البرجوازية الصغيرة بين الطفيلية الإسلامية و القوي المناهضة للسلطة

الحلقة المفقودة في مسار الثورة الوطنية الديمقراطية و تنظيم قواها الإجتماعية (8)

مساهمة لإثراء الصراع الفكري داخل الحزب الشيوعي السوداني في إطار التحضير للمؤتمر السادس

الهادي هباني

فئات البرجوازية الصغيرة:

(انقر هنا لتنزيل كل الحلقات) 

البرجوازية الصغيرة باعتبارها أوسع الطبقات أو بمعني أصح (الفئات) انتشارا في بلادنا هي بالضرورة أكثرها تواجدا داخل تركيبة الحزب الطبقية. فهي تتمثل في صغار المزارعين، و صغار الرعاة ذوي الملكيات الصغيرة المحدودة أو العاملين بأجر في قطاع الرعي، الحرفيين وصغار التجار، شرائحها المتعلمة كالطلاب و المهنيين من أطباء ومحامين وقضاة و مهندسين ومعلمين و أساتذة جامعات و معاهد عليا، وموظفي خدمة مدنية، وضباط القوات النظامية، أو ما يصطلح عليه عموما بالطبقة الوسطى الذين يصعب وصفهم (كطبقة) باعتبار أن موقعهم في علاقات الانتاج السائدة ليست واحدة و قضاياهم المطلبية ليست واحدة و بالتالي مصالحهم الطبقية ليست واحدة، ففيهم الطالب الذي يعيش علي عاتق أهله أو علي الإعانات الشحيحة جدا من الدولة أو من تحويلات المغتربين من الأهل و الأصدقاء (يستثني منهم المبعوثين رسميا للداخل أو للخارج للحصول علي درجات علمية معينة أو للتخصص أو لتلقي تدريب معين علي حساب الدولة)، و فيهم ذوي المرتبات والإمتيازات العالية من موظفي البنوك و الشركات الأجنبية و المنظمات غير الحكومية و الأخري التابعة للأمم المتحدة، و فيهم أصحاب المهن الخاصة كأطباء العيادات الخاصة ومكاتب المحاماة والاستشارات الهندسية والاقتصادية و مكاتب المراجعة والمحاسبة، وفيهم الشرائح الوسطى الذين يعيشون فوق متوسط نصيب الفرد من الدخل القومي إعتمادا على مرتباتهم الشهرية، و فيهم الشرائح الدنيا ممن يعيشون علي خط الفقر و تقترب أوضاعهم من أوضاع الطبقة العاملة من صغار الموظفين في الخدمة المدنية و في القطاعين العام والخاص وصف الضباط وسط القوات النظامية.

لقد حدثت أيضا تحولات كبيرة في تركيبة هذه الفئات خلال سلطة يونيو الديكتاتورية. و إن كانت لها آثارها السلبية علي الواقع الإقتصادي و الإجتماعي و السياسي إلا أنها علي المدي الطويل تصب في مصلحة تطور الثورة الوطنية الديمقراطية أهما:

  • تدهور وضع المزارعين في القطاع المروي والمطري نتيجة لسياسات النظام التي دمرت و أفقرت الزراعة المروية، مما أدى إلي تدهور أوضاع المزارعين المعيشي وإجبار أعداد ضخمة منهم (خاصة الشباب والأطفال والنساء) للهجرة للمدن والإلتحاق بالأعمال الهامشية و في القطاع الإقتصادي غير المنظم عموما و هو من القطاعات الأكثر تفاعلا و تجاوبا مع هبَّات الحركة الجماهيرية و نهوضها.
  • إنتشرت شرائح المتعلمين نتيجة للتوسع غير المخطط والعشوائي للتعليم العام والعالي مع فشل الدولة في تشغيلهم وتدهورت بالتالي قدراتهم المعرفية و لم يتمكنوا بالتالي من مراكمة خبرات مهنية في مجالات تخصصاتهم المختلفة نتيجة لعدم وجود فرص عمل منذ تخرجهم وانعدمت بالتالي قدراتهم التنافسية في سوق العمل الداخلي والخارجي. كما زادت معدلات الهجرة بمستويات غير مسبوقة بينهم و الالتحاق أيضا بمهن هامشية في بلدان المهجر نتيجة لعدم القدرة علي المنافسة مثل (شركات الأمن و الحماية، الحراسات، محصلين في المنظمات الخيرية داخل المجمعات التجارية...إلخ). وتحول العديد منهم للعمل في الداخل في وظائف لا تتناسب مع تخصصاتهم العلمية (الركشات وأمجاد والمركبات العامة، الباعة المتجولين، التعدين الأهلي ...إلخ). هذه الشريحة بحكم موقعها الإجتماعي الحالي خارج الإقتصاد المنظم تقترب في تركيبتها الطبقية من الطبقة العاملة و الشرائح التي تعيش علي خط الفقر.
  • برغم حملات الفصل للصالح العام والإحالة للمعاش المبكر وخصخصة المؤسسات والشركات العامة وتصفيتها مما أدي لتزايد أعداد المهاجرين إلي ما يزيد عن 11 مليون مهاجر أي ما نسبته 28% من عدد السكان في السودان حسب الإحصاء السكاني للعام 1997م (صحيفة حريات، 2014م) خاصة من الشرائح العليا والوسطى من البرجوازية الصغيرة. إلا أن هذا الكم الهائل من المهاجرين قد تحول لقوي إجتماعية كبري لها تأثيرها علي الواقع الإقتصادي و الإجتماعي و السياسي. فالغالبية العظمي منهم متضررين من النظام. فمنهم من خرجوا لظروف إقتصادية عجزت فيها الدولة عن توفير سبل العيش الكريم لهم، أو أنهم قد ضاق بهم الحال بعد أن شردتهم السلطة نفسها عن وظائفهم للصالح العام و عيَّنت الموالين لها بدلا عنهم كجزء من سياسة التمكين، أو خرجوا لظروف الملاحقة السياسية و القهر و التعذيب. و بالتالي فإن قضاياهم الاقتصادية و الاجتماعية و السياسية تتلاقي و تتلاحم مع قضايا قوي الثورة الوطنية الديمقراطية و جماهيرها. و برغم اختلاف شرائحهم و مؤهلاتهم العلمية و مجالاتهم المهنية إلا أن قضاياهم المطلبية المتمثلة في (إلغاء الضرائب و الزكاة و الأتوات التي تفرضها عليهم الدولة، و تأمين تحويل مدخراتهم بالعملات الصعبة، حقهم في التعليم المجاني لأبنائهم بالداخل، التأمين الصحي و الضمان الإجتماعي، و ترتيب و تأمين عودتهم عند نهاية خدمتهم بما يضمن لهم سبل العيش الكريم) توحدهم جميعا و تجعل منهم قوي إجتماعية واحدة لها تأثيرها الإقتصادي و الإجتماعي و السياسي. فعلي المستوي الإقتصادي تمثل تحويلات المهاجرين مصدرا للعملات الحرة التي أدت سياسات الدولة الخاطئة إلي إنخفاضها بنسبة 87% من 3 مليار دولار إلي 400 مليون دولار (الراكوبة، 2016م). و علي المستوي الإجتماعي يسهم المهاجرون إسهام كبير في دعم الأسر الفقيرة و المتوسطة و الطلاب و توفير سبل العيش الكريم لهم و يغنيهم و يحميهم بالتالي من تلوث بيئة السلطة الحاكمة. أما علي المستوي السياسي فيسهم المهاجرون في توفير الدعم المادي للقوي السياسية المعارضة و المنظمات الديمقراطية و منظمات المجتمع المدني و المبادرات الشبابية المناهضة للنظام، بجانب الحملات التضامنية و الإحتجاجات العالمية التي تسهم في فضح النظام و تعريته في الخارج. بجانب انتشار المواقع الوطنية علي شبكة الإنترنت التي تسهم إسهاما له معناه في فضح النظام و كشف ملفات فساده.
  • أدي تدهور الأوضاع الإقتصادية و زيادة معدلات التضخم مع تدني الأجور و استمرار إنخفاض قيمة العملة المحلية لافقار أقسام كبيرة من البرجوازية الصغيرة من المهنيين و الدفع بهم للعمل الإضافي في المستشفيات الخاصة و الجامعات و المعاهد العليا و المدارس الخاصة و الدروس الخصوصية و غيرها. الأمر الذي أرهقهم و جعلهم يوظفون جل وقتهم في سبيل كسب لقمة العيش و انشغلوا بالتالي عن قضايا العمل الجماهيري العام مما أدي لابتعاد هذه الأقسام عن مواقع الحراك الجماهيري اليومي و بالتالي تعطيل نمو الحركة الجماهيرية وسط النقابات المهنية. إلا أن وجود هذه الأقسام العريضة ضمن البرجوازية الصغيرة الذين حافظوا علي نزاهتم و كرامتهم و لم يبيعوا أنفسهم للنظام و لأجهزته الأمنية و الطفيلية (كما فعلت أقسام أخري من البرجوازية الصغيرة) يجعلهم أكثر الأقسام استعدادا و قابلية لاتخاذ مواقف أكثر ثورية و تقدم و قدرة علي تجميع و تنظيم أنفسهم مع نهوض حركة الجماهير و انتقالها لمرحلة الفعل الثوري.

أما أقسام البرجوازية الصغيرة الدنيا فقد تساوت مستويات معيشتها مع مستوي معيشة الطبقة العاملة و العاملين في الإقتصاد غير المنظم في العاصمة و المدن الكبري و قد انشغلوا أيضا بمعاناة كسب لقمة العيش و ابتعدوا بالتالي عن العمل الجماهيري برغم معايشتهم للهم العام لجماهير شعبنا. و رغم ذلك فإن القطاع غير المنظم في العاصمة و المدن يعتبر من القطاعات الأكثر تفاعلا و تجاوبا مع المظاهرات و هبَّات الحركة الجماهيرية و نهوضها.

  • و علي الرغم من رشوة النظام لشرائح البرجوازية الصغيرة داخل الجيش و الشرطة و القوات النظامية عموما عبر الرواتب العالية و الإمتيازات و المخصصات، و برغم سياسة تقصير دورة الخدمة العسكرية عن طريق تجديد العاملين باستمرار بسرعة الإحالة للمعاش المبكر و في نفس الوقت سرعة تخريج دفعات جديدة، إلا أن إنخراط هذه الشرائح في الحروب الأهلية و تطوراتها المريرة و في التصدي لإحتجاجات الجماهير بشكل مستمر، وتأثرها بتدهور احوال أفرادها وأحوال أهاليهم المعيشية و مع نهوض حركة الجماهير ستنمو روح التذمر وسط الأقسام الحيَّة من هذه الشرائح و ستنخرط شيئيا فشيئا مع نهوض حركة الجماهير و تقف صفا واحدا معها. و الدليل علي ذلك بيان تجمع ضباط الشرطة الأحرار في الخدمة ومعاشيين داخل وخارج البلاد تضامنا مع إنتفاضة الطلاب أبريل 2016م. و كذلك موقف بعض عناصر الجيش في حماية المتظاهرين في مدينة بورتسودان من مطاردة الشرطة ابان انتفاضة الطلاب أبريل 2016م.
  • لقد ظلت شرائح البرجوازية الصغيرة عموما من أنشط الفئات الاجتماعية سياسيا، سواء في الإستمرار في ركب الطفيلية المتأسلمة بعد إستيلاء الأخيرة على السلطة، أو في ركب النضال ضدها بالإلتحاق بالقوى الديمقراطية والحزب الشيوعي وسط حركة الطلاب وحركات المهنيين والمعلمين، أو في بحثها عن تنظيمات سياسية جديدة. إلا أن عملية أغراء و رشوة و استقطاب فئات البرجوازية الصغيرة المتسلقة للطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة، و الذي ميز الفترة منذ إنقلاب يونيو 1989م و اكتمال مرحلة التمكين للسلطة الديكتاتورية المتأسلمة الحاكمة و حتي قُبَيل انفصال جنوب السودان، قد إنخفضت بشكل ملحوظ بسبب إنخفاض موارد هذه الطبقة بعد فقدان 75% من عائدات النفط و تفاقم مستوي التدهور الإقتصادي و زيادة معدلات التضخم و انخفاض قيمة العملة المحلية مقابل العملات الصعبة و تنامي دور جهاز الأمن و الإستخبارات كمؤسسة رأسمالية طفيلية تسيطر علي تجارة العملة في البلاد و تدهور أوضاع العديد من تجار المؤتمر الوطني و حصر الثروة بين عدد محدود جدا من المتنفذين و المقربين من الرئيس و أسرته و أعوانه المقربين و كذلك بجهاز الأمن و المخابرات. فالرأسمالية الطفيلية المتأسلمة التي كانت دائما تستجيب لنداءات الرئيس بتقديم الدعم المالي للدولة بتبرعاتها المالية السخية التي لا طائل لها بحكم علمها بأنها سوف تستردها أضعاف مضاعفة من خلال الإمتيازات و الإعفاءات و التسهيلات و ترسية العطاءات و الصفقات التي تتكرم بها الدولة عليها فيما بعد لم يعد لديها اليوم استعداد لدعم الدولة و بدأت في تهريب أموالها بالذات بعد إنفصال الجنوب عام 2011م لاستثمارها في إثيوبيا، ماليزيا، الإمارات، و غيرها من البلدان. و بالتالي فإن فرص تسلق البرجوازية الصغيرة من التكنوكراط المرتبطين بالدولة عبر الطبقة الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة قد تقلص بدرجة كبيرة. و بالتالي فإنه كلما زاد التدهور الإقتصادي و اخفضت موارد الدولة و تراكم الثروة في عدد محدود من الرأسمالية الطفيلية المتأسلمة كلما زادت معدلات إنحياز أقسام واسعة من شرائح البرجوازية الصغيرة لحركة الجماهير و للقوي المناهضة بشكل أو بآخر للنظام و الدليل علي ذلك بروز عدد مقدر من مثقفي الحركة الإسلامية الذين كانوا جزءا أصيلا من السلطة الحاكمة و و الذين تسلقوا علي حسابها و من المدافعين عنها كمناهضين و ناقدين للحركة الإسلامية من خلال كتاباتهم في الصحف و المواقع و تصريحاتهم من خلال بعض القنوات الفضائية و علي رأسهم الدكتور حسن مكي الذي ملأ الأرض ضجيجا في الآونة الأخيرة بنقده و هجومه علي الحكومة.