رؤية الحزب الشيوعي لحل الإشكال الاقتصادي

حوار مع القيادي بالحزب الشيوعي السوداني الأستاذ سليمان حامد

حوار : نهلة خليفة

 يشهد العالم تحولات متسارعة في كافة المجالات وخاصة في المجال الاقتصادي الذى أصبح عاملا مهما بعد ظهور تأثيرات التكتلات الاقتصادية الكبرى، والسودان بموقعه المتميز يحتل حيزا من الاهتمام باقتصاده ومساهمته العالمية ضعيفة قياسا بإمكانات الدول الكبرى التي تفرض سيطرتها الاقتصادية بالرغم من إمكانات السودان الهائلة من ارض ومياه ومعادن وبشر يمتازون بالخبرة والأداء المتميز.

وإدراكا لهذه الحقائق شرعت وكالة السودان للأنباء في سبر غور معوقات الأداء الاقتصادي وكيفية النمو ويسرها ان تلتقى بعدد من المهتمين بالشأن الاقتصادي من خبراء وسياسيين واكاديميين سودانيين كما يسرها ان تستضيف في استهلال هذا الجهد المطلوب الأستاذ سليمان حامد القيادي بالحزب الشيوعي السوداني.

س: -هناك ثمة مشكلات تعترض تطور الاقتصاد السوداني ماهي تلك المشكلات في رأيكم ؟

ج : بالطبع هناك مشكلات عدة اعترضت  وتعترض تطور الاقتصاد السوداني - ففي الأشهر الأولى من الاستقلال، خاطب السيد إسماعيل الأزهري – رئيس الوزراء في ذلك الوقت  - رحمة الله عليه – ندوة جماهيرية في ميدان المدرسة الأهلية بام درمان عند مطالبة الجماهير  بتحسين  الاحوال المعيشية قال فيها: (هذه مرحلة تحرير لا تعمير) وهو بهذا دق  أول أسفين في التنمية التي تمثل عصب تطور الاقتصاد السوداني وتساءل كيف يكون هناك تحرير بلا تعمير؟

ورأيي أن  السودان صار حبيسا لهذه العقلية سنوات طويلة وحتى يومنا هذا لم تستفد الحكومات المتعاقبة من أراضيه الشاسعة الصالحة للزراعة ولا من منتجات مشاريعه الزراعية المروية والمطرية الهائلة المساحات والوافرة الإنتاج الزراعي والحيواني، لإقامة صناعة تستفيد وتستند على الإنتاج، ولا استثني أي حكومة من الحكومات التي تعاقبت على حكم السودان رغم التفاوت في الأداء بينها في هذا المجال، إلا أن النظام السابق وشريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية هم أكثر الأنظمة التي وقفت عائقا أمام تطور الاقتصاد السوداني وساهمت بأكبر جهد  في تدميره ووصوله مرحلة الانهيار التام، فلو بدأت الحكومات في تطوير صناعة النسيج على سبيل المثال وأقامت مصانع للملابس والمفروشات وغيرها، لكان ذلك أمرا ممكنا باستثمار الفوائض  التي يوفرها  مشروع الجزيرة والمناقل والمشاريع الأخرى ولأستغني شعب السودان من معظم منتجات الملابس والمفروشات المستوردة الآن بمليارات الجنيهات من الخارج وقدمنا للمواطن وأسرته هذه المنتجات بأسعار زهيدة .

نفس الشيء يمكن حدوثه بتصنيع تعليب المنتجات الزراعية والحيوانية ومشتقاتها لتوفير غذاء دائم وآمن من عمليات (الفول المصري والفاصوليا  والطماطم  والخضروات المختلفة) وربما نجحنا في تصدير الفائض للبلدان المجاورة، ليس ذلك وحسب، بل أكدت التجارب أيضا انه من الممكن صناعة الخيش والورق من مخلفات هذه المنتجات الزراعية مضيفا ان خروج الدولة من الشراكة في القطاع الزراعي  المروي  ومن الإشراف على القطاع المطري، وحل المؤسسات المسؤولة عن إدارة وتقديم الخدمات وتوفير مدخلات الإنتاج والري له، وذلك بحل المؤسسات الزراعية  ومؤسسة الزراعة الآلية

  وأن التخريب طال مشروع الجزيرة والمناقل  وتم التخلص من القدرات الفنية مثل الهندسة الزراعية وإكثار البذور والسكك الحديدية والمحالج وبيعها جميعها للقطاع الخاص، بالإضافة الى ان تمويل العمليات الزراعية بالبنوك والشركات الخاصة ادى الى عجز المزارعين إلا الأغنياء مهم والذين يشكلون 2% من عدد مزارعي الجزيرة والمناقل مثلا فيما يمثل  فقراء المزارعين 69% والمتوسطين 29%..

 وكذلك نرى ان من اسباب تدهور الوضع الاقتصادي بالبلاد تكرم النظام السابق بمنح اراضي السودان للمستثمرين الأجانب وشركات وافراد حيث منحت البحرين 110 آلاف فدان، وباعت 2 مليون فدان في الشمالية لمستثمرين مصريين و2 مليون فدان في الشرق لمستثمرين سعوديين و400 ألف فدان للكويتيين، فضلا عن تسليم 2 مليون فدان من اراضي الفشقة الكبرى  اخصب الاراضي في السودان وإفريقيا  للإثيوبيين  وإيجار 400 ألف فدان من أراضي الجزيرة لشركة كورية لمدة 33 عاما دون استشارة ملاك الأراضي وأهالي المنطقة، وعامل آخر هو  رفع الدولة ممثلة في بنك السودان يدها عن التمويل الزراعي وتركه للبنوك الخاصة وتجار الشيك وتدهور دور البنك الزراعي حيث اعترف بذلك وزير الزراعة  بقوله (إن جملة ما تم توفيره العام 2011م لم يتجاوز 2539 مليون جنيه أي ما يعادل 2 % من جملة التمويل المصرفي، وشكك في إمكانية تحقيق الاكتفاء الذاتي وتحديد حدة الفقر في ظل استيراد منتجات غذاء بقيمة تزيد عن مليار دولار، بينما لا يتجاوز الصرف الكلي على الأنشطة الزراعية 600 ألف دولار.

واكد ان صيغ التمويل الإسلامية للبنوك تعتبر من أكبر معوقات التمويل الزراعي في السودان بسبب رفعها لتكلفة الإنتاج وزج المزارعين في السجون وتقليل المساحات المزروعة  وأحيانا  العزوف عن عملية الحصاد.

س:  ما هي نظرة الحزب للتجارة الحرة وسياسة التحرير وهل تخدم الأهداف الكلية للاقتصاد ؟

ج:  سياسة الاقتصاد الحر وتحرير السوق ادت إلى تدهور قيمة الجنيه السوداني ورفعت تكلفة المدخلات الزراعية المستوردة من آليات وبذور وسماد ومبيدات وخيش وجازولين حيث ارتفعت قيمة الواردات الزراعية بنسبة 23% من عائدات الصادرات الزراعية وارتفعت الى  63%  في المتوسط خلال الاثنتي عشرة سنة الأولى من حكم النظام السابق، و ان استيراد ثلاث سلع فقط هي السكر والقمح  والدقيق في عام 2012م  بلغ حوالي 320% من قيمة صادراتنا الزراعية !!

بالإضافة الى عبء استيراد البذور من الخارج بعد ان رفعت الدولة يدها عن الصرف على البحوث الزراعية وإكثار البذور وتحويله للقطاع الخاص المحلي وفشله في إنتاج واستيراد بذور فاسدة كما حدث على سبيل المثال في (قضية بذور عباد الشمس) ولأول مرة في تاريخ السودان منذ إنشاء البحوث الزراعية بالسودان نستورد تقاوى قطن من الخارج (القطن المحور وراثيا)  

 و أن العوامل كثيرة ومنها حل مؤسسات تسويق الإنتاج الزراعي (شركة الحبوب الزيتية، وإلغاء امتياز شركة الصمغ، وحل شركة تسويق الماشية و تخريب شركة الأقطان) مما  أدى إلى تدهور أسعار المنتجات الزراعية وضعف عائد المزارعين مما أدى بدوره إلى عزوف المزارعين عن  الزراعة، مع ارتفاع تكلفة الإنتاج نتيجة لخصخصة الخدمات واستيراد المدخلات.

واضح ان هذه الممارسات أدت  في المجال الزراعي إلى تدهور الإنتاج في السودان فالأراضي المزروعة قطنا كانت تبلغ في المتوسط في الفترة ( 1971- 1970- 1989 م- 1990م) حوالي 875 ألف فدان تدهورت في العشرة سنوات الأولى لسلطة الرأسمالية الطفيلية إلى متوسط 431 ألف فدان وانحدرت في موسم 2015 – 2016م إلى 13 ألف فدان فقط، وفشل النظام خلال  خطته العشرية 1992م- 2002م في إنتاج أي من أهدافها في إنتاج الغذاء لأهل السودان في مجالات الذرة والقمح والحبوب الزيتية من فول سوداني وسمسم وزهرة  عباد الشمس وما زال السودان يستورد مليون ونصف المليون طن من القمح سنويا، واصبح السودان مستوردا حتى لزيت الطعام بعد أن كان مكتفيا ذاتيا في نفس الوقت الذي كان يصدر فيه الحبوب الزيتية..

س: وماذا عن القطاع الحيواني ؟

 ج : فيما يتعلق بالقطاع الحيواني، فالوضع أسوأ بالنسبة للثروة الحيوانية، فقد ظل هذا القطاع يعتمد على قدراته الذاتية ومراعيه الطبيعية المتقلصة بسبب الزحف الصحراوي وتدهور الغطاء النباتي وبسبب الحروب في 3 ولايات ومن انفصال الجنوب الذي افقد الرعاة المرعى الصيفي لثروة تقدر لـ 8 ملايين مواطن من جمهورية السودان، مضيفا ان النظام السابق أهمل هذا القطاع اهمالا تاما انعكس على الثروة الحيوانية ففي الميزانية العامة لسنة 2005 حيث شكلت جملة منصرفات الدولة حوالي 5.5% ولم يتغير الحال كثيرا في ميزانيات 2013م وغيرها.

 س : كيف ترى الوضع في القطاع الصناعي والمشاكل التي اعترضت  تطوره ؟

ج : عندما استولى النظام السابق على السلطة كان السودان يمتلك صناعة زيوت طعام طاقتها الإنتاجية التصنيعية تبلغ 3 ملايين طن من الزيوت، فتدهور حتى بلغ في عام 2003م حوالي 90 ألف طن فقط، ووصل أعلى إنتاج له في عام 2008م وبلغ 160 ألف طن فيما كان هدف ما يسمي بالبرنامج الثلاثي الذي استحدث بعد انفصال الجنوب إنتاج 180 ألف طن، إلا أن ما تحقق في عام 2012م  هو 159  ألف طن فقط، وكانت طاقة صناعة الصابون تبلغ  520 ألف طن صابون غسيل بالقطعة و46 ألف طن بودره و20 ألف طن صابون حمام الآن أصبح السودان مستوردا لكافة أنواع الصابون من بلدان عرفت هذه الصناعة بعدنا بأكثر من نصف قرن.

 أما صناعة الغزل والنسيج والتي كانت تملك طاقة إنتاجية تصل إلى 50 ألف طن غزل و300 مليون ياردة من الأقمشة و21 مليون قطعة ملابس جاهزة وتريكو فقد توقفت كلية تقريبا عن الإنتاج ولم يثمر برنامج لتعميرها الا بأقل من 5% من طاقتها الإنتاجية وانه تم بيع المدابغ الحكومية ومصانع الأحذية بأبخس الأسعار.

س: وعن نظرة الحزب حول سياسة التحرير  وهل تخدم  الاهداف الكلية للاقتصاد السوداني ؟

 ج : إن أول مهددات التطور الصناعي هو سياسة التحرير الاقتصادي والتي تفتح السوق السوداني لمنافسة البضائع الأجنبية  خاصة الصينية ومنتجات جنوب شرق آسيا والمنتجات المصرية والسعودية .

 كذلك يعاني القطاع الصناعي مثل القطاع الزراعي من مشكلة التمويل، إذ أن الصيغ المسماة إسلامية لا تشمل صيغة ملائمة لتمويل الاستثمارات الرأسمالية ولا رأس المال الدائر للمؤسسات الصناعية، بجانب أن الصيغ السائدة غير ملائمة فهي صيغ مرتفعة التكلفة  ولا تقارن بأي سعر فائدة ساد في السودان من قبل أو يسود في العالم الآن.

س: هل ترون ان الخصخصة كانت سببا في إعاقة الاقتصاد السوداني؟

ج: أعاقت الخصخصة إلى حد بعيد تطور الاقتصاد السوداني فالمرسوم الدستوري الثالث لعام 1989م الذي أجازه مجلس قيادة (ثورة الإنقاذ) أمر بالتصرف في كل مرافق القطاع العام بالبيع لأطراف غير الدولة، أو إشراك أطراف من غير الدولة بأي صورة، صور المشاركة أو بالأيلولة والتصفية النهائية .

ويعبر هذا عن الطبيعة الطفيلية لشريحة طبقة الرأسمالية التي لا علاقة لها بالإنتاج مطلقا ذلك لأن الرأسمالية الطفيلية فئة طبقية من فئات الرأسمالية تعمل مثل فئات الرأسمالية الاخرى على الاستحواذ على الفائض الاقتصادي في مجال التوزيع والتجارة الداخلية والخارجية والعمل المصرفي والمضاربات المالية بما في ذلك تجارة العملة وتجارة الاراضي والمضاربة .. وهي تبني اقتصادا تابعا من خلال تبنيها لاقتصاد  السوق الحر وتأتي صفة الإسلامية لاتخاذها من الإسلام غطاءً.

 وتؤكد ما ذهبنا إليها، خطابات رئيس النظام المخلوع التي يكرر فيها رفع الدولة يدها عن الإنتاج الزراعي والصناعي والحرفي، بما في ذلك الحج إلى بيت الله الحرام وتحويله للقطاع الخاص يفعل فيه ما يشاء.

 ولهذا فإن رفع الدولة يدها عن قيادة الاقتصاد وتخطيط  مسيرة نموه وتطوره أدى إلى حد كبير الى الدمار والانهيار الذي نشهده الآن .

س: الى أي مدى تم استغلال الموارد وما اثر الفساد في ذلك؟

ج:  يمثل إهدار الموارد أحد المعوقات الأساسية في تطور الاقتصاد السوداني، فالموارد التي أتيحت  للنظام السابق لم تتاح لأي نظام في تاريخ السودان الحديث أو القديم باعتراف وزير مالية النظام إذ أنها (أهدرت باستخدامها في استيراد الكريمات والزهور والطيور وبناء العمارات والأبراج الشاهقة، ولو أنها خصصت لزيادة إنتاج السكر وزيوت الطعام لما عايشنا هذه الظروف) فإذا أخذنا عائد الصادرات من البترول في 9 سنوات 2001م وحتى 2010م نجد أنه  وفقا لأرقام صندوق النقد الدولي قد بلغت 54.2 مليار دولار، وهي كافية إذا ما استخدمت للتنمية أن تحدث طفرة إنمائية كاملة في السودان، وإذا استخدم نصفها فقط في التنمية فإن معدل الصرف على التنمية خلال 9 سنوات كان  سيكون 3 مليارات دولار سنويا، وهي كافية بكل المقاييس لإحداث نهضة زراعية صناعية وفي الخدمات، وكان من الممكن عن طريقها إصلاح الزراعة المروية وفي مقدمتها مشروع الجزيرة، وإحداث تحول نوعي في التنمية المتوازنة في الولايات ويزيل أسباب الحروب الأهلية ويحدث طفرة حقيقية في تنمية الريف والمناطق المهمشة جميعها ولكنها وفقا  لسياسة النظام الطفيلي  استخدمت في الصرف البذخي والرشاوى السياسية وشن الحروب على شعب السودان المطالب بحقوقه في التنمية والتي كان من الممكن أن تنجزها عائدات البترول.

وعكس ذلك نجد أن السودان لجأ للاقتراض من  الخارج لبناء الطرق والجسور والخزانات وإمداد  شبكات المياه والكهرباء للمدن، حتى بلغت مديونية السودان الخارجية 46 مليار دولار.

وعن الفساد نقول إن ما هو متداول في الصحف السودانية والقنوات العالمية عن حجم الفساد الذي مارسه النظام السابق يغني عن أي اسهاب في هذا الموضوع، يكفي أن نشير إلى المليارات التي  ضبطت  في منزل الرئيس المخلوع، وما حصر من أموال حزب المؤتمر الوطني الحاكم والتي بلغت أكثر من تريليون جنيه ومئات الملايين من الدولارات إلى جانب  آلاف العربات الفارهة ومحتويات الدور التي تبلغ الآلاف والأموال المهولة التي تصرف على مئات التنظيمات التابعة للمؤتمر الوطني .

 س : ماهي نظرة الحزب للتجارة الحرة  وتحرير السوق ؟

ج : نظرة الحزب للتجارة الحرة وسياسة تحرير السوق في واقع اقتصادي متخلف مثل بلادنا تعني  فتح السودان للواردات الأجنبية والتي لا يستطيع الإنتاج المماثل لها في السودان منافستها لأسباب عدة، بينها رخص التكلفة الإنتاجية للسلع المستوردة، ربما جودتها أيضا ورخص اسعارها وهذا يعني بوار السلع المنتجة محليا وإغلاق المصانع وتشريد آلاف العمال وإفلاس للرأسمالية السودانية المنتجة وهذا ما حدث في السنوات الراهنة من حكم الشريحة الطفيلية وهو أحد الاسباب الرئيسية في تدهور الاقتصاد السوداني، ولهذا فهو لا يخدم الأهداف الكلية للاقتصاد السوداني.

س : سبق للحزب في فترة مايو أن اتهم بانهم وراء سياسة التأميم والمصادرة التي تسببت فيما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية و في تحجيم المستثمرين ما هو رد الحزب؟

ج :اتهام الحزب الشيوعي بانه وراء سياسة التأميم والمصادرة والتي تسببت فيما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية وهو سبب إحجام  المستثمرين، اتهام بعيد عن الواقع، وقد كشف عبد الخالق  محجوب عن خطأ التأمين الممارس من قبل الدولة المايوية والذي شمل بعض المقاهي والمطابخ وامتد إلى بعض المؤسسات.

 وقد أوضح المرحوم عبد الخالق اوضح  أن  ضعف البلاد الماثل في مجالات الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي يستوجب وضع كل المحفزات التي تجعل رأس المال المنتج مساهما في تطوير مؤسساته الخاصة المنتجة وفقا للخطط الاقتصادية التي تضعها  الدولة وتقود عبرها الإشراف التام على التطور الإنتاجي في البلاد، وليس تأميم هذه المؤسسات ، لأن الدولة ليس لها القدرة وحدها على تطوير الإنتاج الصناعي والزراعي والحيواني والخدمي في هذه المرحلة من تطور البلاد ،و إشراك الرأسمالية السودانية بكل ما يجعلها مساهما حقيقيا في تطوير الإنتاج هو ما يفرض حماية إنتاجها من الإغراق بالصناعات المستوردة ، وتقليل تكلفة مدخلات الإنتاج وتوفير البني التحتية الملازمة لاستقرار الصناعة ، مثل تعبيد الطرق وتوفير الكهرباء وكل ما يعين على الإنتاج مثل الجازولين وغيره.

 ورأى حامد ان السبب المباشر لإحجام  المستثمرين يكمن في عدم توفير البني التحتية المساعدة في خلق الجو الملائم للاستثمار إضافة إلى الضرائب الباهظة ، وطلب الرشوة من بعض القابضين على تصديقات الاستثمار من المستثمرين  والفساد المستشري.

س :ما هي رؤية الحزب فيما يخص الجمعيات التعاونية  وهل يشجع تطورها  ؟

ج: الحزب الشيوعي لم يكن يشجع تطور الجمعيات التعاونية فحسب ، بل كان له دور فاعل في قيامها وتطورها ، حدث ذلك في معظم أقاليم السودان وعلى سبيل المثال الجمعيات التي قامت في مشروع الجزيرة مثل مطاحن قوز كبرو ومطاحن حلفا الجديدة التعاونية وغيرها  ، ذلك لأن الحزب الشيوعي بقراءاته للواقع السوداني توصل إلى أن نمط التعاونيات السائد في السودان هو شكل اجتماعي تشاركي نابع من صميم العادات والتقاليد السودانية الجماعية.

 وهذا يختلف عن النظرة القاصرة لجماعة الإسلام السياسي الذي عمل على التقليل من دور التعاونيات باعتبار أنها تمثل شكلا فيه ابعاد من الاشتراكية ، وهذا يخالف نهجهم وسلوكهم الفرداني القائم على الذاتية المحضة.

 واشار الى ان التعاونيات في الأصل وليدة النظام الرأسمالي فهي قد بنيت على نمط الشركات التجارية مع بعض التعديلات في الفكرة الاساسية لتصبح أكثر جماعية ولا تكون تابعة  لفرد أو عدد محدود من الاشخاص ، ويكرس دورها في تخفيف أعباء الحياة على من  ينتسبون إليها .

 وقال : النظام السابق  لم يقم بحل الجمعيات التعاونية كما فعل مع بقية التنظيمات والأحزاب السياسية والنقابات إلا أنه في إطار سياسة التمكين التي انتهجها عمل على الاستيلاء على الجمعيات التعاونية بسن القوانين المختلفة التي تحولها إلى سيطرة العناصر الموالية للنظام وتسخيرها لمصلحتهم . وصارع الحزب الشيوعي ضد هذه الاتجاهات ومازال يعمل على إلغاء كافة القوانين التي تحرف العمل التعاوني عن دوره الاساسي

س: ماهي وجهة نظر الحزب في الاستثمارات الاجنبية؟ وهل تؤمنون بالشراكات المتعددة مع المؤسسات الأجنبية والاستثمارات الاجنبية ؟

ج :الحزب لا يرفض الاستثمارات الأجنبية ، عكس ذلك فإنه يري من مصلحة تطور الاقتصاد السوداني هو الإقبال الواسع للاستثمار الأجنبي في بلادنا ، مع وضع الاعتبارات الآتية:

 أن تحدد الدولة مجالات الاستثمار التي تحتاجها البلاد  تفاديا لكل الممارسات الشائه والفاسدة التي مارستها ( الإنقاذ ) طوال الثلاثين سنة الماضية،  أن يكون الاستثمار قائما على سياسة النفع المتبادل الذي يعود للبلدين بالفائدة المرجوة، أن  يخدم الاستثمار الأجنبي ويساعد في تطور التنمية الزراعية والصناعية والخدمية وفقا للخطة التي  تضعها الدولة كقائدة للإنتاج في مجالاته المختلفة.

س: إدارة المشروعات الكبيرة في السودان ماذا تحتاج ؟ وإلى أي مدى يتأثر الإنتاج بشكل السلطات الإدارية؟

ج: تحتاج المشروعات في السودان خاصة تلك المتعلقة بالإنتاجية الكبيرة إلى الآتي : توفير التمويل اللازم لهذه المشاريع، واختيار الكادر العامل فيها على أساس الكفاءة والمقدرة على العطاء وليس على أساس الولاء الحزبي كما يحدث الآن ،وتوفير جو العمل المناسب بالنسبة للعاملين، وذلك يعني وضع اللوائح التي تكفل تنظيم العاملين في نقاباتهم واتحاداتهم او غيرها ويتوفر فيها ديمقراطية وحرية العاملين في تأسيس تنظيماتهم بلا وصاية من المخدم، بالإضافة الى الأجر المناسب الذي يحفز العامل على العطاء والابتكار، وحماية المشاريع المنتجة بوضع القوانين التي تسهم في تحقيق منافسة السلع الأجنبية للمنتجات المحلية ، وتخفيض الضرائب وأسعار مدخلات الإنتاج وغيرها من الإجراءات التي تجعل الأسعار في متناول محدودي الدخل .

س: هل يوجد اقصاء في الاقتصاد كما في السياسة وكيف ذلك؟

 ج: نعم  يوجد اقصاء في الاقتصاد وهو امتداد للإقصاء السياسي هذا ما جسده النظام السابق، فقد هدفت هذه الشريحة من خلال انقلابها فرض قيادتها على الرأسمالية السودانية والمجتمع السوداني واستخدام العنف والأيديولوجية في سيطرتها على موارد البلاد الاقتصادية غير أنها لم تستطع اكتساب المشروعية بقبول الجماهير لها ولهذا عملت على تصفية كل الرأسماليين الوطنيين الذين لا يخضعون لحزبها.

 س :ما هي المشكلات في مجالات البنوك المصرفية هل هي فساد أم خلل في التنظيم الإداري أم ماذا ؟

 ج :المشكلات في مجالات البنوك المصرفية هو فساد وخلل في التنظيم والقوانين والإدارة مجتمعة قامت بها شريحة طبقة الرأسمالية الطفيلية ففي أولي أيامها في السلطة شرعت في السيطرة على الجهاز المصرفي بصفة خاصة ، فتم انتهاك واسع لأعراف وسرية النظام المصرفي. وأصبحت الحسابات المودعة في كل المصارف مكشوفة عبر الموالين أمام السلطة، ووضعت تحت تصرفها وسنت قانون مصرفي جديد في العام 1991م لتركيز السلطة في يد محافظ بنك السودان الموالي للسلطة بديلا لسلطة مجلس إدارة البنك ، وأصدرت قوانين تجبر المودعين ، عندما تم تبديل العملة، على دفع تكلفتها بخصم 2% من أي رصيد وحجز 20% من أي رصيد يزيد عن 100 ألف جنيه.

أطلقت هذه القوانين حرية نشاط المصارف الموالية للنظام  وقيدت نشاط المصارف التجارية ومصارف القطاع العام ثم أنشأت سوقا للأوراق المالية ووجهت المصارف التجارية والشركات العامة وشركات التأمين لطرح أسهمها في السوق لتمكين التجار الموالين  ومؤسساتها من السيطرة على قمم الاقتصاد الوطني وامتصاص الفائض واستقطاب الثروة  في يد الجماعات المتنفذة والذين بدأوا ينضمون إلى الرأسمالية الطفيلية ، وأقصت الرأسمالية السودانية المستثمرة في مجالات الإنتاج المختلفة واحتكرت السوق والعمل في التجارة الخارجية.

 س : ما هو المطلوب من رئيس الوزراء المقبل في شأن الاقتصاد في الفترة الانتقالية حسب  وجهة نظر الحزب ؟

ج: المطلوب منه الآتي: وقف التدهور الاقتصادي ومحاصرته،  تحقيق التوازن الداخلي والخارجي ، محاصرة الضائقة المعيشية وتخفيف وطأتها وتحسين الأحوال المعيشية للمواطنين و يتم بإيقاف العمل بميزانية 2019م وإصدار ميزانية مؤقتة مع أعادة تبويب أولويات الصرف وإعادة التوازن الداخلي والخارجي لأن الميزانية الجارية لعب فيها الإنفاق الحكومي الجاري دورا أساسيا في تدهور الاقتصاد . وفي مقدمة هذا الإنفاق ، الإنفاق الأمني دون التأثير على القدرات القتالية للقوات المسلحة وقدرتها على حماية الوطن والمواطنين وتخفيض الأنفاق على القطاع السيادي ( مؤسسة الرئاسة ومجلس الوزراء الخ)،وتقليص مجلس الوزراء وتجنب تعيين وزراء دولة بحيث لا يزيد عدد الوزراء عن عشرين وزيرا .

أما التوازن الداخلي فيتطلب خلق مصادر للإيرادات دون الاعتماد على الضرائب غير المباشرة التي تثقل كاهل المواطن وتشكل سببا رئيسيا في تفاقم الضائقة المعيشية وهذه المصادر تتمثل في :زيادة الوزن النسبي للضرائب المباشرة في هيكل الإيرادات الضرائبية ، خاصة من الأنشطة غير الإنتاجية وتخفيفها على الأنشطة الإنتاجية خاصة الزراعية والصناعية، وإلغاء الإعفاءات الضريبية ( ضريبة أرباح الأعمال والإعفاءات الجمركية) الممنوحة للشركات التي لا تعمل في المجالات الإنتاجية خاصة التي يغلب الطابع الطفيلي على نشاطها ، وكذلك المنظمات المختلفة التي تحصل على هذه الإعفاءات تحت غطاء العمل الإنساني وغيره، واسترداد الأموال المنهوبة من قبل منسوبي النظام السابق ومصادرتها، ومصادرة أصول المؤتمر الوطني وكافة ممتلكاته، وإعادة النظر في المفوضيات بالدمج والإلغاء ، إعادة النظر في معاشات الدستوريين خلال فترة الديكتاتوريات العسكرية.

 س: ما هي رؤيتكم لتحسين  الظروف المعيشية  ؟

ج :تتمثل رؤيتنا  في  الغاء كافة الضرائب الاتحادية والولائية على الزراعة وقطاع الثروة الحيوانية، وإلغاء الازدواج الضريبي الذي يؤدي إلى زيادة العبء على المنتجين ويلتهم ارباحهم ويقعدهم عن الإنتاج ويؤدي إلى ارتفاع الاسعار النهائية للسلع ومن ثمة زيادة تكلفة المعيشة، والغاء ضريبة القيمة المضافة على منتجات القطاع الصناعي (الغذائية – السكر ، الدقيق ، الزيوت ،  وكذلك على المنسوجات وتخفيضها لباقي السلع إلى 5%، والغاء كافة الضرائب والدمغات المستحدثة ، والغاء الرسوم الجمركية على مدخلات الإنتاج الزراعي والصناعات الغذائية، وتخفيض الضرائب المباشرة على الصناعات الغذائية بنسبة 50%، والغاء كافة الرسوم التي يتحملها المواطن في قطاعي الصحي والتعليم كرسوم المستشفيات والرسوم في التعليم العام والعالي الحكومي والاستعاضة عنها  بزيادة الموارد المخصصة من الخزينة العامة لقطاعي الصحي والتعليم، وتوحيد سعر الكهرباء وتخفيضها على القطاع الصناعي من أجل خفض تكلفة الإنتاج، وإعادة بناء الجمعيات التعاونية الإنتاجية والاستهلاكية، وفتح باب التعيين لخريجي كليات التربية والزراعة والبيطرة والطب فورا.

أما التوازن الخارجي فيتحقق بمحاصرة العجز في كل الموازين المكونة لميزان المدفوعات( ميزان التجارة المنظورة، ميزان التجارة غير المنظورة، ميزان حركة رأس المال )، والضغط على الواردات القابلة للضغط وتشمل واردات السلع الكمالية والتركيز على استيراد : القمح ، والأدوية ومدخلات الإنتاج ،و الجازولين ، وتشجيع الصادرات خاصة الزراعية ( خفض تكاليف إنتاجها وزيادة قدرتها التنافسية في الأسواق الخارجية، والسعي للحصول على الإعفاء من الديون كليا أو جزئيا ، والرقابة اللصيقة  للدولة على تعدين الذهب والحيلولة دون تهريبه، واسترداد الأموال المنهوبة المودعة في البنوك الأجنبية والمخزنة في البيوت .

حتاما نشكر القيادي بالحزب الشيوعي السوداني الأستاذ  سليمان حامد على هذه الإضافات المهمة المساهمة  في ايجاد  حل لمشكلة الاقتصاد السوداني عبر القاء الضوء على تصور الحزب الشيوعي وآرائه بصفته ايضا كخبير اقتصادي.

المصدر وكالة السودان للأنباء

انقر هنا للتنزيل

 

 

تابعنا على

رابط إذاعة صوت الثورة السودانية ( داخل السودان محجوب من قبل النظام يمكنك استخدام برامج الـ VPN )