في تحقيق ما هو أفضل، بما تحققه المشاركة في الانتخابات والتي أشرنا اليه آنفاً لبعض منها.

 أوجه عوار العملية الانتخابية والتداعيات

إن سلوك الأجهزة الرسمية في فترة ما قبل الانتخابات وأثنائها يتعدى أثره وتأثيره المجلس النيابي الذي يتشكل كخاتمة لها، ويطال أي انتخابات قادمة، وتكون نتيجته اما تحفيز المشاركة الشعبية منها أو على العكس دفع الناس نحو مزيد من العزوف عن المشاركة فيها ومقاطعتها، الأمر الذي يسهم في تعمق هوة الثقة بين الحاكمين والمحكومين، ويرفع من منسوب الاحتقان، من دون استبعاد جنوح قطاعات من الشباب للتطرف بسبب انسداد الأفق السياسي أمامهم الذي قد يتطور لأشكال من الحقد الأعمى على الدولة والمجتمع والجنوح للانتقام جرّاء تنامي الإحساس بالغبن وانعدام المساواة وتكافؤ الفرص واتباع سياسات حصيلتها التهميش والاقصاء واللجوء في حال عدم كفاية هذه السياسات، للتدخل المباشر بما يفسح المجال لفوز مرشحين بعينهم، لدوافع تبقى عصية على التفسير المنطقي والادراك العقلاني.

لقد قصَّرت الانتخابات النيابية عن أن ترتقي ببلدنا ومجتمعنا الى مصاف الدول الديمقراطية التي تعمل على تجذير تقاليد برلمانية تستند الى معايير النزاهة والحياد الحكومي التام والخيار الحر للناخبين، وجرى الدفع بالأمور بحيث ينحصر التنافس بين مرشحين قريبين من دوائر صنع القرار ويحظون بمساندتها ودعمها أو مرشحين لهم حظوة ونفوذ وثقل عشائري في مناطقهم دون أن يكون لهم ممارسة سابقة في مجال العمل العام، او يمتلكون إمكانات مالية ضخمة لا يتورع بعضهم عن استخدامها لتحقيق الفوز بشكل يتعارض مع أحكام القانون في إطار ما يسمى بـ "المال الأسود" مستغلين قدرتهم على التملص من الوقوع تحت طائلة المسؤولية الجنائية ومن العقاب بالتمويه والفهلوة وبتواطؤ من الفاسدين ضعاف النفوس والمناعة الوطنية.

لقد ساهمت "مؤسسة الفساد" في تشويه العملية الانتخابية وفي إيصال مرشحين لا يمتلكون أي حيثية شعبية، ويصعب فوزهم بالمقعد النيابي بدون "المال الأسود". لقد شهدت مراكز الاقتراع ظواهر لا تستحق سوى الازدراء، تمثلت في تجول السماسرة على مرأى من الجميع، وتقديم عروضهم الفاسدة على المرشحين أو السعي لاستمالة أصوات بعض الناخبين.

إن هذه الوقائع ستهوي بهيبة المجلس النيابي وتؤدي الى تراجع الثقة فيه حتى من قبل فئة من الـ 29% الذين شاركوا في عملية الاقتراع.

لقد جرى العمل بدأب على تقليص الفرص المتاحة امام اجراء انتخابات تتسم بنكهة سياسية، تقوم على التنافس بين برامج ورؤى وطروحات لمرشحين لهم ميول سياسية وانتماءات حزبية، ومشهود لهم بدور ملموس في الحياة السياسية والاجتماعية والعامة.

 اتهامات لا سند لها في الواقع

بمجرد أن اتخذ حزبنا والأحزاب اليسارية والقومية الأخرى القرار بالمشاركة في الانتخابات، انطلقت حملة من الانتقادات والاتهامات الظالمة تعزو المشاركة الى دوافع لا تمت للواقع بصلة، ومنها أن الأحزاب قد تم استدراجها للمشاركة "طمعاً" في الحصول على الدعم المالي بموجب نظام المساهمة المالية الذي بدأ سريان مفعوله منذ مطلع تموز من العام الجاري والذي رصد مبلغ عشرين ألف دينار لكل حزب يعلن عن مشاركته في الانتخابات بحيث يتمكن كحد أدنى من ترشيح ستة من أعضائه في ثلاث دوائر انتخابية كحد أدنى.

نحن هنا نؤكد بأن الوقائع التاريخية تفند بذاتها هذه الادعاءات. فحزبنا لم يتخلف عن المشاركة في أي انتخابات نيابية جرت منذ تأسيسه ولغاية الآن، باستثناء عدم المشاركة في انتخابات المجلس النيابي السابع عشر التي جرت في كانون ثاني/ يناير عام 2013 والتي تشكل استثناء للقاعدة. ودأب الحزب على المشاركة في الانتخابات مهما كانت الظروف التي تجري في ظلها غير مواتية. والحزب في هذه المرة لم يشذ عن هذه القاعدة.

ونؤكد بملء الثقة أن الدعم المالي لم يكن له أي دور أو صلة بالقرار الذي اتخذته اللجنة المركزية بالإجماع دون أن تستثني تماماً حضورهُ – أي الدعم - عندما تم  بحث موضوع الترشيحات. وقد تبين أن ترشيح ستة مرشحين، وهو ما تبين أنه يفوق قدرات الحزب المالية والبشرية وامكاناته التنظيمية.

ولذا فان الحزب لم يستدرج – على حد تعبير البعض – للمشاركة دون وعي منه لطبيعة الظروف المحيطة بالانتخابات ودون أن تكون هناك أهدافٌ أخرى لا علاقة لها بالدعم المالي، وهو ما أشرنا اليه سابقاً.

كما لم يكن وارداً في ذهن الحزب التستر على قانون الانتخابات الذي كان ويبقى عائقاً جدياً امام تشكيل مجلس نيابي يلبي طموحات شعبنا ويستجيب للمهام الدستورية الملقاة على عاتقه، ويعكس صحة التمثيل لقطاعات شعبنا وطبقاته وفئاته الاجتماعية كافة. وكذلك لم يقلل من شأن شتى أشكال تدخل الأجهزة الحكومية والأمنية في العملية الانتخابية والدور الحاسم الذي اضطلعت به في تقرير تركيبة المجلس النيابي، ولا من شأن الأجواء السياسية والاقتصادية والصحية – الوبائية غير المواتية التي جرت فيها الانتخابات.

ومشاركة الحزب في هذه الانتخابات لم تمنعه من اعلان موقف صريح من كل هذه المعوقات الجدية التي حرمت بلدنا من أن يشهد انتخابات حرة، ديمقراطية ونزيهة، بل على العكس، فقد سمحت له أن يشهر هذه المواقف وبصورة صريحة وتعميمها على قطاع واسع من المواطنين عبر تطبيقات الفضاء الالكتروني المختلفة.

لن نجادل في حقيقة أن الانتخابات بالنتائج التي أسفرت عنها بالنسبة لحزبنا كانت قاسية وصادمة. ومع اننا لن نحاول اللجوء الى تبرير هذه النتيجة، بل الى تفسيرها واستنباط العبر منها، الا أننا لا نظن أن ما حصل عليه مرشحو القوى اليسارية والقومية يعكس بدقة نفوذهم وثقلهم الشعبي، ولا يبرهن على عدم التأييد لبرنامجهم السياسي والانتخابي وفق منطوق من علت أصواتهم بالنقد لقوى وأحزاب اليسار والذي تم امتحان العديد من جوانب هذا البرنامج في المسيرات والحراكات الشعبية على مدى سنوات عديدة، من خلال ترديد المشاركين فيها شعارات استمدت مضامينها الأساسية من هذا البرنامج.

وإننا نستغرب فعلاً من أن الحديث الواسع عن تزوير إرادة الناخبين، واختفاء أصوات مؤكدة لناخبين عند فرز بعض صناديق الاقتراع، يتوقف فجأة لدى التطرق للنتائج التي حصدتها القوائم التي تمثلت فيها الأحزاب والشخصيات اليسارية والقومية. ولو احتسبنا فقط أصوات أفراد عائلات وأسر أقاربهم ومعارفهم الذين توجهوا فعلاً لمراكز الاقتراع لكانت أكثر من العدد الذي تم الإعلان عنه. صحيح إننا لا نملك أدلة لنتوجه بها الى القضاء، الا إننا نطرح هذه الملاحظات كأسئلة مشروعة يجب التدقيق فيها وأخذها بالحسبان عند القيام بقراءة موضوعية ومنصفة للنتائج.

كما أننا نقر بأن الأثر الذي كان لعزوف قطاعات واسعة عن المشاركة في الانتخابات قد فاق توقعاتنا، رغم أننا استشرفنا هذا الأثر قبل فترة من توجه الناخبين للإدلاء بأصواتهم، وقد تم تضمين بعض الأسباب الرئيسة لهذا العزوف في المذكرة التي بعثنا بها للهيئة المستقلة للانتخابات وطالبنا فيها بارجاء موعد الانتخابات. وهذا الأثر يغدو أكثر أهمية إذا ما تبين أن نصيب أحزابنا اليسارية والقومية من أصوات من امتنعوا عن التوجه الى صناديق الاقتراع ليس قليلاً.

الخلاصة

بعد هذا الاستعراض المكثف لمجريات الانتخابات للمجلس النيابي التاسع عشر يمكننا أن نخلص لما يلي:

  • لقد قصَّرت هذه الانتخابات في أن تشكل نقطة تحول في التجربة البرلمانية وفي الحياة السياسية في البلاد، وان تجسد التزام الحكومة بإجراء الانتخابات البرلمانية في أجواء من حرية الاختيار والنزاهة والحياد، وكذلك الالتزام بمبادئ دستورية راسخة ومستقرة تقضي بأن الشعب مصدر السلطات، وبالفصل فيما بينها والحرص على احترام وتطبيق قيم الديمقراطية وتداول السلطة وضمان المشاركة الشعبية الواسعة في صياغة السياسات العامة ومراقبة تنفيذها.
  • لقد ثبت بالملموس أن قانون الانتخابات بصيغته الحالية يغيّب إمكانية خلق فرص متكافئة أمام جميع المرشحين، ويشكل عقبة كأداء في وجه تسييس العملية الانتخابية ويجعل من مشاركة الأحزاب السياسية فيها ذات سمة شكلية تكبح قدرات (الأحزاب) على مجاراة أصحاب القدرات المالية الكبيرة، وتحول دون تشّكل أجواء سياسية وحياة حزبية مواتية تفعّل دور الأحزاب السياسية وتسندها في تفنيد ودحض طروحات دعاة التقليل من شأن الأحزاب السياسية ومن دورها في الدولة والمجتمع.

لذا يجب أن يضع المجلس النيابي في صدر سلّم أولوياته تعديل قانون الانتخابات وعدم ارجاء ذلك الى الدورة الأخيرة للمجلس كما جرت العادة، والتوجه لإجراء حوارات معمقة مع سائر الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية والحزبية والعامة بهدف خلق توافق وطني عام وشامل حول مضامين التعديلات.

  • أن الديمقراطية الحقة لا تعني فقط تنفيذ الاستحقاق الدستوري في موعده، بل تعني في المقام الأول الاعتراف بأن الديمقراطية صيغة لإدارة الخلاف في المجتمع بوسائل سلمية من خلال قواعد متفق عليها بين جميع الأطراف تضمن تداول السلطة بين الجميع من خلال انتخابات حرة ونزيهة. ويشترط لتحقيق هذه الصيغة إقرار الحريات والحقوق السياسية والمدنية، الاعتراف بالتعددية السياسية في المجتمع، وإقرار مبدأ سيادة القانون ودولة المؤسسات واستقلالية السلطة القضائية وكذلك الإقرار بأن الديمقراطية السياسية لا تتحقق الاّ ارتباطاً بتحققها في المجالين الاقتصادي والاجتماعي وتوسيع المشاركة لفئات الشعب كافة.
  • إن الطريقة التي تمت بها إدارة الانتخابات من ألفها الى يائها وما أسفرت عنه من نتائج لا تشكل ضمانة بتقوية مؤسسات الدولة وتعزيز هيبتها وزيادة ثقة الشعب بقدرتها على مواجهة التحديات الخارجية المتعاظمة.
  • إن إضعاف الأحزاب السياسية بخلاف ما تنم عنه العديد من الوثائق والتصريحات الرسمية يُضعف الجبهة الداخلية ويجعلها هشة في مواجهة أطماع الدول والقوى المعادية لبلدنا وفي مقدمتها طرفا التحالف الأمريكي الصهيوني.
  • إن التحفظات والانتقادات لمسار العملية الانتخابية ولما أفضت اليه لا تعني اصدار حكم مسبق على أداء المجلس النيابي، الذي، وإن كنا لا نتوقع أن يأتي مغايراً للمجالس السابقة التي جرّت عليها بأدائها الباهت والضعيف انتقادات من أوساط شعبية واسعة لاقتها في بعض الأحيان انتقادات لشخصيات رسمية، الا أننا سنتابع أداءه ونرجو صادقين أن لا تصدق التوقعات غير المتفائلة حياله وأن ينهض بالمسؤوليات الدستورية الملقاة على عاتقه.
  • يعتقد الحزب بأن هناك ضرورة ملحة وراهنة لإعادة تقييم تجربة الائتلافات الحزبية والسياسية والانتخابية، ويرى أن على الحزب أن يعير مزيداً من العناية للحوار مع الأوساط الثقافية والفكرية والسياسية والحزبية التي قاطعت الانتخابات وروجت للمقاطعة، وان يسعى من ثم لتوضيح المخاطر المترتبة على عزوف الجماهير الشعبية عن المشاركة في أي انتخابات قادمة وعلى تدني فعاليتها السياسية والاجتماعية، وانزوائها عن المشاركة النشطة في الحياة السياسية والعامة، وتوضيح مدى الضرر الذي يتركه تفشي ثقافة المقاطعة والتذيل لعفوية الجماهير والانسياق وراء ردود أفعالها التي تتسم بالانفعال الناجم عن تراكم الاحباطات وخيبات الأمل من النهج السياسي والاقتصادي السائد وتداعياته الاجتماعية والنفسية.
  • ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الأردني إذ تشيد بجميع الرفاق الذين تجاوبوا مع توجه وقرار الحزب في ترشيح أنفسهم وانخرطوا في هذه المعركة، رغم ادراكهم للمعوقات التي تعترض العملية الانتخابية وتحول دون فوزهم، وواصلوا خوض المعركة الانتخابية، رغم تعرض بعضهم لحملات ظالمة من الافتراء بلغت حد اتهامهم بالكفر والالحاد، ورغم تقاعس البعض من رفاقهم السابقين عن دعمهم والوقوف الى جانبهم بدعوى المقاطعة، ونتوجه بالشكر الجزيل لكل الرفاق (ومنهم رفاق خارج التنظيم الحزبي) والأصدقاء والأنصار الذين آزروا مرشحي الحزب ودافعوا عنه وفندوا الافتراءات التي كالها البعض اليه وتشيد بتلقيهم النتيجة القاسية برحابة صدر وبإصرار على ادراك ومواجهة أسبابها الحقيقية دون مبالغة أو تهويل، وفي نفس الوقت دون تقليل أو استخفاف، واثقين من قدرة حزبهم على اجراء معالجة هذه الأسباب وتجاوز تداعياتها، واستخلاص الاستنتاجات الضرورية، واتخاذ القرارات الكفيلة بتعزيز نفوذ الحزب والاستعداد لخوض المعارك الوطنية والاجتماعية والانتخابية القادمة.

 عمان في 14/12/2020

 تابعنا على

إشتراك في أخبار الحركةالجماهيرية بالوتس اب  أرسل جملة ( إشتراك ب الوتس اب ) على الرقم 249122970890+